طيف
12-08-2006, 07:30 PM
الأدب من أنجع الوسائل لتفريغ شحنات الذعر
القاهرة: صابرين شمردل
أطفال الحروب ليسوا كغيرهم. والأطفال العرب الذين يتابعون مشاهد المجازر ويعرفون أنها تدور على مبعدة كيلومترات قليلة منهم، ينتابهم خوف وهلع شديدان. والسؤال أي أطفال نربي اليوم، وما ستكون وطأة كل ما يجري على مستقبلهم، وعقولهم وأحلامهم؟ وماذا سيكون دور أدب الأطفال في كل هذه المعمعة؟
ماذا يفعل الطفل الذي فقد أهله وأصدقاءه ولعبه وكتبه، وتلفت حوله فإذا ببيته ومدرسته يتحولان إلى كومة من رماد وأنقاض؟ ماذا يفعل هذا الطفل الذي تحاصره أشلاء القتلى، وها هو الموت على مبعدة خطوة منه؟ كيف ينمو وعيه وتكبر أحلامه؟ كيف سيرى الحياة من حوله، وهل سيظل هذا المشهد عالقا ككابوس وثقب أسود في ذاكرته، أم ستصقله الحرب بوعي وذاكرة خاصة؟! ثم ما الذي يدور في خلد الأطفال العرب وهم يشاهدون أطفالاً في أعمارهم ينتشلون أشلاء من تحت الركام، أي ذعر ينتابهم، وهل ستمر مجزرة قانا عابرة في ضمائرهم الهلعة؟ وأي سلام يؤمل بعد المجازر؟
يؤكد الدكتور علاء محمود مرسي، المعالج النفسي أن أي حرب ستشعر الطفل بعدم الأمان، فيبدأ بالتعرف على الموت وتحدث له صدمة، قد تصيب الكبار أيضا، وهي صدمات لا يتم حلها طوال العمر. الطفل في الحرب، يتأثر بشكل مباشر بما يراه من مصائب تنال ممن حوله، ويخاف أن يحدث له ما أصابهم. فسيكولوجية الخوف لدى الطفل غالبا ما ترتبط بالصوت العالي، أو خوف السقوط من مكان مرتفع، وهو يتعلم الخوف من البيئة حوله ومما يكتسبه. أما المشاكل النفسية التي قد يتعرض لها طفل الحرب، فعلاوة على الإحساس بالتوتر والخطر الذي يمتد حتى ما بعد الأزمة قد يحدث ـ حسبما يوضح الدكتور علاء ـ تأخر دراسي. فالحياة في نظر الطفل تظل، عادة ولسنوات عديدة محض حكاية ولعبة، لكن الحرب تحولها إلى لعبة شريرة، والطفل لديه إدراك فطري بأن من يفعل شرا في الآخرين لا بد أن يناله هذا الشر وتنعكس آثاره عليه أيضا.
لكن هل من الممكن أن يؤمن أطفال الحروب بالسلام، بعد ذلك؟ لا ينفي الدكتور علاء هذه الإمكانية، وإن كانت تتوقف ـ في رأيه ـ على فهم عميق من جميع أطراف الحرب الدائرة، على أهمية إلقاء السلاح واحترام مشاعر الآخر حتى يعود للأطفال الأمان، وتكون النية صادقة من جميع الأطراف لتحقيق السلام. ويشير إلى أن عدم الإحساس بالأمان ينمي الشعور بالغضب لدى المرء ويجعله دائما في حالة دفاع عن النفس، وقد يدفعه إلى النكوص نحو مرحلة الطفولة، مع افتقاد حاد للإحساس بمشاعر المحبة والدفء.
مفهوم الطفولة واسع... وتحت هذه المظلة الفضفاضة، يحلل الدكتور أحمد المجدوب، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية معاناة طفل الحرب، فيوضح أن الطفولة ـ كما يقول البعض ـ تستمر حتى عمر 18 سنة. الشريحة الأولى حتى 3 أو 4 سنوات، هؤلاء لا يدركون معنى الحرب، لأنهم لم تتبلور لديهم بعد المقدرة الكافية على التمييز، والطفل حتى 6 سنوات ينظر إليه علميا على أنه كائن غير مميز، وليس لديه إدراك لما يفعله. بعد عمر 6 سنوات يبدأ الإدراك. ولو نظرنا إلى الطفل الموجود في فلسطين لسنوات طويلة تحت الاحتلال وما يعايشه من جرائم وفواجع، سنلاحظ أنه لا يخاف كما الآخرين، وعندما يلعب يبدو وكأنه كالكبار. أثناء العدوان الثلاثي على مصر أصبح الطفل الذي عايش الحرب جريئا وشجاعا ولا يخاف حتى لو كان العدو على مقربة منه. أطفال هذا الجيل من العرب الذين عايشوا حروبا عدة، سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان، لن يخافوا ولن يتنازلوا عن حقوقهم، بحسب أستاذ علم الاجتماع أحمد المجدوب. ويضيف: البعض يقول من شاهد الدم يصبح عدوانيا، وهذا قد يكون صحيحاً، وهؤلاء المعتدون يستخفون بالدم العربي ويستبيحونه بلامبالاة، وهنا مكمن الخطورة.
ومن واقع خبرته، يؤكد الكاتب يعقوب الشاروني أحد رواد أدب الأطفال، أن الصغار هم أكثر الفئات تضررا من الحروب، لافتا إلى أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل نصت على وجوب تجنيبهم أخطار الحروب وويلاتها. فالأطفال غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم وحمايتها من العدوان، لذلك تترك الحرب آثارا مدمرة عليهم، فنجدهم متوترين يخافون من أشياء كثيرة لا يخافها غيرهم. هؤلاء الأطفال يشعرون أن العالم مكان غير مهيأ لنموهم ووجودهم، ويؤدي ذلك إلى شعور بالاغتراب عن المجتمع الذي يعيشون فيه. هؤلاء الأطفال لا يفهمون أسباب الحرب ودوافعها وهم غير معنيين بذلك، ولا يشاهدون إلا عدوانا، كما أن نفوسهم الغضة لا تستطيع أن تواجه الفظائع التي وصلت إلى درجة غير متصورة.
ويرى الشاروني أن ما يتعرض له العالم العربي الآن من عدوان سيترك أسوأ الآثار على أطفالنا العرب. ويشير هنا إلى أن أدب الأطفال لا يمكن أن يساهم وحده في التخفيف من هذه الآثار، وإنما يتطلب ذلك تضافر كل مؤسسات المجتمع، ويذكر بما تركته حرب 1967 على الأطفال الذين هجروا مع ذويهم من مدن القناة في مصر عقب تلك الحرب والمشاكل التي تعرضوا لها وعلى الأخص الإحساس بالضياع بعد أن انتزعوا من بيوتهم وتنقلوا من سكن إلى آخر.
منقول بأمانة
مــحــبــتــي
القاهرة: صابرين شمردل
أطفال الحروب ليسوا كغيرهم. والأطفال العرب الذين يتابعون مشاهد المجازر ويعرفون أنها تدور على مبعدة كيلومترات قليلة منهم، ينتابهم خوف وهلع شديدان. والسؤال أي أطفال نربي اليوم، وما ستكون وطأة كل ما يجري على مستقبلهم، وعقولهم وأحلامهم؟ وماذا سيكون دور أدب الأطفال في كل هذه المعمعة؟
ماذا يفعل الطفل الذي فقد أهله وأصدقاءه ولعبه وكتبه، وتلفت حوله فإذا ببيته ومدرسته يتحولان إلى كومة من رماد وأنقاض؟ ماذا يفعل هذا الطفل الذي تحاصره أشلاء القتلى، وها هو الموت على مبعدة خطوة منه؟ كيف ينمو وعيه وتكبر أحلامه؟ كيف سيرى الحياة من حوله، وهل سيظل هذا المشهد عالقا ككابوس وثقب أسود في ذاكرته، أم ستصقله الحرب بوعي وذاكرة خاصة؟! ثم ما الذي يدور في خلد الأطفال العرب وهم يشاهدون أطفالاً في أعمارهم ينتشلون أشلاء من تحت الركام، أي ذعر ينتابهم، وهل ستمر مجزرة قانا عابرة في ضمائرهم الهلعة؟ وأي سلام يؤمل بعد المجازر؟
يؤكد الدكتور علاء محمود مرسي، المعالج النفسي أن أي حرب ستشعر الطفل بعدم الأمان، فيبدأ بالتعرف على الموت وتحدث له صدمة، قد تصيب الكبار أيضا، وهي صدمات لا يتم حلها طوال العمر. الطفل في الحرب، يتأثر بشكل مباشر بما يراه من مصائب تنال ممن حوله، ويخاف أن يحدث له ما أصابهم. فسيكولوجية الخوف لدى الطفل غالبا ما ترتبط بالصوت العالي، أو خوف السقوط من مكان مرتفع، وهو يتعلم الخوف من البيئة حوله ومما يكتسبه. أما المشاكل النفسية التي قد يتعرض لها طفل الحرب، فعلاوة على الإحساس بالتوتر والخطر الذي يمتد حتى ما بعد الأزمة قد يحدث ـ حسبما يوضح الدكتور علاء ـ تأخر دراسي. فالحياة في نظر الطفل تظل، عادة ولسنوات عديدة محض حكاية ولعبة، لكن الحرب تحولها إلى لعبة شريرة، والطفل لديه إدراك فطري بأن من يفعل شرا في الآخرين لا بد أن يناله هذا الشر وتنعكس آثاره عليه أيضا.
لكن هل من الممكن أن يؤمن أطفال الحروب بالسلام، بعد ذلك؟ لا ينفي الدكتور علاء هذه الإمكانية، وإن كانت تتوقف ـ في رأيه ـ على فهم عميق من جميع أطراف الحرب الدائرة، على أهمية إلقاء السلاح واحترام مشاعر الآخر حتى يعود للأطفال الأمان، وتكون النية صادقة من جميع الأطراف لتحقيق السلام. ويشير إلى أن عدم الإحساس بالأمان ينمي الشعور بالغضب لدى المرء ويجعله دائما في حالة دفاع عن النفس، وقد يدفعه إلى النكوص نحو مرحلة الطفولة، مع افتقاد حاد للإحساس بمشاعر المحبة والدفء.
مفهوم الطفولة واسع... وتحت هذه المظلة الفضفاضة، يحلل الدكتور أحمد المجدوب، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية معاناة طفل الحرب، فيوضح أن الطفولة ـ كما يقول البعض ـ تستمر حتى عمر 18 سنة. الشريحة الأولى حتى 3 أو 4 سنوات، هؤلاء لا يدركون معنى الحرب، لأنهم لم تتبلور لديهم بعد المقدرة الكافية على التمييز، والطفل حتى 6 سنوات ينظر إليه علميا على أنه كائن غير مميز، وليس لديه إدراك لما يفعله. بعد عمر 6 سنوات يبدأ الإدراك. ولو نظرنا إلى الطفل الموجود في فلسطين لسنوات طويلة تحت الاحتلال وما يعايشه من جرائم وفواجع، سنلاحظ أنه لا يخاف كما الآخرين، وعندما يلعب يبدو وكأنه كالكبار. أثناء العدوان الثلاثي على مصر أصبح الطفل الذي عايش الحرب جريئا وشجاعا ولا يخاف حتى لو كان العدو على مقربة منه. أطفال هذا الجيل من العرب الذين عايشوا حروبا عدة، سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان، لن يخافوا ولن يتنازلوا عن حقوقهم، بحسب أستاذ علم الاجتماع أحمد المجدوب. ويضيف: البعض يقول من شاهد الدم يصبح عدوانيا، وهذا قد يكون صحيحاً، وهؤلاء المعتدون يستخفون بالدم العربي ويستبيحونه بلامبالاة، وهنا مكمن الخطورة.
ومن واقع خبرته، يؤكد الكاتب يعقوب الشاروني أحد رواد أدب الأطفال، أن الصغار هم أكثر الفئات تضررا من الحروب، لافتا إلى أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل نصت على وجوب تجنيبهم أخطار الحروب وويلاتها. فالأطفال غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم وحمايتها من العدوان، لذلك تترك الحرب آثارا مدمرة عليهم، فنجدهم متوترين يخافون من أشياء كثيرة لا يخافها غيرهم. هؤلاء الأطفال يشعرون أن العالم مكان غير مهيأ لنموهم ووجودهم، ويؤدي ذلك إلى شعور بالاغتراب عن المجتمع الذي يعيشون فيه. هؤلاء الأطفال لا يفهمون أسباب الحرب ودوافعها وهم غير معنيين بذلك، ولا يشاهدون إلا عدوانا، كما أن نفوسهم الغضة لا تستطيع أن تواجه الفظائع التي وصلت إلى درجة غير متصورة.
ويرى الشاروني أن ما يتعرض له العالم العربي الآن من عدوان سيترك أسوأ الآثار على أطفالنا العرب. ويشير هنا إلى أن أدب الأطفال لا يمكن أن يساهم وحده في التخفيف من هذه الآثار، وإنما يتطلب ذلك تضافر كل مؤسسات المجتمع، ويذكر بما تركته حرب 1967 على الأطفال الذين هجروا مع ذويهم من مدن القناة في مصر عقب تلك الحرب والمشاكل التي تعرضوا لها وعلى الأخص الإحساس بالضياع بعد أن انتزعوا من بيوتهم وتنقلوا من سكن إلى آخر.
منقول بأمانة
مــحــبــتــي