![]() |
الحسكة عبر التاريخ من مهد الحضارات إلى تعقيدات الحاضر إعداد: فؤاد زاديكي الحسكة ليس
الحسكة عبر التاريخ
من مهد الحضارات إلى تعقيدات الحاضر إعداد: فؤاد زاديكي الحسكة ليست مدينة عابرة في الجغرافيا السورية، بل هي واحدة من تلك البقاع، التي اختزلت في ترابها طبقات متراكمة من التاريخ الإنساني، وتعاقُب الحضارات، وتداخُل الشعوب والثقافات. فمنذ أقدم العصور كانت منطقة الجزيرة السورية، التي تتوسّطها الحسكة، معبرًا بين بلاد الرافدين والأناضول وبلاد الشام، ومجالًا رحبًا للاستقرار البشري بفعل وفرة المياه وخصوبة الأرض وموقعها الاستراتيجي بين نهري دجلة والفرات. عند ملتقى نهري الخابور والجغجغ نشأت الحسكة الحديثة، إلّا أنّ جذور المنطقة أقدم بكثير من المدينة نفسها. ففي أرجاء المحافظة تنتشر تلال أثرية عظيمة مثل تل براك وتل حلف وتل ليلان، وهي شواهد على وجود بشري يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، حين بدأت أولى المجتمعات الزراعية تستقرّ في هذه البقعة الخصيبة من العالم. خضعت المنطقة عبر تاريخها الطويل لحضارات وإمبراطوريات متعاقبة، فكانت جزءًا من عالم السومريين ثم الإمبراطورية الأكادية، قبل أن تصبح إحدى المناطق المهمّة في عهد الميتانيين الحوريين، ثم تدخل تحت سلطة الإمبراطورية الآشورية التي جعلت من وادي الخابور مركزًا زراعيًّا وعسكريًّا بالغ الأهمية. وبعد سقوط الآشوريين تعاقبت عليها الإمبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية والبيزنطية، وظلّت بحكم موقعها الحدودي منطقة صراع ونفوذ بين القوى الكبرى في الشرق القديم. ومع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي دخلت الجزيرة السورية عهدًا جديدًا، فأصبحت جزءًا من الدولة الإسلامية منذ عهد القائد عياض بن غنم، وتعاقب عليها الأمويون والعباسيون والأيوبيون والمماليك، قبل أن تدخل ضمن أراضي الدولة العثمانية لعدّة قرون. وخلال العهد العثماني لم تكن الحسكة مدينة كبيرة كما هي اليوم، بل كانت المنطقة فضاءً واسعًا للعشائر العربية والقبائل الكردية والتجمعات السريانية والآشورية، تتنقل فيه القوافل والرعاة على امتداد الجزيرة العليا. ومع انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى دخلت المنطقة مرحلة مفصليّة جديدة. فقد أعادت الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو ثم معاهدة لوزان، رسم حدود الشرق الأوسط الحديث، فقُسمت الجغرافيا الواحدة إلى دول وحدود فاصلة. وهكذا وُلد الحدّ الفاصل بين سوريا وتركيا، فانقسمت العشائر والعائلات والقبائل بين جانبي الحدود، وغدت مدن مثل القامشلي ورأس العين امتدادًا لمدن مقابلة داخل تركيا مثل نصيبين. وفي ظل الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان بدأت الحسكة الحديثة بالتشكّل تدريجيًّا كمدينة إداريّة ومركز حضريّ ناشئ. وقد شجّعت السلطات الفرنسية الاستقرار الزراعي والعمراني، وأسّست المراكز الحكومية والثّكنات، فاستقطبت المنطقة موجات بشرية متعددة، خاصّة من الأكراد والسريان والآشوريين والأرمن الذين دفعتهم الحروب والمجازر والنزاعات إلى اللجوء نحو الجزيرة السورية. ويُعدّ تاريخ الأكراد في الحسكة جزءًا أساسيًّا من تاريخ المنطقة الحديث. فالوجود الكردي في الجزيرة يعود إلى قرون سابقة، غير أنّ التحوّلات الكُبرى جاءت بعد انهيار الدولة العثمانية، خصوصًا عقب ثورة الشيخ سعيد وما تبعها من حملات قمع في تركيا، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من الأكراد إلى الهجرة جنوبًا نحو الأراضي السورية. ومع مرور الزمن أصبح الأكراد أحد المكوّنات الرئيسية في الحسكة، وأسهموا في تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها. إلى جانب ذلك، شكّل السريان والآشوريون ركنًا أساسيًا من هوية الجزيرة السورية. فالمنطقة كانت تاريخيًا جزءًا من بلاد آشور القديمة، واستمرّت فيها اللغة السريانية والتقاليد المسيحية عبر العصور. غير أنّ التحوّل الأبرز جاء خلال مذابح سيفو ١٩١٥م التي تعرّض لها السريان والآشوريون والأرمن داخل الدولة العثمانية، فاضطر عشرات الآلاف منهم إلى النزوح نحو سوريا والعراق. ثم جاءت مذبحة سميل لتدفع موجة جديدة من الآشوريين إلى الاستقرار على ضفاف نهر الخابور، حيث تأسّست عشرات القرى، التي أصبحت لاحقًا مراكز مهمّة للحياة السريانية والآشورية في سوريا. وبفضل هذا التنوّع السكّاني تحوّلت الحسكة إلى فُسيفساء ثقافية نادرة في المشرق، إذ تعايشت فيها العشائر العربية مع القبائل الكردية والجماعات السريانية والآشورية والأرمنية، وانعكس هذا التعدّد على اللغة والعادات والاقتصاد والحياة الاجتماعية. كما لعبت المحافظة دورًا اقتصاديًّا بالغ الأهمية بفضل ثرواتها الزراعية والنفطية، فأصبحت واحدة من أهمّ مناطق إنتاج القمح والقطن والنفط في سوريا. غير أنّ العقود الأخيرة حملت للحسكة تحوّلات عاصفة، لا سيّما بعد اندلاع الحرب السورية عام 2011، حين دخلت المحافظة مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري، وتعدّدت فيها القوى المسيطرة بين الحكومة السورية والتنظيمات المسلحة وقوات سوريا الديمقراطية، فضلًا عن التدخّلات الإقليميّة والدولية. كما تعرّضت قرى الخابور لهجمات دامية شنّها تنظيم داعش، الأمر، الذي أدّى إلى موجات نزوح وهجرة واسعة، خاصّةً في أوساط المسيحيين السريان والآشوريين. ورغم كلّ ما مرّت به الحسكة من تحوّلات وصراعات، فإنّها ما تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها واحدة من أكثر مناطق سوريا ثراءً بالتنوّع والتاريخ والذاكرة الإنسانية. فهي ليست مجرّد محافظة حدودية، بل سجل مفتوح لحضارات الشرق القديم، ومرآة للتحوّلات الكبرى التي شهدتها المنطقة عبر آلاف السنين، من فجر التاريخ حتى تعقيدات الحاضر. |
Hanna Dankha لا أحد يزور التاريخ، والنقاش التاريخي لا يُبنى على الزيارات الشخصية للم
Hanna Dankha
لا أحد يزور التاريخ، والنقاش التاريخي لا يُبنى على الزيارات الشخصية للمواقع الأثرية بل على الدراسات والتنقيبات والمنشورات العلمية. كونك زرت تل موزان أو تل براك أو تل ليلان لا يغير من حقيقة أن تل موزان يُعرف أثريًا بأوروكيش، وهي مدينة حورية موثقة في الأبحاث الأكاديمية. أما الآثار الآشورية الموجودة في بعض التلال فهي تعود إلى فترات لاحقة من تاريخ المنطقة، ولا تنفي وجود حضارات أقدم سبقتها. إذا كان لديك مصدر علمي يخالف ذلك فاطرحه، أما اتهام الآخرين بالتزوير فلا يغني النقاش التاريخي بشيء. |
Kardukh Amed
المشكلة أن معظم ما ذكرته يحتاج إلى توثيق دقيق. فالأرقام بين 5 آلاف و40 ألفًا واسعة جدًا ولا تسمح ببناء استنتاجات حاسمة، كما أن القول إن "أغلبهم عادوا أو هاجروا" يحتاج إلى مصادر إحصائية واضحة. أما ترسيم الحدود فهو بالفعل جاء لاحقًا، وهذا أحد أسباب تعقيد مسألة الهجرة والتنقل في تلك الفترة. وبالنسبة للإمارة الملية، فإن وجود نفوذ أو مجال تحرك لقبيلة أو إمارة لا يعني بالضرورة أن المنطقة كانت خالصة لقومية واحدة، فشمال سوريا والجزيرة تاريخيًا كانت موطنًا لشعوب وقبائل وطوائف متعددة ومتداخلة. لذلك الأفضل أن نناقش الوقائع وفق الوثائق والدراسات، لا وفق الاستنتاجات العامة. |
اسم Syria ليس مصطلحًا مستحدثًا سنة 1936، بل هو اسم جغرافي وتاريخي مستخدم منذ العصور اليونانية والرومانية للإشارة إلى بلاد الشام، واستمر استعماله في العهدين البيزنطي والعثماني كاسم إقليمي معروف. أما في فترة الانتداب الفرنسي، فقد وُجدت إدارات مثل دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين وجبل الدروز، لكن مشروع 1936 كان محاولة توحيد هذه الكيانات ضمن دولة سورية واحدة ولم يكن “إنشاء سوريا من العدم”.
أما القول إن اسم سوريا مرتبط بعبادة إله يسمى “سورياش” فهو طرح غير مثبت تاريخيًا ولا يوجد دليل أثري أو نصوص أكاديمية معتمدة تدعمه، وغالبية الدراسات تربط الاسم بتطورات لغوية قديمة مرتبطة بمصطلحات مثل “آشور/Assyria” أو الاستخدام اليوناني القديم، وليس بإله محلي. لذلك فإن الفكرة التي تقول إن سوريا لم تكن موجودة إلا بعد 1936 أو أنها ارتبطت بعبادة إله معين هي قراءة غير دقيقة للتاريخ وتمزج بين فرضيات لغوية وتأويلات غير موثقة، بينما الواقع التاريخي موثق في المصادر الجغرافية والإدارية القديمة والحديثة. |
بعثة إيبلا التي قادها عالم الآثار الإيطالي Paolo Matthiae ركّزت أساسًا على دراسة حضارة الألف الثالث قبل الميلاد في موقع تل مرديخ، أي على الجوانب الأثرية واللغوية والسياسية في تلك الحقبة القديمة، مثل النصوص الإيبلاوية والعلاقات بين المدن-الدول في بلاد الشام وبلاد الرافدين. هذه الدراسات لا تتناول الهويات القومية الحديثة بمعاييرها الحالية مثل “كرد” و“عرب”، لأن هذه التصنيفات لم تكن موجودة بهذا الشكل في تلك الفترة التاريخية البعيدة.
لذلك، لا توجد في نتائج البعثة أي إثبات أو نفي مباشر لوجود جماعات “كردية” أو “عربية” بالمعنى القومي الحديث في زمن إيبلا، بل يتم الحديث عن شعوب ولغات قديمة ضمن سياق حضاري مختلف تمامًا عن المفاهيم القومية المعاصرة. وعليه، فإن إسقاط الهويات الحديثة على تلك المرحلة هو قراءة حديثة للتاريخ وليس نتيجة علمية مباشرة من اكتشافات إيبلا. |
بعثة إيبلا التي قادها عالم الآثار الإيطالي Paolo Matthiae ركّزت أساسًا على دراسة حضارة الألف الثالث قبل الميلاد في موقع تل مرديخ، أي على الجوانب الأثرية واللغوية والسياسية في تلك الحقبة القديمة، مثل النصوص الإيبلاوية والعلاقات بين المدن-الدول في بلاد الشام وبلاد الرافدين. هذه الدراسات لا تتناول الهويات القومية الحديثة بمعاييرها الحالية مثل “كرد” و“عرب”، لأن هذه التصنيفات لم تكن موجودة بهذا الشكل في تلك الفترة التاريخية البعيدة.
لذلك، لا توجد في نتائج البعثة أي إثبات أو نفي مباشر لوجود جماعات “كردية” أو “عربية” بالمعنى القومي الحديث في زمن إيبلا، بل يتم الحديث عن شعوب ولغات قديمة ضمن سياق حضاري مختلف تمامًا عن المفاهيم القومية المعاصرة. وعليه، فإن إسقاط الهويات الحديثة على تلك المرحلة هو قراءة حديثة للتاريخ وليس نتيجة علمية مباشرة من اكتشافات إيبلا. |
| الساعة الآن 07:55 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke