Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   مجلس الشعب السوري الانتقالي وإشكالية التمثيل وتوازن السلطات الباحث: فؤاد زاديكي يُع (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51742)

fouadzadieke 01-07-2026 12:41 PM

مجلس الشعب السوري الانتقالي وإشكالية التمثيل وتوازن السلطات الباحث: فؤاد زاديكي يُع
 
مجلس الشعب السوري الانتقالي وإشكالية التمثيل وتوازن السلطات

الباحث: فؤاد زاديكي

يُعدّ تشكيل المجالس التشريعية في المراحل الانتقالية من أكثر القضايا تعقيدًا في علم السياسة الدستورية، إذ لا يتعلّق الأمر بمجرّد بناء مؤسسة قانونية جديدة، بل بإعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية ذاته في سياق يتّسم عادةً بغياب الاستقرار، وتفكّك البُنى المؤسّسية السابقة، وتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية في آن واحد. وفي مثل هذه السياقات، يصبح السؤال المركزي هو: هل تُبنى المؤسسات الانتقالية بوصفها أدوات مؤقتة لإدارة الفراغ السياسي تمهيدًا لانتقال ديمقراطي، أم تتحوّل تدريجيًا إلى هياكل دائمة تُعيد إنتاج السلطة بشكل جديد؟
في الحالة السورية الراهنة، يتكوّن مجلس الشعب من 210 أعضاء، جرى اختيار 140 منهم عبر آليات انتخابية غير مباشرة، بينما تم تعيين 70 عضوًا من قبل السلطة التنفيذية اليوم، أي ما يُعادل ثُلث المجلس بالكامل. هذا التّوزيع العددي ليس تفصيلًا تقنيًّا، بل هو عنصرٌ بنيويٌّ يؤثّر مباشرةً على طبيعة التّوازن داخل المؤسسة التّشريعية، وعلى مدى استقلاليتها الفعلية عن السلطة التّنفيذية.
إنّ وجود كُتلة تعيينية بحجم الثّلث داخل أي برلمان يُثير إشكالية دستوريّة معروفة في الأدبيات السياسية، تتعلّق بما إذا كانت هذه الكتلة تُستخدم كعنصر توازن إداري مؤقّت، أم كأداة تأثير سياسي قادرة على توجيه مسار التّشريع أو تعطيله. ففي الأنظمة، التي تعتمد على أغلبية موصوفة لتمرير قوانين أساسية أو قرارات مِفصليّة، يُصبح امتلاك ثلث الأصوات أو ما يقاربه عاملًا حاسمًا يُمكن أن يَمنع تمرير تشريعات جوهريّة أو يُعيد صياغتها بما يتوافق مع إرادة الجهة، التي تمتلك هذا الثّقل التّصويتيّ.
ومن هنا يَبرز مفهوم “الثّلث المُعطّل” بوصفه توصيفًا سياسيًّا يُشير إلى قُدرة كتلة معيّنة داخل البرلمان على منع الوُصول إلى الأغلبية المطلوبة لتمرير قرارات أساسيّة، خُصوصًا في القضايا الدستوريّة أو التّشريعات الكُبرى. وفي الحالة، التي يكون فيها هذا الثّلث مُرتبطًا مباشرةً بالسّلطة التّنفيذيّة من خلال التّعيين، فإنّ الإشكال لا يعود عدديًّا فقط، بل بُنيويًّا يتعلّق باستقلال القرار التّشريعي ذاته.
يُدافع أنصار هذا النّموذج الانتقالي عن وجود التّعيين داخل البرلمان باعتباره ضرورة فرضتها ظروف المرحلة الانتقالية، حيث لا يُمكن، وفق هذا الطّرح، الانتقال مباشرةً إلى انتخابات عامّة شاملة في ظلّ غياب الاستقرار الأمني، وتشتّت البنية السّكانية، وصُعوبة إجراء سجل انتخابيّ دقيق. وبالتّالي، يُنظر إلى التّعيين كآلية مؤقّتة لضمان استمراريّة عمل الدولة ومنع الفراغ المؤسّسي، وليس كبديل دائم عن التّمثيل الشّعبي.
غير أنّ هذا التّبرير يُواجه نقدًا سياسيًّا ودُستوريًّا مُعتَبِرًا، يرى أنّ توسّع سلطة التّعيين داخل مؤسسة تشريعية يفترض أن تكون تمثيلية بطبيعتها يؤدي إلى إضعاف مبدأ الفصل بين السّلطات، ويجعل البرلمان أقرب إلى امتداد وظيفيّ للسّلطة التّنفيذيّة منه إلى سلطة رقابيّة مستقلّة. فالمؤسّسة التّشريعيّة في هذه الحالة لا تُمارس دورها التّقليديّ في مراقبة الحكومة ومُساءلتها، بقدر ما تُصبح جُزءًا من منظومة السّلطة ذاتها، بما يحدّ من قُدرتها على إنتاج توازن مؤسّسي فِعليّ.
ويذهب هذا النّقد إلى أنّ الإشكال لا يقتصر على البنية العدديّة للمجلس، بل يمتدّ إلى طبيعة آليات الاختيار ذاتها، حيث يُؤدّي الاعتماد على التّعيين أو الاختيار غير المباشر إلى تقليص مساحة التّعدّد السّياسيّ، وإضعاف فُرص تمثيل القوى الاجتماعيّة والسياسيّة المختلفة، وهو ما ينعكس مباشرةً على شَرعيّة المؤسّسة من منظور تمثيليّ، حتّى وإنْ احتفظت بشرعيّة قانونيّة شكليّة ضمن الإطار الانتقالي.
وفي السّياق الأوسع للمرحلة الانتقالية، تُشير تجارب دوليّة مقارنة إلى أنّ نجاح الانتقال السّياسيّ لا يُقاس فقط بوجود مؤسّسات دستوريّة شكليّة، بل بمدى قُدرتها على التّحوّل التّدريجيّ من منطق السّيطرة المركزيّة إلى منطق التّمثيل التّعدّدي. ففي الحالات، التي يستمرُ فيها تركّز السّلطة داخل دائرة تنفيذيّة ضيّقة، سواءً عبر التّعيينات المباشرة أو غير المباشرة، غالبًا ما تتعرّض العمليّة الانتقاليّة إلى حالة من “التّجمّد المؤسّسيّ”، حيث تبقى الهياكل قائمةً دون أن تؤدي وظائفها الدّيمقراطيّة الكاملة.
وفي هذا الإطار، تُثار أيضًا إشكالية أوسع تتعلّق بأنماط إدارة الدّولة خلال الفترات الانتقالية، حيث يُلاحظ في بعض التّجارب المقارنة ميل السّلطة التنفيذية إلى توسيع نفوذها داخل المؤسّسات الجديدة، سواءً عبر التّعيينات أو عبر التّحكّم في قواعد اللعبة السياسيّة، وهو ما يؤدّي إلى إعادة إنتاج منطق السّلطة المركزيّة بصيغة جديدة، حتى وإن تغيّرت الأسماء والهياكل.
كما أنّ غياب آليات رقابة مستقلة فعّالة، سواءً من خلال قضاء مستقلّ أو إعلام حُرّ أو مُعارضة سياسيّة مُنظَّمة، يُضعف القُدرة على تحقيق توازن حقيقيّ بين السّلطات، ويجعل البرلمان الانتقاليّ عرضة للتأثير المُباشر من السّلطة التّنفيذيّة، الأمر الذي يَحدّ من استقلاليّته التّشريعيّة والرّقابيّة.
وبناءً على ذلك، فإنّ تقييم المجلس التّشريعي الانتقالي لا يُمكن أن يقتصر على وجوده القانونيّ أو على آلية تشكيله فحسب، بل يجب أن يشمل أيضًا مدى استقلاله الفعليّ، وقُدرته على ممارسة وظائفه الدّستوريّة دون خضوع مُباشر لإرادة السّلطة التّنفيذيّة، إضافةً إلى مدى وُجود مسار واضح ومُحدّد زمنيًّا للانتقال نحو انتخابات عامّة شاملة.
وعليه، فإنّ الإشكال الأساسيّ في هذا النّوع من النّماذج الانتقاليّة لا يتمثّل فقط في تفاصيل التّعيين أو نسَب التّمثيل، بل في السّؤال الجوهريّ الأعمق: هل تُستخدَم المرحلة الانتقاليّة كجسر حقيقيّ نحو نظام سياسيّ تعدّديّ قائم على الإرادة الشّعبيّة، أم تتحوّل إلى إطار مؤسّسيّ لإعادة إنتاج السّلطة المركزيّة بأدوات مُختلفة تحت مُسَمّى الانتقال؟
إنّ الإجابة عن هذا السّؤال تظلّ مرهونةً بتطوّر المسار السّياسيّ والمؤسّسيّ، وبقدرة الفاعلين السّياسيّين على تحويل المرحلة الانتقاليّة من حالة إدارة مؤقّتة للواقع إلى عمليّة تحوّل ديمقراطيّ فعليّ تَستند إلى التّمثيل والمُساءلة وتَوازُن السُلطات، لا إلى التّعيين والتّمركز والاحتكار المؤسّسيّ.


الساعة الآن 02:38 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke