![]() |
«چِنِّكْ لَيْلَة وَچِنِّكْ لَيْلَة… يَا وِيلَكْ مِنْ هَايِ اللَّيْلَة» فُؤَاد زَادِي
«چِنِّكْ لَيْلَة وَچِنِّكْ لَيْلَة… يَا وِيلَكْ مِنْ هَايِ اللَّيْلَة»
فُؤَاد زَادِيكِي يُعَدُّ هٰذَا القَوْلُ مِنْ أَعْرَقِ الأَهَازِيجِ الشَّعْبِيَّةِ المُتَدَاوَلَةِ فِي البِيئَاتِ العِرَاقِيَّةِ وَالفُرَاتِيَّةِ وَالبَدَوِيَّةِ، وَهُوَ مِنَ النُّصُوصِ الشَّفَهِيَّةِ الَّتِي رَافَقَتْ طُقُوسَ الأَعْرَاسِ وَلَيْلَةَ الزَّفَافِ عَلَى مَدَى أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ. وَقَدِ انْتَشَرَ هٰذَا النَّمَطُ مِنَ الأَهَازِيجِ فِي جَنُوبِ العِرَاقِ وَالفُرَاتِ الأَوْسَطِ، كَمَا وُجِدَ بِصِيَغٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي المُجْتَمَعَاتِ السُّورِيَّةِ، خُصُوصًا فِي مِنَاطِقِ الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ وَدَيْرِ الزُّور وَالرَّقَّة وَالأَرْيَافِ الشَّرْقِيَّةِ وَالبِيئَاتِ العَشَائِرِيَّةِ وَالبَدَوِيَّةِ، وَذٰلِكَ بِحُكْمِ التَّدَاخُلِ الثَّقَافِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ مُجْتَمَعَاتِ ضِفَافِ الفُرَاتِ وَالبَادِيَةِ العَرَبِيَّةِ. وَيَرِدُ النَّصُّ عَلَى الصِّيغَةِ التَّالِيَةِ: > «چِنِّكْ لَيْلَة وَچِنِّكْ لَيْلَة يَا وِيلَكْ مِنْ هَايِ اللَّيْلَة» وَهُوَ قَوْلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الفَرَحِ وَالمِزَاحِ وَالهَيْبَةِ، فَيُرَدَّدُ فِي أَجْوَاءِ الغِنَاءِ وَالتَّصْفِيقِ وَالزَّغَارِيدِ؛ لِيُضْفِيَ عَلَى لَيْلَةِ الزَّفَافِ طَابَعًا مِنَ التَّرَقُّبِ وَالتَّهْوِيلِ الرَّمْزِيِّ الَّذِي يُصَوِّرُ هٰذِهِ اللَّيْلَةَ بِاعْتِبَارِهَا لَحْظَةً فَاصِلَةً فِي حَيَاةِ الرَّجُلِ. أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ، فَإِنَّ كَلِمَةَ «چِنِّكْ» هِيَ تَحْوِيرٌ لَهَجِيٌّ لِـ«كَأَنَّكَ»، وَتُسْتَعْمَلُ فِي اللهْجَةِ العِرَاقِيَّةِ وَبَعْضِ اللهَجَاتِ الفُرَاتِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعَجُّبِ، وَكَأَنَّ المُغَنِّينَ يَقُولُونَ لِلْعَرِيسِ: هٰذِهِ لَيْلَتُكَ الَّتِي اخْتُصِصْتَ بِهَا، أَوْ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ مِحْوَرَ اللَّيْلَةِ وَعُنْوَانَهَا. وَيَأْتِي التَّكْرَارُ فِي الجُمْلَةِ لِيُعَزِّزَ الإِيقَاعَ الشَّعْبِيَّ وَيُكْسِبَ الأُهْزُوجَةَ طَاقَتَهَا الغِنَائِيَّةَ وَالتَّأْثِيرِيَّةَ. أَمَّا عِبَارَةُ: «يَا وِيلَكْ مِنْ هَايِ اللَّيْلَة» فَلَا تُفْهَمُ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ هِيَ تَعْبِيرٌ شَعْبِيٌّ تَهْوِيلِيٌّ ذُو طَابَعٍ فُكَاهِيٍّ، يُرَادُ بِهِ مُدَاعَبَةُ العَرِيسِ وَإِثَارَةُ شَيْءٍ مِنَ الرَّهْبَةِ اللَّطِيفَةِ حَوْلَ لَيْلَةِ الدُّخْلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانِي التَّحَوُّلِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَالانْتِقَالِ مِنْ حَيَاةِ العُزُوبَةِ إِلَى الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ. وَقَدْ كَانَ المُجْتَمَعُ الشَّعْبِيُّ يَنْظُرُ إِلَى لَيْلَةِ الزَّفَافِ بِوَصْفِهَا لَحْظَةً مَصِيرِيَّةً فِي حَيَاةِ الرَّجُلِ، لِذٰلِكَ كَثُرَتِ الأَهَازِيجُ وَالأَقْوَالُ الَّتِي تَمْزِجُ بَيْنَ الفَرَحِ وَالمُزَاحِ وَالتَّخْوِيفِ الرَّمْزِيِّ. فَكَانَ الأَقَارِبُ وَالأَصْدِقَاءُ وَخُصُوصًا النِّسَاءُ وَكِبَارُ السِّنِّ يُحِيطُونَ العَرِيسَ بِأَجْوَاءٍ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ الفُكَاهِيَّةِ وَالأَهَازِيجِ الحَمَاسِيَّةِ؛ تَخْفِيفًا لِلتَّوَتُّرِ وَكَسْرًا لِلْحَيَاءِ وَتَهْيِئَةً لَهُ لِمَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الحَيَاةِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ، يَعْتَمِدُ هٰذَا النَّوْعُ مِنَ الأَهَازِيجِ عَلَى الجُمْلَةِ القَصِيرَةِ وَالتَّكْرَارِ الإِيقَاعِيِّ وَالأَدَاءِ الجَمَاعِيِّ المُتَصَاعِدِ، وَغَالِبًا مَا يُؤَدَّى مَعَ التَّصْفِيقِ أَوِ الدُّفُوفِ وَأَصْوَاتِ الزَّغَارِيدِ، وَقَدْ تُضَافُ إِلَيْهِ أَبْيَاتٌ أُخْرَى تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المَنْطِقَةِ وَالعَشِيرَةِ، مِمَّا جَعَلَهُ جُزْءًا مِنَ الذَّاكِرَةِ الشَّعْبِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ العِرَاقِ وَسُورِيَا وَالبِيئَاتِ البَدَوِيَّةِ المُتَقَارِبَةِ ثَقَافِيًّا. وَمِنَ الدِّقَّةِ العِلْمِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هٰذَا القَوْلَ لَا يَنْتَمِي حَصْرًا إِلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الفُلْكْلُورِ العَرَبِيِّ الشَّعْبِيِّ الفُرَاتِيِّ–البَدَوِيِّ المُشْتَرَكِ، الَّذِي تَنَقَّلَ عَبْرَ الأَجْيَالِ وَالحُدُودِ الجُغْرَافِيَّةِ، حَامِلًا مَعَهُ صُوَرَ الفَرَحِ وَالحِكْمَةِ وَالمُدَاعَبَةِ الَّتِي تُجَسِّدُ رُوحَ المُجْتَمَعِ وَتَجْرِبَتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ. |
| الساعة الآن 07:12 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke