![]() |
نُفُوذُ الآغَا فِي قُرَى جَنُوبِ شَرْقِ الأَنَاضُولِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالرِّوَايَة
نُفُوذُ الآغَا فِي قُرَى جَنُوبِ شَرْقِ الأَنَاضُولِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالرِّوَايَةِ الشَّفَهِيَّةِ
بِقَلَمِ البَاحِثِ فُؤاد زاديكي تُتَداوَلُ في كَثيرٍ مِنَ القُرى، خُصوصًا في مَناطِقِ طور عبدين وسُهولِ نصيبين، رِواياتٌ شَفَهِيَّةٌ تَتَحَدَّثُ عَن نُفوذِ الآغا، وتَصِفُهُ أحيانًا بأنَّهُ كانَ يَستَبيحُ نِساءَ القُرى ويَفرِضُ إرادَتَهُ عَلَيهِنَّ دونَ قُدرَةٍ مِن أَهلِهِنَّ على الرَّفضِ أوِ الاعتِراض. وعِندَ التَّأمُّلِ في هذِهِ الرِّواياتِ ضِمنَ سِياقِها التّاريخي، لا بُدَّ مِنَ التَّفريقِ بَينَ ما هُوَ مُثبَتٌ في المَصادِرِ التّاريخيَّةِ، وَما هُوَ مُتَناقَلٌ عَبرَ الذّاكرَةِ الشَّعبِيَّة. ففي عُصورِ الدولة العثمانية وما قَبلَها وَما بَعدَها، لَم يَكُن هُناكَ أَيُّ نَصٍّ شَرعِيٍّ أو قانُونِيٍّ يُبيحُ لِلآغا أو لِغَيرِهِ أَن يَدَّعيَ حَقًّا في نِساءِ القُرى، بَل كانتِ الشَّريعَةُ والقَوانينُ السّائِدَةُ تُحَرِّمُ ذلِكَ تَحريمًا قاطِعًا. غَيرَ أَنَّ الواقِعَ الاجتِماعيَّ، خُصوصًا في المَناطِقِ الطَّرَفِيَّةِ البَعيدةِ عَنِ الرِّقابَةِ المُباشِرَةِ لِلدَّولَة، كانَ يَشهَدُ أحيانًا اختِلالًا كَبيرًا في مَوازينِ القُوَّة، حَيثُ يَمتَلِكُ الآغا الأَرضَ والنُّفوذَ والقُدرَةَ على التَّأثيرِ في مَصائِرِ النّاسِ، مِمّا يُمكِّنُهُ في بَعضِ الحالاتِ مِن فَرضِ سُلطَتِهِ بِطُرُقٍ تَتَجاوَزُ القانُونَ والعُرف، فَتَحصَلُ مِثلُ هَذِهِ الحَالَاتِ. وفي مِثلِ هذِهِ البِيئات، قد تَحدُثُ تَجاوُزاتٌ فِعليَّة، تَشمَلُ العُنفَ أوِ الاستِغلالَ، وَرُبَّما يَتِمُّ تَبريرُها خِطابيًّا أو تَغليفُها بِأَنَّها “عادَة” أو “مِن مَقامِ الآغا”، لا بِوَصفِها حَقًّا مَشروعًا، بَل كَوسيلَةٍ لِتَطبيعِها وفَرضِها في ظِلِّ الخَوفِ والعَجْزِ عَنِ المُعارَضَة. وَمِنَ المُهِمِّ التَّأكيدُ على أَنَّ مِثلَ هذِهِ الأَفعالِ، إِن وَقَعَت، لَم تَكُن نِظامًا عامًّا مُنَظَّمًا، بَل حالَاتٍ مُتَفَرِّقَةً مُرتَبِطَةً بِأَشخاصٍ مُعَيَّنينَ وظُروفٍ خاصَّة. وتُظْهِرُ المَصادِرُ التّاريخيَّةُ، سَواءٌ في سِجِلّاتِ المَحاكِمِ أو الأَوامِرِ السُّلطانِيَّة، وُجودَ شَكاوى مُتَكَرِّرَةٍ مِنَ الرَّعايا ضِدَّ بَعضِ الآغَوات، تَتَعَلَّقُ بِفَرضِ الضَّرائِبِ غَيرِ القانُونِيَّة، أوِ الاعتِداءِ، أوِ التَّعَدِّي على الحُقوق. وَقَد سَعَتِ الدَّولَةُ، لا سِيَّما في فَترَةِ التنظيمات العثمانية، إلى الحَدِّ مِن نُفوذِهِم وَفَرضِ سُلطَةِ القانُون، إِلّا أَنَّ نَجاحَ هذِهِ المُحاوَلاتِ كانَ جُزئيًّا، خُصوصًا في المَناطِقِ البَعيدة. ومَعَ قِيامِ الجمهورية التركية، في ٢٩ إُوكتُوبَر ١٩٢٣ أُلغِيَتِ البُنى الإقطاعيَّةُ رَسميًّا، وَأُقِرَّت قَوانينُ حَديثةٌ تُساوي بَينَ المُواطِنين، لَكِنَّ نُفوذَ الآغَواتِ استَمَرَّ في بَعضِ المَناطِقِ بِفِعلِ مِلكيَّةِ الأَرضِ وَالبُنى العَشائريَّة، مِمّا أَبقَى إِمكانيَّةَ حُدوثِ تَجاوُزاتٍ فَرديَّةٍ في ظِلِّ هذِهِ السُّلطةِ غَيرِ الرَّسمِيَّة. وَعِندَ جَمعِ هذِهِ المُعطَيات، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الرِّواياتِ الشَّعبِيَّةَ لَم تَأتِ مِن فَراغ، بَل تَستَنِدُ في جُزءٍ مِنها إِلى تَجارِبَ حَقيقيَّةٍ مِنَ الظُّلمِ أَوِ الاستِغلال، غَيرَ أَنَّها، مَعَ مَرورِ الزَّمَن، تَعَرَّضَت لِلتَّضخيمِ وَالتَّعميم، فَتَحوَّلَت مِن وَصفِ حَوادِثَ مُحَدَّدَةٍ إِلى تَصَوُّرٍ بِوُجودِ “حَقٍّ” عامٍّ لِلآغا، وَهُوَ ما لا يَستَنِدُ إِلى دَليلٍ تاريخيٍّ مُوَثَّق. وَعَلَيهِ، فَإِنَّ الفَهمَ الدَّقيقَ يَقتَضي الإِقرارَ بِوُجودِ التَّجاوُزاتِ مِن جِهَة، وَرَفضَ تَحويلِها إِلى نِظامٍ شَامِلٍ مِن جِهَةٍ أُخرى. |
| الساعة الآن 04:50 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke