Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   الإِنْسَانُ لَا يَتَجَزَّأُ: فِي مِعْيَارِ الحُرِّيَّةِ الدِّينِيَّةِ بَيْنَ التَّارِ (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51713)

fouadzadieke 13-06-2026 02:33 PM

الإِنْسَانُ لَا يَتَجَزَّأُ: فِي مِعْيَارِ الحُرِّيَّةِ الدِّينِيَّةِ بَيْنَ التَّارِ
 
الإِنْسَانُ لَا يَتَجَزَّأُ: فِي مِعْيَارِ الحُرِّيَّةِ الدِّينِيَّةِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالحَاضِرِ

بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي

تُعَدُّ الحُرِّيَّةُ الدِّينِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ القَضَايَا الَّتِي تَكْشِفُ مَدَى اتِّسَاقِ الإِنْسَانِ مَعَ مَبَادِئِهِ. فَكَثِيرًا مَا نَرَى النَّاسَ يُدَافِعُونَ عَنْ الحُرِّيَّةِ حِينَ تَخْدِمُ جَمَاعَتَهُمْ، ثُمَّ يُقَيِّدُونَهَا أَوْ يُبَرِّرُونَ انْتِهَاكَهَا حِينَ تَتَعَلَّقُ بِجَمَاعَةٍ أُخْرَى. وَهُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ: هَلْ الحَقُّ الإِنْسَانِيُّ حَقٌّ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ، أَمْ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الدِّينِ وَالهُوِيَّةِ وَالانْتِمَاءِ؟
لِنَفْتَرِضْ أَنَّ الدُّوَلَ الأُورُوبِّيَّةَ وَالوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةَ أَصْدَرَتْ اليَوْمَ قَرَارًا يَقْضِي بِمَنْعِ وُجُودِ المُسْلِمِينَ دِينِيًّا، أَوْ بِإِغْلَاقِ المَسَاجِدِ وَمَنْعِ الشَّعَائِرِ الإِسْلَامِيَّةِ، أَوْ حَتَّى بِإِخْرَاجِ المُسْلِمِينَ مِنْ بَعْضِ الأَقَالِيمِ بِسَبَبِ دِينِهِمْ. لَا شَكَّ أَنَّ العَالَمَ سَيَعُدُّ ذَلِكَ تَمْيِيزًا دِينِيًّا صَارِخًا وَاعْتِدَاءً عَلَى حَقِّ الإِنْسَانِ فِي الاعْتِقَادِ وَالانْتِمَاءِ وَالعَيْشِ فِي وَطَنِهِ. وَسَيَكُونُ هُنَاكَ إِجْمَاعٌ وَاسِعٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي الحِرْمَانِ مِنَ الحُقُوقِ الأَسَاسِيَّةِ.
وَلَكِنْ إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ المِعْيَارُ، فَإِنَّ الاتِّسَاقَ الأَخْلَاقِيَّ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نُطَبِّقَهُ عَلَى الجَمِيعِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ نُدِينَهُ إِذَا وَقَعَ اليَوْمَ، ثُمَّ نَعُدَّهُ عَدْلًا أَوْ فَضِيلَةً إِذَا وَقَعَ أَمْسِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَرْفُضَهُ حِينَ يَسْتَهْدِفُ جَمَاعَتَنَا، ثُمَّ نُبَرِّرَهُ حِينَ يَسْتَهْدِفُ غَيْرَنَا.
إِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالسِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ قَدْ يُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ الأَحْدَاثِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ الفِعْلِ مِنَ النَّاحِيَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ. فَفَهْمُ الشَّيْءِ لَيْسَ هُوَ تَبْرِيرَهُ. نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ العَالَمَ القَدِيمَ شَهِدَ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الإِقْصَاءِ الدِّينِيِّ وَالعِرْقِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ، لَكِنَّ هَذَا الفَهْمَ لَا يَعْنِي أَنَّ تِلْكَ المُمَارَسَاتِ تُصْبِحُ عَادِلَةً بِمُجَرَّدِ أَنَّهَا كَانَتْ شَائِعَةً.
إِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي وُلِدَ عَلَى أَرْضٍ مَا، وَعَاشَ فِيهَا، وَبَنَى بَيْتَهُ وَحَيَاتَهُ فِيهَا، لَا يَفْقِدُ حَقَّهُ فِي الوُجُودِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِ الدِّينِيِّ. وَإِذَا كَانَ مِنَ الخَطَإِ أَنْ يُطْرَدَ المُسْلِمُ مِنْ أَرْضٍ لأَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَهُوَ مِنَ الخَطَإِ أَيْضًا أَنْ يُطْرَدَ المَسِيحِيُّ لأَنَّهُ مَسِيحِيٌّ، أَوِ اليَهُودِيُّ لأَنَّهُ يَهُودِيٌّ، أَوْ أَيُّ إِنْسَانٍ آخَرَ بِسَبَبِ مُعْتَقَدِهِ.
إِنَّ المِعْيَارَ الأَخْلَاقِيَّ الحَقِيقِيَّ لَا يُبْنَى عَلَى السُّؤَالِ: «مَنْ هُوَ المُتَضَرِّرُ؟» بَلْ عَلَى السُّؤَالِ: «هَلِ الفِعْلُ فِي ذَاتِهِ عَادِلٌ؟». فَإِذَا كَانَ الفِعْلُ ظُلْمًا حِينَ يُمَارَسُ ضِدَّ جَمَاعَةٍ، فَهُوَ ظُلْمٌ حِينَ يُمَارَسُ ضِدَّ أَيِّ جَمَاعَةٍ أُخْرَى. وَإِذَا كَانَ الحَقُّ حَقًّا لِلإِنْسَانِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَيَّرَ بِتَغَيُّرِ الأَسْمَاءِ وَالأَدْيَانِ وَالأَوْطَانِ.
لِهَذَا فَإِنَّ أَعْظَمَ اخْتِبَارٍ لِلضَّمِيرِ الإِنْسَانِيِّ لَيْسَ الدِّفَاعَ عَنْ حُقُوقِ مَنْ نُحِبُّهُمْ وَنَنْتَمِي إِلَيْهِمْ، بَلِ الدِّفَاعَ عَنْ المِبْدَأِ نَفْسِهِ حَتَّى عِنْدَمَا يَشْمَلُ مَنْ نَخْتَلِفُ مَعَهُمْ. فَالحُرِّيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حُرِّيَّةً لِلْجَمِيعِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ امْتِيَازًا لِبَعْضِهِمْ.
إِنَّ الحَقَّ الإِنْسَانِيَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلْجَمِيعِ أَوْ لَا يَكُونَ حَقًّا أَصْلًا. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الحُرِّيَّةُ الدِّينِيَّةُ مَبْدَأً عَامًّا لَا يَخْضَعُ لِهُوِيَّةِ الضَّحِيَّةِ أَوِ الفَاعِلِ، وَإِمَّا أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى امْتِيَازٍ مُؤَقَّتٍ تَمْنَحُهُ الجَمَاعَاتُ لِأَنْفُسِهَا وَتَمْنَعُهُ عَنْ غَيْرِهَا.
وَلَعَلَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ الضَّمِيرَ الإِنْسَانِيَّ لَيْسَ وُجُودُ الظُّلْمِ فَحَسْبُ، بَلْ القُدْرَةُ عَلَى تَبْرِيرِهِ عِنْدَمَا يَصْدُرُ عَمَّنْ نُحِبُّهُمْ أَوْ نَنْتَمِي إِلَيْهِمْ. فَالمَبْدَأُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأَشْخَاصِ لَيْسَ مَبْدَأً، وَالعَدَالَةُ الَّتِي تَعْمَلُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ لَيْسَتْ عَدَالَةً
وَالإِنْسَانُ، فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، لَا يَتَجَزَّأُ.


الساعة الآن 12:43 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke