![]() |
من الدفاع عن النفس إلى الفتوحات: ماذا يقول التاريخ؟ قراءة في الحروب الإسلامية المبكر
من الدفاع عن النفس إلى الفتوحات: ماذا يقول التاريخ؟
قراءة في الحروب الإسلامية المبكرة ومشكلة الاعتداء والجزية والسبي والآخر الديني — الحلقة الثانية الباحث: فؤاد زاديكي إذا قبلنا مؤقتًا بأنّ بعض آيات القتال يُمكن فهمها في إطار الدفاع عن النفس، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي هذا التفسير لفهم التاريخ العسكري الإسلامي كلّه؟ هنا ينبغي الانتقال من النص إلى التاريخ. بعد وفاة محمد سنة 632م، توسّعت الدولة الإسلامية بسرعة كبيرة خارج الجزيرة العربية، فدخلت في حروب في بلاد الشام والعراق وفارس ومصر، ثم امتدّ التوسع إلى شمال أفريقيا، وبعد ذلك إلى الأندلس. وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى إعادة صياغتها لتصبح «دفاعًا عن النفس». فلا يمكن القول إنّ سكّان مصر مثلًا هاجموا المدينة أو مكة، ثم تحرّكت الجيوش الإسلامية إلى مصر للدفاع عن نفسها. ولا يمكن القول إنّ سكان الأندلس شنّوا حربًا على الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية قبل وصول الجيوش الإسلامية إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. وبالتالي، فإنّ العبارة التي تقول إنّ «كلّ الحروب الإسلامية كانت دفاعًا عن النفس لأنّ الآخرين بدأوا الاعتداء» لا تبدو كافية لتفسير هذا التاريخ. لكنّ هذا لا يعني أنّ الأمر كان مجرّد اعتداء بسيط من طرف واحد. فقد كانت بلاد الشام جزءًا من الإمبراطورية البيزنطية، وكان العراق وفارس جزءًا من عالم ساساني وإقليمي معقّد، وكانت هناك حروب وصراعات بين القوى الكبرى. لكن وجود قوة عسكرية منافسة لا يعني أنّ الحرب دفاعية بالضرورة. فقد تكون الحرب في الوقت نفسه صراعًا على النفوذ والحدود والموارد والسيادة والتوسّع، وهذا كان دافع الغزوات الإسلاميّة لتلك البلدان. ومن هنا يجب التمييز بين: وجود سبب أمنيّ أو استراتيجي للحرب وكون الحرب دفاعًا عن النفس بالمعنى الحديث. وهذه نقطة أساسية. أمّا القول إنّ «اليهود نقضوا العهد أولًا» فيحتاج هو الآخر إلى قدر كبير من الدّقّة. فمن غير الصّحيح التعامل مع يهود المدينة باعتبارهم كتلة واحدة لها موقف واحد. كانت هناك جماعات مختلفة، منها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، ولكلّ واقعة سياقها الخاصّ، كما أنّ الروايات الإسلامية نفسها تقدّم تفاصيل مختلفة حول أسباب الصراع ومراحله. لذلك فإنّ القول إنّ «اليهود نقضوا العهد، ولذلك حاربهم النبي دفاعًا عن نفسه» هو تبسيط تاريخي لا يكفي. والصياغة الأكثر احتياطًا هي أنّ العلاقات بين محمد وبعض الجماعات اليهودية في المدينة تحوّلت إلى صراعات سياسية وعسكرية انتهت في حالات مختلفة بالإخراج أو القتل أو الترحيل، لكونهم رفضُوا الدّخول في الدّين الجديد، وأنّ تفسير هذه الوقائع كلّها بأنّها مجرّد دفاع عن النفس يحتاج إلى إثبات مستقلّ لكلّ حالة. لكنْ حتى لو افترضنا جدلًا أنّ بعض الصراعات في المدينة بدأت نتيجة خرق عهد أو تهديد عسكري، فإنّ ذلك لا يُمكن أن يكون تفسيرًا للفتوحات، التي حدثت بعد ذلك خارج الجزيرة العربية. وهنا تظهر مشكلة أكبر أمام التفسير الدفاعي. إذا كان القرآن يقول: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا» فالسؤال التاريخي المشروع هو: مَنْ الذي كان يُقاتل المسلمين عندما خرجت جيوشهم إلى المناطق التي لم تُهاجم الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية؟ إذا قيل إنّ هذه الآية خاصّة بسياق معيّن، فقد انتهت المشكلة جزئيًا، لكن عندئذ لا يمكن استخدامها لإثبات أنّ كلّ الحروب الإسلامية دفاعية. أمّا إذا قيل إنّها قاعدة عامّة، فإنّ التاريخ يُصبح أكثر صعوبة في التفسير. وهنا تأتي التوبة 29: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ». فالآية لا تجعل «الاعتداء السابق» هو الشرط الوحيد للقتال، وإنما تُنشئ علاقة سياسية وعسكرية مع فئة دينية معيّنة ( هم اليهود والمسيحيّين) وتنتهي بالجزية. وهنا يُصبح من الصّعب القول إنّ القتال الإسلامي في النصّ القرآني كان دائمًا مجرّد حرب دفاعيّة. ويزداد الأمر وضوحًا عندما ننظر إلى النتائج التي ارتبطت بالفتوحات: السيطرة على الأرض، تغيير السلطة السياسية، فرض الجزية في حالات معيّنة، وتنظيم الغنائم والأسرى والسبي. إنّ وجود نظام للغنائم والفيء والجزية والأسرى وملك اليمين لا يُثبت أنّ الدّافع الوحيد للحرب كان اقتصاديًّا، لكنّه يدلّ على أنّ الفتح العسكري كان ينتج نظامًا سياسيًّا واجتماعيًّا جديدًا، وليس مُجرّد عودة الجيش إلى نقطة الصفر بعد صدّ العدوان. ومن هنا يمكن القول إنّ الدولة الإسلامية، مثل إمبراطوريات كثيرة في التاريخ القديم والوسيط، لم تكن تتحرّك بدافع واحد. كانت هناك عوامل دينية وسياسية وعسكرية واقتصادية واستراتيجية، وتداخلت هذه العوامل بدرجات مختلفة من مرحلة إلى أخرى. وهذا لا يجعل الإسلام استثناءً في التاريخ الإمبراطوري، لكنّه يجعل من غير الدّقيق تقديم الفتوحات كلّها على أنّها مجرّد دفاع عن النفس. أمّا فيما يتعلّق بالسّبي، فيجب أيضًا تجنّب المبالغة في الاتجاهين. لا يصحّ إنكار وجود الأسر والسّبي في التاريخ الإسلامي المبكّر (ورأيناهُ في العصر الحالي من داعش وغيره من التنظيمات الجهادية الإسلامية) وفي الفقه الإسلامي، كما لا يصحّ اختزال كلّ التاريخ الإسلامي في السّبي. المهمّ هو الاعتراف بأنّ منظومة الحرب في ذلك العصر كانت تتضمّن الأسر والاسترقاق والغنائم، وأنّ هذه المنظومة كانت جزءًا من الواقع القانوني والاجتماعي في المجتمعات القديمة. وهنا يظهر الفرق بين التفسير التاريخي والتبرير الأخلاقي. يمكننا أنْ نفهم لماذا كان نظام معيّن موجودًا في القرن السابع، دون أن يعني ذلك أنّنا نعتبره عادلًا أو صالحًا في القرن الحادي والعشرين وهذا يتناقض كلّيةً مع مقولة إنّ الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان. وبالمثل، فإنّ وضع نظام الجزية في سياقه التاريخي لا يعني أنّ علينا اليوم قبول التمييز القانوني على أساس الدّين. وهنا نصل إلى السؤال الأعمق: هل يمكن أن يكون النظام عادلًا عندما يكون الانتماء الديني معيارًا للحقوق؟ يمكن للإنسان أن يعتقد أنّ دينه هو الدين الحقّ، وهذا حقّه الكامل في إطار حرية الفكر والعقيدة. لكنْ من شيء آخر تمامًا أن تتحوّل هذه القناعة إلى قاعدة تقول إنّ الإنسان، الذي لا يشاركك عقيدتك أقلّ حقوقًا منك، وهذا ما ساد ويسود في كلّ العهود الإسلاميّة، فبمجرّد فرض الجزية هو دليل واضح على عدم المساواة. ففي المجتمع الحديث، الأصل أنّ الحقوق الأساسيّة تستند إلى الإنسانية والمواطنة، لا إلى الانتماء الديني، لكنّ هذا لا يتماشى مع مقولة إنّ الإسلام هو الحلّ كما يُشاع. وبالتّالي فإنّ الموقف الأكثر اتّساقًا هو أن نقول: يمكنني أن أعتقد أنّك مُخطئ دينيًّا، دون أن أعتقد أنّك أقلّ إنسانيّة. يُمكنني أن أرفض عقيدتك، دون أن أرفض حقّك في الوجود. يُمكنني أن أؤمن بأنّ ديني هو الحقيقة، دون أن أطالب الدولة بإجبارك على اعتناقها. وهذه النّقطة تضعنا أمام سؤال مهمّ جدًّا في تقييم أيّ تراث ديني: هل نُريد أن نستخرج من النّصوص القديمة ما يتوافق مع مبدأ المساواة الحديثة، أم نريد أن نعتبر كلّ حكم تاريخيّ جزءًا من منظومة مُلزمة حرفيًّا لكلّ زمان ومكان؟ إذا اخترنا الخيار الثّاني، فسوف تظهر حتمًا صعوبات كبيرة أمام مفاهيم المواطنة الحديثة والمساواة بين الأديان. أما إذا اخترنا الخيار الأوّل، فإنّنا نكون قد اعتمدنا مبدأ التأويل التاريخيّ والتطوّر الأخلاقيّ، وهو ما يعني ضمنًا أنّ الإنسان المعاصر يستطيع إعادة قراءة بعض الأحكام القديمة في ضوء مفهوم جديد للكرامة الإنسانية. وهذا يقودنا إلى خُلاصة القول: ليست المسألة أنّ الإسلام يحتوي فقط على آيات سلم أو فقط على آيات قتال. الواقع النصي والتاريخي أكثر تعقيدًا من ذلك. هناك آيات تتحدّث عن حرية الاعتقاد. وهناك آيات تؤكّد أنّ الإسلام هو الدين المقبول عند الله. وهناك آيات تتحدّث عن البرّ والقسط مع غير المحاربين. وهناك آيات تتحدّث عن القتال. وهناك في السّنّة أحكام تتعلّق بالجزيرة العربية. وهناك في الفقه نظام للجزية والغنائم والأسرى والسّبي. وهناك في التاريخ انتقال واضح من جماعة دينية محدودة إلى دولة ثم إلى إمبراطورية واسعة. ولا ينبغي أن نختزل هذا كلّه في عبارة واحدة. والأدقّ أن نقول إنّ هناك توتّرًا حقيقيًّا بين بعض المبادئ الدينية القديمة وبين مفهوم المساواة الإنسانية الحديثة، لكنّ هذا التوتّر لا يعني بالضرورة وجود تناقض منطقي يستحيل تفسيره داخل العقيدة الإسلامية. أما السؤال الأخلاقيّ، فهو أكثر أهمّيّة من مجرّد إثبات التناقض أو نفيه: هل يستطيع الإنسان أن يؤمن بأنّه يمتلك الحقيقة المُطلقة، ومع ذلك يمنح الآخر كامل الكرامة والحرية والمساواة؟ في رأيي، هذا هو الاختبار الحقيقي. فليس التّحدّي أن أعيش مع من يشبهني في العقيدة، وإنّما أن أستطيع أن أعيش بعدل مع مَنْ يختلف عنّي جذريًّا. ولذلك فإنّ المبدأ، الذي ينبغي أن يَحكم الحياة المشتركة هو: اختلاف العقيدة لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية. وإذا كان الإنسان يُريد أن يدافع عن دينه باعتباره دين الحقّ، فليس مطلوبًا منه أن يتخلّى عن إيمانه. لكن المطلوب منه أن يُجيب عن سؤال أكثر صعوبة: هل تستطيع أن تمنح من لا يؤمن بما تؤمن به نفس الحقّ في الكرامة والحرية والمواطنة، التي تطلبها لنفسك؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد انتقلنا من الصراع حول الحقيقة إلى أخلاق التعايش. أمّا إذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة لم تَعُدْ مجرّد خلاف في العقيدة، وإنّما أصبحت قضية تتعلّق بالعدل والمساواة وحقوق الإنسان. الباحث: فؤاد زاديكي |
| الساعة الآن 09:37 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke