![]() |
ذِكرى السَّيفو (1915) صَرخةُ ذاكرةٍ لا تَخبُو بِقَلمِ فُؤاد زاديكي يَحُلُّ علينا ف
ذِكرى السَّيفو (1915) صَرخةُ ذاكرةٍ لا تَخبُو
بِقَلمِ فُؤاد زاديكي يَحُلُّ علينا في الرَّابعَ عَشَرَ مِن حُزيران/يونيو، ذِكرى أليمةٌ من أعمقِ جراحِ التاريخ الحديث، الذِّكرى المُئَويةُ وما بعدها إثنا عَشَرَ عامًا لمآسي “السَّيفو” (ܣܝܦܐ)، تلك الحقبةُ الدامية، التي طالت خلال الحرب العالمية الأولى شعوبَ المشرق المسيحي، ولا سيّما السريان والآشوريين والأرمن والكلدان واليونان، في مختلف مناطق الدولة العثمانية آنذاك. إنَّها صفحةٌ مُثقلةٌ بالألم، شَهِد فيها التاريخُ على موجاتٍ من العنفِ والاقتلاعِ والتهجيرِ القسري، وراح ضحيّتَها مئاتُ الآلاف - بل تُقدِّرُ بعضُ -- الدراساتِ أنَّها بلغتِ المليون أو أكثر _ من الأبرياء الذين لم يحملوا سوى إيمانهم وانتمائهم وهويتهم الثقافية والدينية. وفي خضمِّ تلك الفواجع، سقط العديدُ من رجال الدين والعلماء والشيوخ والنساء والأطفال، ومن بينهم شُخصيّاتٌ كنسيةٌ عُرفت بخدمتها الروحية وصمودها، مثل جدّي القسّ يوسف لحدو مراد (يوسف حَدو سِتّو)، الذي ارتبط اسمه بخدمة الكنيسة في مناطق الجزيرة، إلى جانب كهنةٍ وأساقفةٍ كُثُرٍ واجهوا مصيرًا مأساويًا في تلك السنوات مثل المطران يعقوب الإسفسِي والعلّامة المطران أدّى شير الكِلدَانِي وغيرهم في عَهدِ السلطان عَبدِ الحميد. لقد رافقت تلك الأحداثُ - بحسب ما وثّقته شهاداتٌ تاريخية ودراساتٌ معاصرة - ظروفُ حربٍ واضطرابٍ سياسيٍّ واسع، تداخلت فيها سياساتُ الدولة العثمانية مع تحركاتٍ عسكريةٍ وأمنية، إضافةً إلى اشتباكاتٍ وصراعاتٍ محليةٍ في بعض المناطق، ما جعل المدنيين الأبرياء في قلب العاصفة، ودفع أثمانًا إنسانيةً باهظة لا تُمحى من الذاكرة الجماعية. ومهما تعددت القراءاتُ التاريخية وتباينت زوايا النظر، تبقى الحقيقة الإنسانية الأبرز أنَّ ضحايا تلك المرحلة كانوا من الأبرياء، الذين سُلبت منهم الحياة والطمأنينة والوجود، في مأساةٍ ما تزال آثارُها ماثلةً في الذاكرة والوجدان والشتات. إنَّ استذكار السَّيفو اليوم ليس دعوةً للانتقام، بل نداءٌ للعدالة التاريخية، وللاعتراف بآلام الشعوب، ولمنع تكرار مثل تلك الكوارث التي تُفجِع الإنسانية جمعاء. فالذاكرة لا تُبنى على النسيان، بل على الإنصاف، وعلى تحويل الألم إلى وعيٍ يُحصِّنُ الحاضرَ والمستقبل. وفي هذه الذكرى الحزينة، نقف إجلالًا لأرواح الضحايا جميعًا، ونرفع الدعاء أن يمنحهم الله السلام الأبدي، وأن تُشفى ذاكرةُ البشر من جراح الكراهية، وأن يبقى الإنسانُ هو القيمة العليا التي لا تُمسّ. رحم الله الشهداء، وجعل ذكراهم نورًا في ضمير الإنسانية، وعبرةً خالدةً في وجه كل ظلمٍ وعنف. |
| الساعة الآن 11:40 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke