![]() |
العِنَبُ وَالْكَرْمَةُ: عَطَاءُ الأَرْضِ وَذَاكِرَةُ الإِنْسَانِ فُؤَاد زَادِيكِي
العِنَبُ وَالْكَرْمَةُ: عَطَاءُ الأَرْضِ وَذَاكِرَةُ الإِنْسَانِ فُؤَاد زَادِيكِي مُنْذُ أَقْدَمِ العُصُورِ، لَمْ تَكُنِ الْكَرْمَةُ نَبَاتًا عَادِيًّا فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ، بَلْ كَانَتْ رِفِيقَةَ اسْتِقْرَارِهِ، وَشَاهِدَةً عَلَى تَحَوُّلِهِ مِنَ التِّرْحَالِ إِلَى الزِّرَاعَةِ. فَحَيْثُمَا زُرِعَتِ الْكَرْمَةُ، تَشَكَّلَتْ حَوْلَهَا الْبُيُوتُ، وَنَمَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالأَرْضِ عَلَى أُسُسٍ مِنَ الصَّبْرِ وَالِانْتِظَارِ. وَفِي آزَخ، احْتَلَّتِ الْكَرْمَةُ مَكَانَةً خَاصَّةً فِي الْحَيَاةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَكَانَ أَهْلُهَا يَعْرِفُونَ أَنْوَاعَ الْعِنَبِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَ أَبْنَائِهِمْ، وكانُوا أينَما رحلوا يحملونَ معهم شتلاتٍ من كرومهم لراعيها في أماكن سكنهم الجديدِ، كما فعلوا أثناء هجرتِهم عن آزخ إلى ديريك وقُراها، حيث جعلها جنةً عامرةً بأشجار الكرمةِ على اختلافِ أنواعِها. مِنَ العنَبِ مَا يُؤْكَلُ طَازَجًا، وَمِنْهُ مَا يُخَصَّصُ لِلْعَصْرِ أَوْ لِلتَّجْفِيفِ أَوْ لِلطَّهْيِ، وَلِكُلِّ نَوْعٍ مَوْسِمُهُ وَاسْتِخْدَامُهُ وَقِيمَتُهُ. وَكَانَ الْعِنَبُ مَخْزُونًا غِذَائِيًّا مُهِمًّا، فَهُوَ غَنِيٌّ بِالسُّكَّرِيَّاتِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَيَحْتَوِي عَلَى فِيتَامِينَاتٍ وَعَنَاصِرَ تُقَوِّي الْجِسْمَ وَتُسَاعِدُ عَلَى مُقَاوَمَةِ التَّعَبِ وَالْمَرَضِ. وَمِنْ أَهَمِّ مَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْعِنَبِ النَّبِيذُ، الَّذِي كَانَ يُعَدُّ جُزْءًا مِنَ التُّرَاثِ الزِّرَاعِيِّ وَالطُّقُوسِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، يُحَضَّرُ بِطُرُقٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، وَيُخَزَّنُ لِأَيَّامِ الْبَرْدِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وللمناسباتِ والأعيادِ والأعراسِ. وَكَذَلِكَ اسْتُخْرِجَ الْعَرَقُ مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْعِنَبِ، وَهُوَ شَرَابٌ مَعْرُوفٌ فِي الْبِلَادِ الْجَبَلِيَّةِ، يُعَبِّرُ عَنْ مَهَارَةِ الْفَلَّاحِ فِي تَحْوِيلِ الثِّمَارِ إِلَى مُنْتَجٍ طَوِيلِ الْعُمُرِ. وَمِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَيْضًا صُنِعَ الشَّرَابُ، وَهُوَ عَصِيرٌ مَطْبُوخٌ يُحْفَظُ لِلشِّتَاءِ، يُمِدُّ الْجِسْمَ بِالطَّاقَةِ وَالدِّفْءِ. وَمِنْ أَهَمِّ مُنْتَجَاتِ الْعِنَبِ الدِّبْسُ، الَّذِي كَانَ يُعَدُّ زَادًا أَسَاسِيًّا فِي بُيُوتِ آزَخ، يُسْتَخْدَمُ فِي الطَّهْيِ، وَيُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ، وَيُقَدَّمُ لِلضُّيُوفِ. وَمِنَ الدِّبْسِ صُنِعَتْ أَطْعِمَةٌ شَعْبِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، مِثْلُ الْحَلِيلَةِ أَوِ الْحَرِيرَةِ، وَالْبُسْتِيقِ، وَعُقُودِ الْجَوْزِ الْمُغَمَّسَةِ بِقَطَرِ الْعِنَبِ، الَّتِي كَانَتْ تُعَلَّقُ فِي الْبُيُوتِ لِتَجِفَّ وَتُؤْكَلَ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ الطَّوِيلَةِ. وَكَانَ الزَّبِيبُ أَيْضًا مِنْ خَيْرَاتِ الْكَرْمَةِ، يُجَفَّفُ وَيُخَزَّنُ، وَيُعَدُّ غِذَاءً مُهِمًّا لِلأَطْفَالِ وَالْمُسَافِرِينَ كما كان أهلُ آزخ يبيعونهُ لجزيرةِ ابن عمر وأهالي القُرَى والبَلدَاتِ، التي لا تُوجدُ فيها كُرومُ عِنبٍ، نظرًا لِغَزَارَةِ فائِضِ الإنتَاجِ. وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَطَاءُ الْكَرْمَةِ عَلَى ثِمَارِهَا، فَجُذُوعُهَا الْكَبِيرَةُ، أَوْ الْقِرْمُ، كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ وَقُودًا لِمَدَافِئِ الْحَطَبِ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ الْقَاسِيَةِ، تَمْنَحُ دِفْئًا قَوِيًّا، وَتُذَكِّرُ أَهْلَ الْبَيْتِ بِأَنَّ مَا أَعْطَتْهُ الْكَرْمَةُ فِي الصَّيْفِ،تُكْمِلُ عَطَاءَهُ فِي الشِّتَاءِ. وَهَكَذَا، ظَلَّتِ الْكَرْمَةُ فِي آزِخ مَصْدَرَ غِذَاءٍ، وَشَرَابٍ، وَدِفْءٍ، وَذَاكِرَةٍ، تَشْهَدُ عَلَى عُمْقِ عَلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِأَرْضِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَا يُغْرَسُ بِحُبٍّ وَصَبْرٍ، لَا بُدَّ أَنْ يُؤْتِيَ ثِمَارَهُ عَبْرَ السِّنِينَ. |
| الساعة الآن 12:43 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke