مشاهدة النسخة كاملة : حلقات يوميات صرصر من تاليف فؤاد زاديكي
georgette
20-05-2006, 12:46 PM
يوميّات صرصور
اليوم الحادي عشر
تأثّرتُ لوضع هذه الأسرة الفقيرة بشكل كبير وتمنّيتُ لو كان لي بدنٌ قويّ أستطيع به أن أذهب إلى دور أحد جيرانهم الأغنياء وأسرق لهم ما يكفيهم, أو أن أقوم بأية خدمة من أجلهم أحسّ من خلالها أني مرتاح الضمير. إنّ جسدي الصغير والضعيف لا يعينني على القيام بمثل هذه الأعمال فهو ليس بقادر على حمل رغيف من الخبز لهم. إني ارتحت على الأقل لكوني أحسستُ على الأقل بما يعيشه مثل هؤلاء الفقراء البائسون, بما هم عليه من فقر مدقع وبما ينتابهم من إحساس بالمرارة والفاقة التي تخذلهم وتجعل أحلامهم في مهب الريح وأمانيهم على ظهر كلاب الصيد السلوقيّة.
قلت في نفسي فعلا ليس كلّ البشر سواء أو سواسية فهناك منهم الغني ومنهم الفقير ومنهم الفقير المدقع الذي لا يكاد يلقى شيئاً يسد به جوعه, كما أن خناك الجيّد منهم والذي يعين غيره ومنهم من هو صاحب قلب قاسٍ لا همّ له سوى المزيد من الجشع والاستغلال ولا يهمّه إن مات هؤلاء أم بقوا أحياء. إنّ شأنهم مثل شأننا فنحن أيضاً فينا أنواع مختلفة إذ توجد عائلات من الصراصير تعيش في نعيم بيوت أصحابها أغنياء ويتوفّر لهم كل شيء فيما عائلات أخرى من الصراصير مثلي تحصل على ما تحتاجه بشقّ النفس وطلوع الروح.
معظم مجموعاتنا الصرصوريّة تقيم بالقرب من مراكز القمامة وهي تنال حاجتها من الأكل, كما توجد تجمّعات أخرى في المستودعات المملوءة بأكياس القطن أو الحبوب وهي قليلة الحركة البشرية إليها, كما أن المطابخ هي وجهة نظر أغلبنا لأنها تحوي الكثير من الأطعمة وبقاياها وهي دائمة التواجد بحكم ضرورة الطبخ فيها والأكل.
حملتُ نفسي منذ الصّباح الباكر – وأنا تراودني مثل هذه الأفكار والخواطر وتتقاذفني مثل تلك الأمواج من الخزن الشديد على هذه الأسرة ومن هو في وضعها – وغادرت تاركاً مأساتهم خلف ظهري لأنطلق إلى عالم جديد وغريب لا أعرف عنه شيئاً ربمّا يكون وضعاً أيسر من الوضع الذي أعيش فيه الآن. سرتُ وسرتُ حتى تعبت رجلاي إلى أن دخلتُ وسط المدينة واخترت أكبر بناية فيها فعبرتها ولدى عبوري إليها عرفت أنها مستشفى فسررت لذلك وقلت إنها نعمة من السماء ففي المستشفى يجد المرء كفايته للعيش بل ولأيام كثيرة وطويلة. وقلت لاشك أنها أفضل مكان لصرصور مثلي يبحث عن رزقه وسيكون الرزق هنا نظيفاً وطازجاً لكون الوجبات المقدمة للمرضى والمقيمين هنا هي يومية وعلى ثلاثة دفعات منتظمة كالعادة صباحاً وظهراً ومساءً.
فور عبوري توجّهت إلى المطبخ وبعد بحث واستقصاء وجدت طريقي إليه وما أن عبرته حتى وجدت مجموعة من الصراصير ففرحت كثيراً وقلت وأحيراً وجدت من أتسلّى معه فتقدمت منه لتحيّتهم وبدل أن يردوا على تحيّتي هجموا عليّ دفعة واحدة وانهالوا بالضرب المبرح الذي لا يعرف شفقة ولا رحمة, بدأت أصرخ وأستغيث وأستفسر عن سبب هذا التعدي والهجوم عليّ! فأنا لم أتصرّف حيالهم بما يثير غضبهم وكنت مرحاً ومؤدّباً جداً لدى تحيتي لهم. ماذا جرى؟ لم يتركوني وزاد الضرب عليّ من كلّ جهة فناديت: لا عليكم ! إني سأعود من حيث أتيت إن كان وجودي بينكم هو السبب لهذا الغضب. عندما سمعوا مني هذا الكلام وكانزا قد أذاقوني الويل فلم أعد أحس بشيء من شدّة الوجع, حيث غوت لا أعرف يميني من يساري ولا رأسي من رجلي. كنت أعتقد أن بني البشر وحدهم يمارسون التعدي والاعتداء على الغير تأكدت بعد الذي جرى أنها صفة يشترك فيها كل مخلوقات الله.
حاولت عدّة مرّات أن أتكلّم بلين ولغة هادئة حزينة لأنال منهم عطفاً ورحمة غير أني كنت أفشل في كل مرّة. تقدّم أحدهم إليّ ويبدو من الاحترام الذي لقيه منهم وهو يقوم من موضعه ويتوجه إلي أنه الزعيم هنا. جاء إليّ وهو يقول: أنظر هذا كان عبارة عن درس بسيط أو ما يسمّى في لغة المطاعم التي نعرفها نحن معشر الصراصير بأنها (دوسير) فمتى أردت البقاء على قيد الحياة عليك المغادرة من هنا فوراً وإلا فإني أوعزت إلى رجالي بأن الدرس القاني سيكون فيه بعض النحو والقواعد التي تعلّمك الأدب والاحترام. فقلتُ له على الفور: لالالالا أرجوك لا تقل لهم ولا شيء إني (سأفرنقع) من هنا بسرعة. لا عليك!
كان التعب قد أخذ منّي كلّ مأخذ والجروح التي تسببوا لي بها لن تندمل لزمن طويل وبات كل موضع من بدني يؤلمني وكأن عظامي نمّ دقّها في جرن (السّليقة) غادرت المستشفى وأنا أبكي حظي العاثر وألعن الزمن الذي فعل بي كلّ هذا. كنت أحياناً ألوم الزمان وأحياناً الغير وأخرى نفسي وحظي العاثر وسوء تصرّفي الأحمق الذي جلب على رأسي كلّ هذه المتاعب وصرت أنشد مع بكائي على نفسي:
يا تعتيرك يا صرصور
حظّك المفشكل بيدور
ألله يعينك شو قتله
خلّت دمّاتك تتفور.
شفت المشفى دخلتلاّ
ولمّا فتّا فرحتلاّ
قلتو نيّالك هَونه
حلوه القعده يا دلاّ.
ما كانت ساعة تمضي
ورحتو الدّخله تا إمضي
من عند المختار الهون
ما تعرّفتو عل بعضي.
يخرب بيتن شوكفّار
كل واحد متل المغوار
يضرب ويكسّر فيني
القتله ما يحملها حمار.
قالوا لازم أفرقهنْ
وفوراً وحدن إتركهنْ
بكيتو لمّا حاكوني
وقالولي ماني منهنْ.
هادا حالك يا صرصورْ
دمعك مقهور ومغمورْ
ضلّك ماشي عا مهلك
يا ضيعانك يا صرصورْ.
وبكلّ حزن أقول ربّما أكفّ عن كتابة يوميّاتي لأني بدأت أتألم من هذا العالم وما يجري فيه, وخاصة لما لقيته من أبناء جنسي من سوء معاملة ووحشيّة. إنّه بات من الصعب عليّ الاستمرار في كتابة مشاعري وأحاسيسي بالتعبير عنها لأنه لا تقدير للمشاعر والأحاسيس في هذا العالم الذي بات ضحية المصالح والتنافس والتصارع على المكاسب والمغانم. إني لو أستمرّ في كتابة المزيد من يوميات بؤسي في هذا العالم فإني سأفضح ما فيه من وجوه الخسّة والدناءة ولكي لا أوعج الناس مني ولكي أبقى وفيّاً لمبادئي في حرية التعبير فالسكوت سيكون في مثل هذه الحال من ذهب ولا يهمّ أن يكون من عيار 14 أو 18 أو 21 أو 24 فالكلّ واحد لطالما قيمة المخلوق لم يعد لها احترام وهي تهان ويداس عليها ولا يحقّ الاعتراض على مظالم الدهر.
العدل بات كلمة مطّاطة والرحمة قلّما تجدها في عصر المنافع وعبودية المال دعني - يا عزيزي القارئ الذي استمتعت بيومياتي على مرّ الأيام العشرة الماضية – أحمل صلیب آلامي لوحدي في هذا العالم الذي بتّ أخجل من انتمائي إليه فهو قائم على المزيد من الجشع والظلم والنفاق. أقل ما يمكن قوله أنني منسجم مع ذاتي وأنا حزين لأني لن أتمكّن من كتابة المزيد من اليوميّات وأعدك بأنه متى تغيّر هذا العالم وصار أفضل ممّا هو عليه الآن فإنّني سأعود لكتابة يوميّاتي من جديد, لأني حينها سأكون سعيداً بزوال الظلم والتعدّي والجشع والحروب والكراهية والاستغلال عن وجه الجمال في هذا العالم وإلى غير رجعة لكني على الرغم من كلّ شيء فإني سأقول لك وكما قلت منذ اليوم الأول بااااااي.
توقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 12:48 PM
أخي الياس قصتك تستحق الاحترام فهي مثل حقيقي عن واقع مريض يعيشه الإنسان وفعلا اختار الطريق الأفضل في أن يعود إلى عماه كي لا يرى قذارة هذا العصر. أما عن صرصورنا فهو إن عاد وكتب أم لم يكتب مذكراته فما يدور في كواليس الحياة يدور. هو فقط يكشف النقاب عمّا يدور وهو إن لم يكتب أو غيره لم يدوّن مثل هذه الممارسات فإن الطاسة سوف تضيع يا الياس. على الصرصور أن يقول كلمته وقالها ومَنْ أراد فهمها فقد وصلت ومن لم يرد فلا شيء سيصل إليه وهو أيضاً لن يصل إلى نتيجة أو شيء.
عزيزتي سميرة أنت تابعت يوميات الصرصور منذ بدايتها وعلّقت على جميع حلقاتها مشكورة وعايشت أحداثها فكنت الأقرب إلى حياة هذا الصرصور وما قلته صحيح وأشكرك على تشجيعك وأرجو أن نتعلّم من كل شيء في الحياة ولا يهمّ متى كان معلّمنا صرصوراً حكيماً صقلته تجارب الحياة والمعاناة فأعطى حكمته وقال كلمته لمن لم يفهم بعد!.
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
ونحن أيضا نقول باااااي ياصرصورنا وإلى اللقاء بعد أن يتغير العالم وتأخذ حقك في الحياة!!!!
تشكر على هذا الإبداع وننتظر شيئا جديدا منك ياأيها المبدع في سحر الكلمة...
سميرة
--------------------------------------------------------------------------------
والله ياأخي فؤاد .
موضوعك وقصتك صارت مشابهة لهل قصة .
من الولادة كان أعمي ، بعد أربعين سنة عمل عملية لعيونو ونجحت العملية ، لما فتح عينيو شاف عالم جديد مويعرف ولا غرض من إلي عم بيشوفو إلا بالمس ، يعني تصور إذا جابو بشانو تفاحة مويعرف بإنه تفاحة هي .
المهم مرت الأيام صار يشوف أشياء عجيبة وغريبة ، قبل ماكان يشوفا ، عم بيشوف صديق عم يغدر بصديقو عم بيشوف زوجة م تخين زوجها عم بيشوف أشياء ماكان يعرفها أبدا ، إتعقد من شي إلي كان يشوفه ، قام يوم من الأيام مسكلك سكين أو قلع عينيو ، أخدوا عالمستشفى بعد ماشوي تحسن سألوه ليش قلعت عينيك ، قال عشت أربعين سنة بسعادة وبأمان وبإستقرارالدنيا حلوة كانت ، صارلي شهر واحد مفتح كرهت حياتي كلها ، من أجل هذاأفضل أبقى أعمي من أن أتعرف على حقيقة هذا العالم .
بقى صرصورك المسكين الله يكون فعونو ، ماأعتقد يكتب مرة تانية مذكراته لأن هذا العالم لن ولن يتحسن .
وشكرا قصة ظريفة
أخوك
ألياس
georgette
20-05-2006, 12:49 PM
يوميّات صرصور
اليوم العاشر
عثرتُ على ما سدّ معدتي وشبعت ولم ألحظ نفسي إلا وصعدت إلى داخل كيس كان يحمله أحد الرجال الجالسين على قارعة الطريق وذهبت في غفوة أحسست بعد قليل كأن شيئاً يذهب بي إلى جهة اليمين واليسار كمن يوجد في سرير يهزّه أحد الناس فحاولت الصعود إلى أعلى الكيس لرؤية أين أنا؟ ومعرفة حقيقة الوضع. فرأيت ذلك الرجل يسير بي وأنا بداخل الكيس المحمول على كتفه وخشيت من الهرب والسقوط ممّا سيصيبني بالأذى وتذكّرت صرصورتي وما جرى معها فلم أجرؤ على الإقدام على تلك الخطوة وقلت سأنتظر إلى أن يصل الرجل الدار وهذا سيكون أفضل لي من العيش خارجاً وفي هذا البرد القارس.
لم يمض وقت قصير حتى وصل الرجل بيتاً في وسط البلدة وقام بفتح الباب والدخول إليه وما أن وضع الكيس على الأرض وذهب بعيداً لينادي زوجته حتى خرجت بسرعة البرق ودون أن أدع أحداً يراني وقمت بتنظيف نفسي لأننا معشر الصراصير عندما يلامسنا البشر فإنه علينا أن نقوم بعملية تنظيف لجميع جسدنا هذا ما تعلّمناه من آبائنا وأجدانا, وأرجو ألا يفهم البشر منّا هذا على أنّ إهانة لهم فيه, فهم يقولون عنّا ما يشاءون من عبارات القدح والذمّ والشّتم بداعٍ وبدون داعٍ, فيما نحن لا نقول عنهم مثل ذلك.
أخفيت نفسي في زاوية منزوية وقلت أحدّث ذاتي عليك هذه المرّة أن تستفيد من أخطائك الماضية وألا تسعى إلى التسبّب في أيّة أذية لنفسك أنت في غنىً عنها, لذا عليّ أن أنتظر وأدقّق وأتحرّى فالبيت جديد بالنسب إليّ. لا أعرف عنه أيّ شيء لا عدد الغرف أو توزّعها ولا عدد السكان المقيمين فيه ولهذا فالحيطة والحذر واجبتان وقد قيل "في العجلة الندامة وفي التأني السلامة" وأنا لست من أنصار العجلة على الإطلاق.
رأيت بعد قليل أنّ هذا الرجل قد جاء بزوجته وابنه وفتحوا الكيس وبدأ كلّ يمدّ يده ليأكل ما يتوفّر له, وأدركت بأن هذه العائلة فقيرة بل معدمة وهي لا تجد ما تأكله فكيف سيسامحني ضميري إن أنا أشاركهم طعامهم القليل هذا! وخاصة أن هذا الرجل المسكين قد أمضى ساعات من العمل خارج البيت حتى جاء لهم بهذا الأكل القليل والمتواضع فحنّ قلبي على وضعهم وتألمت أشدّ الألم وقلت: إنّي لن أبيت هذه الليلة هنا, لأني أعرف معدتي المريضة والتي تشتهي الكثير فهي إن طالبتني بما ترغب فيه فعليّ أن أخون ضميري وأقوم بإسكاتها في سرقة طعام ما من هنا وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك عليّ أن أذهب إلى مكان آخر يكون فيه الخير كثيراً ويكفي لي ولأصحاب البيت.
صار الوقت متأخراً وقلت إلى أين يا رجل في هذا الليل؟ نم هنا والصّباح رباح! وبعد أخذ وردّ بين عاطفتي وقلبي وعقلي قرّرتُ البقاء هذه الليلة هنا ولكني اشترطتُ على معدتي ألا تطالبني بما لا أرغب فيه وهو خديعة ضميري والتخلّي عن مشاعر الوفاء والصدق في التعامل مع الآخرين وبالتالي كسر يميني والحنث به وهو ما لا أريده, وكما قلت في إحدى يوميّاتي السّابقة: إني لست شرّيراً وأعرف أن عليّ واجبات ولي حقوق لكن شريطة ألا تتعدّى على حقوق الآخرين وهي تبدأ عندما تنتهي حرية الآخرين وهكذا يعيش الجميع بأمن وسلام. لا خلافات ولا خصومات أوتعدّيات! كان هذا قراري الأخير في أن أظلّ هنا الليلة وفي الغد وقبل أن يستيقظ أهل الدار أغادر إلى جهة أخرى أفضل لي ولأهلها.
يتبع...
georgette
20-05-2006, 12:51 PM
أشكر لك متابعتك الجميلة ليوميات الصرصور وهي فعلا ملفتة للانتباه فأحداثها هي من الواقع الذي يعيشه الناس.
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
أشكرك يافؤدلأنك تركته يسد رمق جوعه ولكن صرصورك هذا شهم ويحترم نفسه سنرى غدا ماسيحل بالصرصور المسكين وعلى فكرة أنا لاأعرف مجريات القصة مثل باقي القراء ليبقى عنصرالتشويق للقصة موجودا .
سميرة
georgette
20-05-2006, 12:52 PM
يوميّات صرصور
اليوم التاسع
لا أخفي عليكم وكما يقول المثل الشعبي المصري "الفار بلّش يلعب فعبّي" فأحسستُ أن مصيبة كبيرة ستقع, وأين؟ بالتأكيد فوق رأسي هذه الرأس الناشفة التي تسبّبت لي بجميع المتاعب المنتظر حصولها, فلو لم أقع في فخ حماقتي لما كان هناك أيّ خطر حقيقيّ يتهدّد حياتي أو يدفعني إلى التفكير في مغادرة هذا البيت. كان تصرّفي طائشاً وخالياً من أيّة مسؤولية حقيقيّة تجاه نفسي وهو ما جعلني أعيش عالم كوابيس أقلقت حياتي وأزعجتها بشدّة.
انتظرتُ على أحرّ من الجمر قدوم الزوجين السّعيدين من السوق وأنا متسلق الشبّاك بعد عملية إحماء جيّدة للتمكّن من الهرب في الوقت المناسب, كنت أرجو أرجلي أن تعينني على الفرار ولقرون استشعاري التي لا تخونني أن تعينني في التمييز ومعرفة الأحوال والنوايا, فهذه القرون هي معيني الكبير حيث لا عيون لي فهي عيني وأذني وكل شيء بالنسبة لي وتعمل بشكل ممتاز وهي رأسمالي الوحيد والأهم في حياتي كلّها. كأنها أرادت أن تقول لي :انج بريشك هذه المرّة فإنه لم يعد مجال للمزح أو للّهو فالرجل مصمّم وبتهديد من زوجته على أن يقضي عليك بشتى الوسائل.
دخل الرجل وبرفقته إلى داخل البيت وهما يحملان كيساً كبيراً وما أن استقرّا داخلا حتى أسرع الرجل إلى الكيس وأخرج منه "علبة الموت" وهي نوع بف باف هذه المرة وبدأ يرشّ في البيت, دون مكان بعينه, بل أشبع جميع زوايا البيت رشّاً وكدتُ- وأنا على بعد أمتار من ذلك - أن أختنق وكنت أراقب حركاته وهو عصبيّ المزاج وما أن أحسست بالخطورة على حياتي حتى أسرعت وبقفزة تركتني خارج الدار.
حزنت حزناً كبيراً لهذه المغادرة الإجباريّة لي تحت تهديد الموت المباشر وتذكرت جميع الذي حصل معي في هذه الدار وقلت وأنا أسير في طريقي على غير هدى:
يا قلبُ دعني أحزنُ .. فالناسُ ليستْ ترحمُ
كنتُ أعيشُ براحةٍ .. وسلامةٍ لا أسأمُ
هذي حياتي كلّها .. دمّرتها لا أفهمُ!
إنّي غبّي أحمق .. مستهترٌ بل مجرمُ!
كيف فعلتُ ذلك؟ .. الدهرُ بات يظلمُ
هبني إلهي قوّة .. إنّي أراني أُهزمُ!
كان الطقسُ في الخارج بارداً جداً والهواءُ يصرّ صريره والظلمة لا تترك مجالا للرؤية ولولا استعانتي بقرون استشعاري ذات الطاقة الهائلة والمخزون العظيم من الفوائد لذهبت في خبر كان في تلك الليلة الليلاء. إن قرون استشعاري تعمل لديّ كجهاز لاسلكي وإني أعتمد عليها في كلّ أمر وأترك بين يديها مصيري. مضى عليّ أكثر من ساعتين من الزمن وأنا أسير هنا وهناك علّني أجد بيتاً أدخله أو ثقب حائط ألجأ إليه يقيني برد هذه الليلة الهوجاء.
حمدت الله أني بعد عناء شديد عثرتُ على بناء قائم مملوء بالشقوق فقلت سأمضي ليلتي في أحد هذه الشقوق لأحمي نفسي من البرد ولنرى غداً ماذا سيكون من أمره. كان نومي عميقاً وطويلا من كثرة ما عانيت من العناء والخوف والحركة وخلت نفسي أنني نمت ليومين متتاليين. أفقتُ من نومي على أصوات باعة يتجولون وهم ينادون على تجارتهم وأصوات صبية يلعبون بالقرب من مكان اختبائي وعلى أصوات ماشية وحيوانات وخوار البقر فقلت لا شك إني موجود في السوق الرئيسة وهذا ما زاد من خوفي أكثر لأنه سيكون مملوءاً دائماً بالناس وهم في حركة دائمة. إن خطورة كبيرة تكمن على حياتي متى ظهرت لهم فأعدائي هنا كثر من أبناء البشر أو الحيوانات التي قد تدوس عليّ وهي تمشي دون أن تكترث بي لصغر حجمي.
مكثت بداخل الشقّ - علماً أن الجوع كاد يفتك بي - لكن وبعد مضي وقت من الزمن أحسستُ بالحركة تخفّ والأصوات تنقطع فقلت إنها فترة القيلولة وعليّ أن أغتنم الفرصة في الخروج للبحث عما يمكن أن أعثر عليه أسدّ به رمقي وأملأ كرشي, فإن عصافير بطني صارت تزقزق ومنذ بعض الوقت وهي لا ترحمني وفعلا بدأت بالبحث عمّا قد يوجد في هذا السوق وحاولت تجنّب أماكن مرور الناس أو مواضع تجمّعاتهم خوفاً منهم. وإلى يومية أخرى بااااي
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 12:53 PM
عزيزتي سميرة إن هذا الصرصور دفعه قدره إلى أن يتمرّد وأن يعصي أمر الواقع المفروض عليه وشاء أن ينال حظه من سعادة الحياة غير أن الإنسان استكثر ذلك عليه وكان من الطبيعي أن يسعى إلى محاولة لإثبات الذات لكنّه لم يحسن الاختيار فوقع في خطأ تسرّعه وندم على ما قام به, وليت إنسان هذا اليوم هو الآخر يتأنى كثيراً قبل أن يقرّر الإقدام على تصرّف ما أو التفكير بعمل ما خشية أن لا يكون مصيره مثل مصير هذا الصرصور التعيس! شكراً لمرورك يا سميرة
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
ياله من صرصور ذكي ولكن غدر الزمان لم يرحمه أتمنى أن يلقى مايأكله غدا لاتتركه يجوع أكثر من ذلك يافؤاد!!!يعطيك العافية والرب يوفقك أنتظر الحلقة القادمة على أحر من الجمر..
SamiraZadieke
--------------------------------------------------------------------------------
شكراً لمرورك يا أخي الياس
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
والنهاية نفد بريشو
يعطيك العافيةأخي فؤاد قصة مشوقة وملبقة ، لا تحرمنا من إبداعات الله لاينقص من بيناتنا
أخوك
ألياس
georgette
20-05-2006, 12:56 PM
يوميّات صرصور
اليوم الثامن
كانت ليلتي مريحة فالنوم تحت السجادة كان أكثر دفئاً وقلت كيف لم أفطن لمثل هذا قبل اليوم, فلم أحاول الانتقال من مكان إلى آخر لاختبار أفضل الأماكن التي أرتاح فيها بشكل أفضل. لم يعد لي صبر على الانتظار إلى أن يغادر الرجل الدار فخرجت بكلّ جرأة وبدأت في التوجّه على المطبخ وما أن وصلت إليه وصرت بداخله حتى صعدت على الفور إلى أعلى الطاولة للبحث عمّا يمكن أن أجده من طعام فمنذ أن قدمت هذه المرأة إلى هذا البيت, ومن خلال عملية التنظيف المستمرّة التي تقوم بها, وعدم تركها للصحون متّسخة ملقاة هنا وهناك, إذ هي تقوم بمسحها ممّا تبقّى من طعام بشكل جيّد وترمي بها في سطل الزبالة الذي صار محكم الإقفال بعد قدومها, بدأت أشعر بالضيق وكأنها تتعمّد شنّ حرب مقصودة عليّ أو ضرب حصار محكم.
لم أكن أعلم أن الزوج غادر البيت لأنّها أفاقت في الصباح وقدمت إلى المطبخ بمفردها وما أن جلست على الكرسي الذي كنتُ متسلّقاً ساقه حتى أسرعت في الدخول إلى داخل فتحة البيجامة من عند الرجل وبدأت أعضّ جسدها فهبّت مذعورة وهي تصرخ وتحاول الهرب إلاّ أنّي بقيت في داخل ثيابها ولم أغادرها وأنا أتحرّك صاعداً ونازلا مسبباً لها آلاماً وهلعاً عظيماً, فما كان منها إلاّ أن بدأت بقلع البيجامة وكنت قد أسرعت على الانتقال إلى موضع آخر تحت ثيابها الداخلية ولم تتمكن من التخلص منّي إلاّ بعد أن قلعت عنها جميع ثيابها وأسرعت إلى غرفة الحمّام وأقفلت الباب وراءها وهي تصرخ وتولول وتبكي بصوت عالٍ.
مكثت خارجاً بالقرب من باب الحمّام لأني أدركتُ جبنها وهلعها الشديد وقلت إنها عاجزة عن مقاومتي لذا سوف أغتنم الفرصة لألقّنها الدرس المفيد, وكانت بين الفينة والأخرى تحاول فتح الباب بشكل يسمح لها بالنظر والتأكد من هروبي فكنت لها بالمرصاد, فلم أتحرك من موضعي بل كنتُ أنظر إليها كلّما حاولت النظر من فتحة ضيّقة للباب أشعرها بأني سأهجم عليها فتسرع في خبط الباب وإغلاقه وهكذا تركتها بداخل الحمّام إلى أن دقّ جرس الباب وهو موعد قدوم الزوج.
دقّ الزوج الجرس مرّة ومرّتين وثلاث مرّات وكلّما كانت تحاول فتح الباب لتطلّ برأسها وتنظر كنت لا أزال موجوداً فهي لم تجرؤ على مغادرة الحمّام لفتح الباب لزوجها. وعندما لم يفتح له أحد بدأ يدير المفتاح داخل قفل الباب ليفتحه فهربتُ على التو واختفيت في موضع قريب من النافذة لأنجو بنفسي متى ضاقت عليّ السبل, فهي ستحدّثه عن كلّ شيء وسيحاول اصطيادي والقضاء عليّ, وعلى ما أعتقد, فإن الزوجة ستقول له: إمّا أنا في هذا البيت أو هذا الصرصور الخبيث الذي أدخل الذعر إلى قلبي وصلبني طول الوقت بداخل الحمّام ومتى بقيت معه بمفردي فإنّي سأموت من الخوف!
لا تعرفون كم كانت فرحتي كبيرة وأنا أجعلها تشعر بضعفها وتعلن عن عجزها وتذهب لتخفي نفسها هرباً مني في الحمّام! كان الأمر مضحكاً بعض الشيء وقد ضحكت عليها كثيراً وأنا أتأمل الرعب البادي عليها والرجفة التي أصابت يديها ورجليها عندما دخلت في فردة رجل البيجامة التي كانت ترتديها, وكيف كانت تسرع في قلع ملابسها عنها بطريقة غريبة ومثيرة للضحك للتخلّص منها ومنّي, لكنّي بدأت أفكّر في عاقبة الأمر فقد ينطبق عليّ المثل القائل "وعلى نفسها جنتْ براقش" وهيّأت نفسي للهرب عملا بالقول القائل:
+++
وفي الهيجاءِ ما جرّبتُ نفسي
ولكنْ في الهزيمةِ كالغزالِ
وبالطبع ليس عيباً أن يخشى المرء ويتحسّب لعاقبة وخيمة قد تقع له, لهذا أدركتُ أنني استعجلتُ فيما قمت به وأنّه كان بالامكان لعب دور غير هذا وبكثير من الذكاء وليس بهذه الحماقة! لكن الذي حصل, حصل وليس بنافع أيّ ندم والذي ينفع هو التفكير في طريقة تجعلني أنجو من القصاص الذي سيكون قاسياً.
دخل الزوج وهو ينادي على زوجته وحين سمعتْ صوته تملّكتها بعض الجرأة ففتحت شقّ الباب أكثر ممّا كانت تفعل معي وقبل قدوم زوجها, وما أن رأته حتى أجهشت بالبكاء الشديد فذعر وركض إليها ليراها على ما هي عليه وسألها عن أسباب وجودها هكذا عارية في الحمّام؟ فقالت له إنها قصة طويلة وسأحكيها لك في الحال, لكن اصبر عليّ حتى أجمع إليّ شيئاً من رباطة جأشي وأستعيد بعض هدوئي, فالأمر غير محتمل وكدتُ أموت من شدّة الخوف. كنت أظنّ أنه كان صرصوراً واحداً فقط في هذا البيت وقد تخلّصنا منه في اليومين الماضيين والذي تبيّن لي أنه يوجد أكثر من صرصور فيه!
حاول الزوج تهدئتها فضمّها إلى صدره وبدأ يحنو عليها ويمسّد شعرها ويلاطفها بعبارات ناعمة واعداً إياها بأن اليوم سيكون آخر يوم في عمر جميع الصراصير التي تقيم في هذا البيت, وقال: يا حياتي إنّ علبة البخ قد فرغت وانتظريني لأذهب على الفور إلى الصيدلية مسافة ربع ساعة زمن وأعود جالبة واحدة أخرى! فقالت (وهي تمسك به ملتصقة وهي تشدّه إليها): لا والله لن تذهب وتتركني بمفردي مرة أخرى مع هذا الصرصور المجنون. إني سأذهب معك! فقال لها: لا عليك البسي ثيابك وإني بانتظارك! خرج الاثنان لشراء المبيد فقلت لنفسي: يا رجل لم يبق لك رزق في هذا البيت! والذي فعلته مع هذه المرأة هذا اليوم, لا يفعله المجانين! نظرت إلى أركان البيت حزيناً وأنا اودّع ذكريات كان فيها الفرح وكان فيها الحزن في هذه الدار وعلمت أن قدوم هذه المرأة كان كارثة حلّت فوق رأسي ولم يعد لبقائي هنا من مبرّر أو سبب, هذا إذا رغبتُ في الحياة, وأنا لا أنكر أننّي أحبّ الحياة كثيراً, فأنا جبان بعض الشيء! هذا من جهة ومن جهة أخرى عليّ أن أنتقم من بني البشر لما فعلوه معي وما يفعلونه مع أبناء جلدتي من الصراصير وإلى غد ويومية أخرى بااااي
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 12:58 PM
شكراً لمرورك الطيب يا سميرة
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
يامسكين ياصرصور انجو بنفسك قبل أن يبيدوك معاني رائعة وانتقامه كان مناسبا!!!
سميرة
georgette
20-05-2006, 12:59 PM
يوميّات صرصور
اليوم السابع
كثيراً ما كنتُ أسمع من رجالنا الكبار في السنّ, والذين كانوا خبروا الحياة جيّداً وأدركوا خفايا بني البشر وكيفية وجوب التعامل معهم, أنّهم كانوا يردّدون على مسامعنا قولهم الدائم: متى أردتَ إزعاج الإنسان فاظهر له فجأة على مرأى من زوّاره وضيوفه, وقم بحركات بهلوانيّة وتنقّلات تثير الغضب لديه فهو سيجنّ لهذا التصرّف منك ويصاب بحرج ما له مثيل أمامهم, وخاصة لدى جنس النساء منهم. وأنّك متى رأيت امرأة جالسة على كرسيّ فاظهر لها على حين غرّة واقترب منها فهي ستهرب أو ستصعد إلى أعلى الكرسي واقفة عليه لكي تتجنّب المساس بكم وهي تتقزّز من منظرنا وتشمئز من تواجدنا. وهنا تستطيع أن تستغلّ فرصة خوفها وبقائها واقفة على الكرسي فتتلاعب بأعصابها كما يحلو لك فهي لن تجرؤ على النزول من فوق الكرسي لطالما كان وجودك حاضراً, ومتى حاولت تمالك شجاعتها بإظهار ما ليس لديها من هذه الشجاعة كأن تقوم بحركات معيّنة تشعرك من خلالها بالخوف فلا تكترث فهي حركات نابعة عن مزيد من الخوف لديها فاهجم نحوها وسوف تصاب بالذعر وتجمد في موضعها.
قلتُ أللهمّ أعنّي في أولى هذه الاختبارات لإزعاج هذه المرأة التي حطّمت قلبي وداست على عواطفي بقتلها فتاة أحلامي صرصرتي الحبيبة! وإنه وفور مغادرة الرجل (صاحب الدار) المنزل فإني سأقوم بتطبيق ما تعلّمته من آبائنا وأجدادنا فأقوم بتنفيذ خطتهم لأرى مدى نجاحها مع هذه الحمقاء التي لا قلب لها. انتظرتُ إلى أن أفاقا من نومهما ورأيتهما يجلسان معاً إلى طاولة الطعام في المطبخ ليتناولا طعام الفطور, وهما يتحدّثان فيما بينهما عن احتمال وجود صراصير أخرى في البيت غير ذلك الذي تمّ القضاء عليه بضربات المكنسة الصاعقة.
كان من الواضح أنهما تسرّعا في رمي جثة صرصورتي في تنكة الزبالة دون ملاحظة ما كانت تعاني منه من كسور وما كان ربط على رجلها, وهي بالتأكيد لن تكون - بمفردها - قادرة على القيام بهذا العمل ولو حاولا التدقيق في الأمر لتبيّن لهما أن صراصير أخرى تعيش في هذا البيت, وكان ذلك بالطبع من حسن حظي وما أثار طربي وفرحتي.
بقي الرجل في البيت بعد تناول طعام الفطور واستغربت لذلك لكني عدتُ وتذكرتُ أنها عطلة نهاية الأسبوع, وقلت في نقسي إن ما جرى البارحة أنساني كلّ شيء حتى أيام الأسبوع! حزنتُ لبقاء صاحب البيت دون مغادرته لتسنح لي الفرصة في التشفّي من هذه المحلوقة التي بتّ أكرهها أشدّ الكره وأرغب في إزعاجها بشتى الوسائل والسبل, لأن قلبها لا يعرف شفقة ولا رحمة. بعد انتهائهما من الفطور رأيت المرأة تذهب لتأتي بالمكنسة وهي تعطيها للرجل وكان قبل ذلك جرى حديث بينهما لم أقف على سرّه, وذهبا معاً إلى حيث كنت قبلاً وبدأ الرجل وكأنّه يحاول إخراج شيء من خلف الخزانة أو هو يريد التأكد من خلو المكان من صراصير أخرى, وأن حشرات ما قد ماتت بفعل الرش للمادة السامة يوم البارحة, وعندما لم يعثرا على شيء ارتاحا بعض الشيء وكانت علامات الرضى والارتياح بادية على وجهيهما, وارتحت كذلك لأن حالة الأمان التي أحتاجها قد تصير فرصها أقوى.
كنت أقوم بمراقبة كل ما قاما به من أعمال وأنا أقول: إنّ فترة العطلة ستنقضي عاجلا أو آجلا أيتّها المرأة العزيزة وسترين منّي ما لم تري مثله في جميع أيام حياتك! ليكن في معلومك أنّ استسلامي لن يكون بهذه السهولة وبدأت أنشد شعراً وأنا أقول:
متْ عزيزاً وتحتَ وقعِ الرّماحِ
لا حياة بذلّةٍ وانكشاحِ!
قد عزمتُ على الصمود مضياً
لا أخافُ العدى وعصفَ الرّياحِ
إنّني الصّرصور والأيامُ تُبدي
مَنْ يكون على ثباتٍ بساح!
وتمنّيتُ من كلّ قلبي لو أنّ العطلة بكاملها انقضت في زمن ساعتين لأنّ نيرانَ الغضب الذي بات ينهشُ جسدي ويدفعني إلى رغبة الانتقام كان شديدا جدّاً. إنّ حبّ الأذيّة لم يكن من طباعي في يوم من الأيام, فأنا مسالمٌ وأرغب في مساعدة الآخرين وهادئ لم أزعج صاحب البيت الذي أقيم معه في الدار لحظة واحدة, بل وحتى لم أكن أترك أي أثر لحماقتي متى فعلتها على عجل في مكان ما من هذا البيت, إذ كنت أقوم بتنظيف المكان وإعادة ترتيبه احتراماً لهذا الرجل الذي أعيش من خيراته وما يتوفّر لي من طعام وأمن وسكن. لكن وبعد أن تمّ شراء هذا المبيد الرهيب (ريد) لم يعد في المسألة مجال لأي مزاح بل انقلب الأمر إلى جدّ حقيقيّ وهذ1ه ستكون بالنسبة لي معركة مصيريّة على معنى ما أوردته في أشعاري التي نظمتها قبل قليل وأنشدتها!
كم أنتم قساة القلوب أيّها البشر! إني التقيتُ قبل بضعة أيام بنملة حزينة كانت تعيش في أحد البيوت, سمعتها تشكو من أصحابه وتدعو عليهم بالبلاء وترجو لهم الوبال, وحين سألتها عن السبب في هذه الدعوات على أهل البيت قالت لي والدموع تنهمر من عينيها والحزن يمزّق قلبها الموجوع: إنّهم أبادوا عائلتي فقد قتلوا زوجي وبناتي الثلاث وهربت ناجية بريشي من ويلهم وذلك المبيد العجيب الذي استخدموه في القضاء علينا! لقد تذكّرتُ جميع كلماتها وأحسستُ حزنها أكثر عقب ما حصل لصرصورتي الحبيبة رحمها الله وأسكنها فسيح جنّاته.
وإلى هنا أكتفي اليوم بسرد يوميتي لهذا اليوم وإلى لقاء الغد وفي سرد آخر لأحداث يوم آخر في هذا البيت وأنا أعدّ لانتقامي الفظيع من هذه المرأة باااااي.
التوقيع
صرصور
http://www.librarypreservation.org/arabic/management/images/roach2.jpg
georgette
20-05-2006, 01:00 PM
يوميّات صرصور
اليوم السادس
لم يداعب النوم جفني لحظة واحدة طيلة ما تبقّى من الليل, حيث كانت صرصورتي كلّما مالت نحو اليمين أو صوب اليسار تشعر بالألم الشديد فتصرخ منادية عليّ فأسرع إليها لأقوم بالتخفيف عنها إلى أن لاحت تباشير الفجر وبزغت شمس نهار جديد.
نهض صاحب الدار من نومه وكالعادة ذهب إلى الحمام والمطبخ ومن ثمّ غادر البيت متوجّهاً إلى عمله, فما كان مني إلاّ أن خرجت من المخبأ وتوجّهت على التوّ إلى المطبخ بحثاً عمّا يسدّ رمقي ويخرس جوعي وجوع صرصورتي البائسة والتي كانت تعاني من آلام مبرّحة من جرّاء الكسر الذي أصاب ساقها, وقد كانت معداتنا خاويتين فارغيتين وعصافير بطنينا تعزف ألحان جوع شجيّة وحزينة. وفيما كنتُ أبحث على مهل وبعناية شديدة الحرص على ما يمكن أن يعيننا على هذا الجوع القاسي حيث أن حادث البارحة كان أخذ من وقتنا وجهدنا وأعصابنا الشيء الكثير.
كانت بالنسبة لي مفاجأة غير منتظرة وغير محبّبة إلى نفسي كذلك حينما شاهدتُ, وأنا صاعدٌ إلى الطاولة, باب غرفة النوم يفتح وتخرج منه فتاة ذلك اليوم والتي كانت مع صاحبي وهي في قميص النوم تتوجّه إلى الحمّام فقلتُ في نفسي: يا الله! هل تزوّج صاحبي أم ماذا؟
تملّكني الرعب وبقيتُ في موضعي دون حراك حتى لا أجعلها تراني وبعد أن دخلت الحمام وأغلقت وراءها الباب نزلت من فوق الطاولة وأسرعتُ إلى صرصورتي الحبيبة فأخبرتها عن الأمر وطلبت منها وجوب الحيطة والحذر وعدم إصدار أصوات تدلّ علينا لأن امرأة تسكن في البيت ويبدو أنها ستكون السيّدة الجديدة لنا في هذا البيت! لا أخفي عليكم أنّ ذعري الشديد أخذ منّي كلّ مأخذ فبدأت أوصالي ترتجف والعرق يتساقط بغزارة من وجهي وجسدي ويبلل كل موضع منّي, فقلت يا لها من مصيبة! أين كانت أحلامنا؟ وأين صارت الآن؟ هل هذا شؤم الصرصورة؟ أم هو قلّة بختي وسوء طالعي؟ قلت فلننتظ ولنرى!
يبدو أنّ المرأة لم تكن كسولة كالرجل ومهملة وقذرة كما كان هو, فهي ومذ أفاقت وتناولت طعام الإفطار وهي تقوم بعمليات تنظيف مستمرّة وكانت نقطة البداية لسوء حظّنا قد بدأتها من حيث تواجدنا, أي في الخزانة وما فوقها وحولها وخلفها حيث بيتنا الصغير وعش الزوجية المرتقب لي مع صرصورتي الحبيبة.
رأيت في يدها العصا التي تنتهي بالمكنسة وهي تأتي صوبنا ومن ثمّ تقوم بعملية مسح بيدها أول الأمر للتأكد من نظافة المكان وخلوه من الغبار والأتربة المتراكمة وقد تبيّن لها أن المكان لم يتمّ تنظيفه منذ سنوات, فبدأت تلوم الرجل وتتهمه بالوساخة وعدم الاهتمام بنظافة البيت, وباشرت في عملية التنظيف من أعلى إلى أسفل بطرف المكنسة فأحسستُ بالخطر المحدق بنا وقرّرت النجاة بصرصورتي وبنفسي من هذا المأزق وفيما أنا أحاول القيام بمساعدتها لم أحسّ إلاّ وضربة قويّة من طرف المكنسة تسقط على رأسي فوقعتُ على الأرض مغشيّاً عليّ ولم أدرك بعد ذلك ما الذي جرى! ولا أعرف كم من الوقت قد مضى على غيبوبتي لكن الذي أعرفه أنني عندما أفقت وعاد إليّ الوعي لم أجد صرصورتي بجانبي فبحثت عنها في المكان كله فلم أجدها وناديتها بصوت خافت فلا حياة لمن تنادي! كان الألم لا يزال في رأسي وتأكدت بعد ذلك من أن تلك المكنسة الملعونة قد جرفت في طريقها حبيبتي الصرصورة, إنها امرأة ظالمة لم تتركنا ننعم بحياة السعادة والهناء المشترك.
لم أشأ أن أخرج من الموضع لئلا تظن بوجود صرصور آخر وقررت الانتقال من موضعي إلى موضع أكثر أمناً وأماناً فهي ستخبر زوجها عندما يعود إلى البيت وتدلّه على المكان الذي عثرت فيه على الصرصورة حبيبتي. قرّرت أن يكون الموضع الجديد لإقامتي تحت طرف إحدى السجادات الكثيرة المنتشرة في البيت, وهو مكان من الصعوبة العثور عليه ومتى تمّ العثور عليّ فإن حركة التنقل والهريبة ستكون متاحة لي بشكل أفضل للتخلص من الخطر متى وقع!
كان حزني على صرصورتي شديداً وآليت أن أنتقم لها من هذه المرأة التي سحقتها تحت ضربات مكنستها القاسية فهشّمت عظامها وقضت عليها ولفرط الحزن هذا فإني أبّنتها ببعض أبيات من الشعر وأنا أردّدها بمرارة وألم:
يا حبيباً قد ذهبتَ
تحت أقدامِ الغزاةِ
حطّموا منك عظاماً
تحت ضربِ المكنساتِ
لم نعشْ حبّاً وطيباً
بل حُرمنا الهانئاتِ
رجلك عانتْ وقلنا
إنّه حظُّ الفتاةِ!
اذهبي فالقلبُ كان
هائماً فيك حياتي!
أحزنُ كوني حُرمتُ
أن أُقيمَ التعزياتِ
رحمةُ الله عليك
في عزاء الصّرصراتِ
عشنا يوماً ذقنا فيه
كلّ شكل البهدلاتِ
فرّقونا دون ذنبٍ
ولك أتلو صلاتي!
لقد تضايقتُ جداً من سلوك هذه المرأة فهي قامت بحملة نظافة شاملة وحوّلت البيت من مركز تجمّع للقمامة إلى بيت مرتّب ونظيف اختفت منه رائحة العفن وفاحت رائحة العطور والورود التي نصبتها في أماكن من البيت موزّعة على مختلف أركانه. إننا معشر الصراصير لا نحبّ النظافة مطلقاً فهي عدوّنا الأوّل وكان يسيراً عليّ أن ألقى هنا وهناك في زوايا هذا البيت ما يصلح للأكل أما بعد اليوم فأظنّ أن الأمور ستختلف تماماً وسينقلب نمط الحياة كثيراً. وكانت أولى هذه الكوارث التي حلّت علّي بسبب ظهور هذه المرأة هو موت حبيبتي ومن ثمّ إجباري على تغيير مكان إقامتي, وقد اعتبرت أن عداوة بدأت من اليوم بيني وبين هذه المرأة التي أخبرت زوجها على الهاتف أن يجلب معه مبيداً من نوع "ريد" وهو ما لم أعرفه من قبل وقد يكون أكثر فتكاً من "بيف باف" الذي عشت جحيمه قبل الآن ولي معه تجارب مؤلمة وموجعة!
قدم الرجل إلى البيت فاستقبلته الزوجة بسيل من القبلات وقادته على الفور إلى المكان الذي عثرت فيه على الصرصورة التي انهالت عليها بالضرب بأطراف المكنسة إلى أن قضت عليسها وخشيت منها فتركتها ملقاة على الأرض إلى أن قدم الزوج فأمسك بها وألقاها في سطل الزبالة, خافت منها وهي ميّتة فكيف بها لو كانت حيّة! قلتُ إنّها فرصتي لأنتقم منها انتقاماً عظيماً يتناسب مع ما تسببت لي به من حزن وألم في موت شريكة حياة المستقبل التي كانت منتظرةً.
كانت رائحة البخ (الرّش) والدواء القاتل المنبعثة من تلك الزاوية التي تمّ رشّها خانقة وقد أحسست بها وأنا على بعد أمتار منها وقلت في نفسي إني فكّرتُ بطريقة صائبة حين أسرعتُ في تغيير موضعي وفعلا كما يقال فإنّ التجارب تعلّم وتخلق المخترعات على غرار المثل القائل "الحاجة أم الاختراع". لقد صككتُ أسناني على تلك المرأة الحاقدة وقلت سيأتي اليوم الذي أجعلك فيه عبرة لمن يعتبر وستدركين أننا أقوياء عندما نهاجم في عقر دارنا ويراد إلحاق الأذيّة بنا إنّ يومك هذا لقريبٌ.
وإلى اللقاء في يوميّة أخرى من يوميّاتي المثيرة في هذا البيت ومع هذه المرأة التي حوّلت أحلامي وآمالي إلى ركام بااااااي
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 01:01 PM
شكراً يا سميرة إن الأحداث الدرامية صارت تأخذ أبعاد أخرى ونرجو أن تكون نهايتها سعيدة بالنسبة لهذا الصرصور الشقي والجريء في الوقت نفسه.
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
إنها قصة حزينة ياللمسكين قتلوا لك الحبيبة وماذا سيحدث لك بعد ذلك؟؟؟أتمنى ألا يأتي دورك أنت الآخر. صدقني يافؤاد أنا أتشوق لبقية الحلقات ومالذي سيحدث لصرصورنا .. الله يوفقك
سميرة
georgette
20-05-2006, 01:02 PM
يوميّات صرصور
اليوم الخامس
لم تكن للصرصورة (حبيبة قلبي) أيّة معرفة مسبقة بالدار التي أقيم فيها, كما لا تعرف مدى ارتفاع الشباك عن سطح أرض الغرفة لذا وفيما هي تحاول النزول من الشباك إلى أسفل تعثّرت قدمها فسقطت على الأرض وكان أن صرخت بصوت عالٍ ذعرتُ لدى سماعي فسألتنا عمّا بها؟ فأجابت أنها تعثّرت (تدرقلت) قدمها وسقطت على الأرض وهي تشعر الآن بآلام شديدة جداً.
خشيتُ من أن يسمع صاحب البيت صوت صراخها فأسرعتُ إليها وطلبت أن تشير بيدها إلى منطقة الألم التي تشعر بها فقالت إنها في رجلي اليمنى. تحسستُ رجلها بيدي وعرفت أن كسراً قد حصل تسبب به ذلك الارتطام بالأرض فهوّنت عليها قائلا: لا تخافي إنه مجرد كسر بسيط وسأقوم بإجراء اللازم إذ لديّ خبرة طويلة في هذا المجال منذ كنا نعيش في جماعات كبيرة فكانت تقع أحداث وتحصل حوادث فيها الكثير من الخطورة وقد تعلّمت من الكبار الذين كنت أراقب ما يفعلونه.
حملتها على ظهري وجئت بها إلى حيث سيكون عش زوجيتنا السعيد ومكان فرحنا المقرّر إقامته بعد تعافيها وتماثلها إلى الشفاء ألا وهو خلف دولاب (خزانة) الملابس, الملجأ الأمين الضيّق الذي يوفّر لي الحماية من مخاطر صاحب البيت متى علم بوجودنا فهو ومهما حاول لن يستطيع الوصول إلينا إلاّ متى حرّك الدولاب من موضعه وهذا يحتاج بالتأكيد إلى رجلين اثنين أو أكثر. وكنت خبرت أن طريقة التجبير كانت تجري إما بطريقة التجبير الصلب وهو سند القسم المكسور بربطه إلى جسم مقوّى ككتاب أو خشبة أو أي جسم صلب يساعد على منع القسم المكسور من الحركة وبالتالي ممّا سوف يتسبّب له بمضاعفات خطيرة والطريقة الشعبية الثانية التي كان يستخدمها أجدادنا في تجبير الكسور كانت التجبير(الجبيرة) المرن أي ربط القسم المكسور بجسم آخر مرن القوام كأن يكون وسادة أو غطاء سرير أو مطوي عدّة طيّات و تصلح هذه لمثل حالة الصرصورة اليوم.
أسرعت إلى قطعة قماش (خرقة) جلبتها من داخل الدولاب (خزانة الملابس) وقمت بكسر بيضة وإخراج ما بداخلها من صفار وأضفت إليها بعض الدقيق ومن هذا المجبول وضعت فوق الرجل ولفّيت عليها قطعة القماش بعدما قمت بغسلها بحذر بالماء الساخن بعض الشيء لكي ترتخي الأعصاب وتشعر بقليل من الهدوء بعد هذا التوتر الحاصل لها, وطلبت منها عدم الحركة وحمدت الله أن كيس الدقيق كان مفتوحاً وإلاّ كان أملي سيخيب, فبدونه لا جدوى لأنه يدخل في تركيبة عمل هذه الجبيرة. لكن وأنا أقوم بعملية التجبير بدأت أفكر في الذي جرى لها في اليوم الأول وخشيت أن تعتبر هذا الحادث الطارىء دليل شؤم على حياتنا الزوجيّة المزمع إقامتها.
التزمت الهدوء والسكينة وقلت لها: كل ما تريدينه وتشتهينه سآتي لك به إلى عندك وعليك لبعض الوقت أن تلزمي الهدوء وتلتزمي بالتعليمات التي أعطيتك إياها, فأومأت برأسها إيجاباً وأنا أقول إن هذا الإنسان لو عرف بقصة وجودنا هنا في داره لقام بقلب الدنيا ولسعى إلى التخلّص منّا بكلّ تأكيد. فالإنسان ميّالٌ إلى العنف بطبعه وهو يستخدم هذا العنف ضد أبناء جلدته من البشر, فكيف بنا نحن معشر الحشرات الذين نعتبر في نظر هذا الإنسان وغيره من أسوأ خلق الله. نحن لا نفتك ببعضنا البعض على الأقل ونراعي حرمة أخوتنا في الحيونة و(الحشرتة) أما هو فلا يراعي ذمة ويسعى إلى خداع أخيه من أجل حفنة من المال ويسعى إلى القتل والقهر من أجل أن يسيطر على غيره. إن عالم الإنسان مليء بالعجائب والغرائب والمتناقضات. فيما نحن نعيش ببساطة لو أدرك الإنسان قيمتها لحسدنا عليها!
ولكي نجري مقارنة بسيطة بيننا وبين الإنسان لنرى من منّا هو الأفضل؟ إننا نستطيع وبكل سهولة أن نقوم بالأمور التالية لنزعج الإنسان بشكل كبير:
1 - أن نظهر علناً في حضور أصدقائه وزوّاره ونقوم ببعض الحركات الإستفزازيّة أمامهم للتقليل من قيمته ولإظهاره بأنه قذر ولا يهتم بنظافة البيت وبمكافة الحشرات فيه.
2 - نستطيع أن نجري معه عراكاً منذ الصباح الباكر ونجعله يتأخر عن عمله ونتسبّب له ببعض المشاكل مع رئيسه في العمل.
3 - نستطيع إثارة أعصابه بالتلاعب بها في ظهور واختفاء متتابع لإثارة غيظه ومتى حاول اللحاق بنا نلجأ إلى أمكنتنا المفضّلة وهي الضيّقة والتي يصعب عليه الوصول إليها.
4 - نستطيع أن نجعل إمرأته أو أخته أو أمه لساعات طويلة واقفة فوق الكرسي أو الطاولة تخشى من النزول لأنها تخافنا ويكون ظهورنا المفاجىء لهؤلاء النسوة بمثابة الرعب والاشمئزاز والتقزّز.
هذه أضرار معنوية بإمكاننا أن نتسبب للإنسان بها ناهيك عن الأضرار المادية الجسيمة منها مثلا:
1 - قرض الملابس والسجاد والملاحف والبشاكير وكل ما يقع تحت أيدينا وهذا بالطبع يعقبه وجوب شرائه لآخر جديد وهكذا دواليك.
2 - نستطيع ترك برازنا في كل مكان من البيت مما ينشر رائحة كريهة وإزعاجاً له ولضيوفه.
3 - نستطيع نقل بعض الجراثيم والميكروبات إلى حيث يقيم وإدخالها في أطعمته دون أن يدري. لكن ضمائرنا ليست ميّتة لنفعل معه مثل هذا إلاّ متى حاول التعدّي علينا.
4 - نستطيع التبرّز في أطعمته وصحونه وحتى في براداته التي يستخدمها لحفط المأكولات.
وبإمكاني أن أسرد قائمة طويلة من هذه المضارّ التي نستطيع أن نتسبّب له بها. ومن هذا السّرد أردت أن أبيّن لكم أننا نفكر بطريقة واقعية ولسنا مثله كوحش العصر يحيل حياة الناس إلى جحيم وكم يحلو له لو أنّه داس بقدمه بعنف على رقابنا وحطّمها تحت نعاله! مَنْ منّا أرحم؟ نحن أم هو؟ نستطيع أن نتعايش بهدوء وأمن وسلام وإليكم الإعلان عن بعض أساليبه القذرة التي يستخدمها ضدنا:
1 - استطاعت بعض الدول أن تستخدمنا كوسيلة تجسس على دول أخرى. كما استطاعت أن تزرع في أجسامنا كاميرات مراقبة دقيقة ومكروفونات لنقوم بالكشف عن ضحايا الكوارث الطبيعيّة وكل هذا يصبّ في مصلحة الإنسان وعلى حساب حياتنا.
2 - تمكّن بعض التلاميذ الكسالى في روسيا من استخدامنا لأغراضهم الخاصة حيث أنهم قاموا (على ما سمعنا) بتجويع مجموعة من إخوتنا الصراصير بعدما علموا أننا نستطيع لعق الحبر الجاف فجاؤوا بشهاداتهم والمملوءة بعلامات متدنية وأطلقوا إخوتنا, بعد أن تمّ وضع العسل فوق الحبر, فقامت بالتهام العسل والحبر الناشف وقام التلاميذ بعد ذلك بوضع العلامات التي أرادوها لكي يخدعوا ذويهم وليخفوا عنهم حقيقة تراجعهم الدراسي.
3 - تقوم مجموعة من إخوانكم البشر بتجارب قذرة علينا وغير أخلاقية إذ يزيلون أجنحتنا ويقلعون قرون الاستشعار لدينا ويحّملونا وزناً يفوق عشرين مرّة قدرة وزننا وتحمّلنا.
4 - تتعلّمون في المدارس أن الصراصير هي المخلوقات الوحيدة التي تثير الإشمئزاز والتقزّز والقرف.
5 - تتعلمّون في المدارس طرقاً عنيفة لمكافحتنا والقضاء علينا دون رحمة أو شفقة وتستخدمون في ذلك المواد الكيميائية الفتّاكة بأساليب قمع وفتك بشعة.
6 - تقومون كبشر بحملات تعبئة ومداهمة لأماكن تواجدنا دون سابق إنذار لتفتكوا بنا.
7 - تستخدمون أجسادنا المجفّفة كأصباغ أحمر الشفاه لنسائكم بعد أن تقوموا بطحنها وإجراء بعض التحويلات عليها ومن ثمّ تقبّلون نساءكم على قبورنا!
7 - تثيرون الناس كل الناس ضدنا وتشيعون أننا خشرات قذرة يجب التخلّص منها وبهذا تتعدّون على مشاعرنا بدون عذر أو سبب.
قطع صوت صراخ الصرصورة مجموعة التأملات بالمقارنة بيننا معشر الصراصير وبينكم معشر البشر فأسرعت إليها وأنا أرجوها أن تخفض صوتها لئلا تجلب علينا لعنة صاحب البيت وبطشه وسألتها عمّا تريده؟ وإلى غد واليومية السادسة بااااي
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 01:04 PM
Administrator تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 4,965
أليس من حقّه أن يدافع عن نفسه يا سميرتي؟ أظن بلى فدعيه إنّ إنسان هذا العصر ليس هيّنا أوملاكا!
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
أشقد وجها قالوع عروستنا من أول يوم انكسرت رجلها بس صرصورنا طلع شهم وكان يعرف يجبرالكسور كمان شوقتنا لليوم السادس ليوميا ت صر صورنا هذا ولسانو طويل يحكي على معشرالبشر
تعوا ولاتنبعجوا!!
georgette
20-05-2006, 01:12 PM
يوميّات صرصور
اليوم الرابع
لم أر بدّاً من التوجّه إلى رفاقي الذين كانوا في ضيافتي هنا قبل أيام لعلّهم يدلّوني على صرصورة جميلة أتقاسم معها العيش الهنيء وما تبقّى من عمري الذي لا أريد له أن يذهب هدراً ضحية حرمان بائس.
بحثتُ في كلّ مكان تحت جنح الليل وحيث الأضواء الخافتة تنبعث من نوّاسات وفوانيس الغرف المتعددّة فيه فلم أعثر لأيّ منهم على أثر ممّا زاد في حزني, وفيما كنتُ أهمّ في مغادرة الدار وأنا أنشد ما تمكّنتُ من نظمه من الشعر على السليقة الفوريّة وأنا في طريقي التي بدأت البحث فيها عن أصدقائي - و كانت هذه الأبيات تقول:
أيّها الصّرصورُ أنتَ
لم تكنْ يوماً غبيّا
خانك الدهرُ كثيراً
حتّى سوّاكَ شقيّا
تحملُ قلباً رقيقاً
وانفعالا شاعريّا
لا يرى الإنسانُ فيك
إلاّ صرصوراً رديّا.
أبحثُ عن رزقِ يومي
ساعياً سعياً قويّا
حتّى ألقى ما أراهُ
من قماماتٍ شهيّا
يطمعُ الإنسانُ فيكَ
يحسبُ النّفس وصيّا
وهو من سوءٍ كثيرٌ
لا أرى قلباً نقيّا
يلحقُ الأضرارَ جمّاً
دون أنْ يخشى نبيّا!
فاحتملْ يا قلبُ أنت
لم تعد طفلاً صبيّا.
إنّك للحبّ تسعى
كي ترى القلبَ هنيّا
علّك تلقى العزاء
تلتقي الحبّ الوفيّ
قد رأيتُ اليومَ شيئاً
أطلقَ اللّحنَ الشجيّ!
"فالحياةُ الحبّ" قالوا
هل أرى الحبّ الطريّ؟
هكذا حدّثتُ نفسي
وأنا أبكي عليّا!
اعطني يا ربُّ منك
مانحاً حلماً نديّا! -
إذ التقيتُ صرصوراً قادماً من الجهة الأخرى, وأدركت من طريقة سيره وغنجه وحركات دلاله التي كان يقوم بها أنه أنثى, فقلتُ في نفسي لقد أنعم الله عليّ في خاتمة مطاف بحثي الليلة بصرصورة وآمل أن تكون هي الأخرى جميلةً.
تقدّمت منها وحيّيتها بأدب ورفق, وما أن بدأت تهزّ كتفها وتظهر حركات دلع بريء من عينيها حتّى تأكد يقيني من أنها صرصورة بكلّ معنى "الصرصرة". كنت عاقلا ومؤدباً للغاية وشئت ألا تكوّن في أول التقائها بي نظرة في غير موضعها عني, لهذا عملت المستحيل كي أظل أديباً ملتزماً وعاملا على محاولة التأثير عليها لألفت انتباهها وأثير عواطفها وأوقعها في شباك حبّي!
تعارفنا بعد تبادل التحية والكلام وعلمت أنها مخطوبة وأن خطيبها ذهب لتأدية خدمة العلم وهي لم تره منذ يوم الخطوبة! فأردت الضرب على الحديد وهو ساخن بتوجّهي إليها بالسؤال: وهل هذه حياة؟ وكيف استطاع أن يتركك؟
قالت: إنه الواجب الوطني!
قلت: ألم يكن بمقدوره دفع بدل ويخلص من موضوع العسكرية ويتفرّغ لحياته معك؟
قالت: إن أهله فقراء.
قلت (على الفور): وهذا هو الفارق بيني وبينه. إني أعيش في قصر فيه كل ما تشتهي النفس وتريد. طعام من جميع الأصناف وفواكه وخضار وفوق هذا كلّه صاحب دار كسول يترك لنا بقايا طعام في المرة الواحدة ما يكفينا لمدة أسبوع.
لاحظتُ أنها بدأت تلين بعض الشيء ولم تعد على عنادها وإصرارها الذي قابلتني به أول ما قابلتها. قالت وماذا أفعل بخطيبي؟
قلت: ببساطة افسخي خطوبتك منه, وقولي له ليس لنا نصيب وقد رأيت الصرصور الجاهز من مجاميعه للزواج ولست بحاجة إلى الانتظار سنة أخرى وربما تقع حرب فتمدّد عسكريته وقد يصاب بأذى في الحرب. بهذا المنطق حاولت إقناعها واستطعت فقرّرت المجيء معي إلى الدار التي أقيم فيها أمسكت بيدها برفق وحنان وبدأت أسرد على مسامعها بعض النكات التي كنت تعلّمتها من تجربتي مع صاحب البيت, ولم نشعر إلاّ ونحن أمام الباب فقالت: من أين الدخول؟ قلت: اتبعيني (وأنا أقول في نفسي: الحقي البوم فهو سيدلّك على الخراب).
أكّدتُ لها أني سأحبها الحبّ كلّه وسأخلص لها أيّما إخلاص وسوف لن أتوانى أبداً عن تلبية جميع طلباتها وستراني كالخاتم في إصبعها أو كالخادم الأمين الذي يقوم على رعايتها وأني لا أعرف في حياتي غير الوفاء وستسعد معي جداً وسيكون عش زوجيتنا هنا سعيداً نمضي الأسابيع الأولى منه في أحلا أيام العسل, ثمّ صعدتُ إلى الشباك وأنا أشير إليها بيدي لكي تتبعني إلى أن صرنا داخل البيت. وإلى اللقاء غداً في يوميّة جديدة بااااي.
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 01:13 PM
--
للصراصير وغيرهم من الحشرات عالمهم الخاص وأحلامهم وطموحاتهم يا سميرتي فلماذا نستغرب!
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
ماهذا صرصورنا يجيد الشعر أيضا ياللفرحة!!! هاقد رأى صرصوته المغنجة وإنه بدأ يؤثر عليها يا صرصورنا موهين انت؟؟
georgette
20-05-2006, 01:15 PM
يوميّات صرصور
اليوم الثالث
كان قلبي يخفق طيلة النهار وأعصابي تحترق بانتظار أن يأتي صاحب الدار لأرى كيف سيتصرف؟ وهل سيكون جلب معه علبة المبيد الحشري الذي نجوت منه بأعجوبة وأرتعب خوفاً عندما أراه؟
على هذا النحو عشت في ترقّب وقلق إلى أن فتح صاحبنا الباب ودخل, فرأيت في يده كيساً محمولا فقلت ما الذي يمكن أن يكون بداخله يا ترى؟ هل جلب معه بعض الفواكه أو الخضار وهو في طريقه إلى البيت؟ أم ماذا؟
دفع صاحبنا بالكيس إلى الطاولة في المطبخ وتوجّه على الفور إلى التواليت ليقضي حاجته وكما أعرف فهو سيذهب بعد ذلك مباشرة إلى الحمّام قبل أن يعود إلى المطبخ ليحضّر له طعام العشاء أو يغلي له كأساً من القهوة أو يرشف زجاجة من البيرة التي كانت تملأ صناديقها أرض المطبخ.
ما أن دخل التواليت حتى أسرعت إلى الكيس الذي رمى به فوق الطاولة لأن صبري قد عيل من شدّة الانتظار والترقّب وأنا بطبعي فضوليّ جداً لا بدّ لي من معرفة ماذا يحتوي عليه هذا الكيس! صعدت إلى سطح الطاولة ومن ثم إلى أعلى الكيس وقمت بدورة واثنتين حول الكيس من جميع الأطراف فلم أعثر على فتحة أستطيع الدخول منها إلى داخل الكيس لاستجلاء الأمر بدقة وأقف على حقيقة ما يوجد فيه! لقد خاب أملي فالكيس كان شديد الإغلاق وفشلت في اختراق أي منفذ منه ونسيت نفسي إذ أن ذلك أخذ من وقتي الكثير وخشيت أن يخرج فيراني وتكون الكارثة لذا أسرعت بالنزول من على الطاولة فور سماعي صوت باب الحمام يفتح وعلمت أنه سيأتي إلى المطبخ حالا, لهذا أخفيت نفسي خلف رجل الطاولة ولم أتحرّك من موضعي وصرت أنظر من طرف عيني بخلسة وهدوء إليه فأراه يفتح الكيس ويخرج شيئاً من داخله وشممت رائحة لذيذة فعلمت أنه طعام جاهز اشتراه على غير العادة, فهو يطبخ دائماً في البيت.
انتظرتُ إلى أن فرغ من تناول طعامه وأنا يسيل لعابي من الجوع والشهوة والرّغبة الشديدة في أن أشاركه لذة الطعام هذه, لكن عدت وقلت في نفسي من أين لي مثل هذا وأنا صرصور حقير ليست له قيمة في حياة البشر! فوجئت حين بدأ يحضّر نفسه لمغادرة البيت وقلت لا شك أنه على موعد لقاء مع أحد أصدقائه وهو عندما يخرج سأرى ما إذا كان قد ترك شيئاً أستعين به على شدة جوعي.
صعدتُ إلى سطح الطاولة فور خروجه حيث كان يأكل, وبحثت طويلا دون فائدة فهو لم يترك أي أثر للطعام وحتى أن أي فتاة من خبزه لم يسقط على الأرض وصرت أبحث في مكان آخر من البيت علّني أجد شيئاً أسدّ شياطين جوعي التي بدأت تنهش في معدتي. وفيما أنا على هذه الحال إذ بصوت المفتاح يعمل بداخل الباب فأدركت أنه عائد فأسرعت إلى الاختباء كعادتي في أي مكان أرى فرصة في الوصول إليه وأماناً من كشفه لسري ومعرفة خبري.
رأيته عائداً وبرفقته فتاة سبحان الذي خلق وصوّر ما كان عليها من جمال فهي آية من آيات سحره وإبداعه فبهتّ من ذلك الجمال واستغربت من تصرفه, فهي كانت المرّة الأولى التي يأتي بفتاة إلى بيته. وأدركت فوراً من خلال الكلمات المتبادلة بينهما والتي كانت خالية من أيّ تكلف أو خجل وكذلك من القبل التي تبادلاها أنها معرفة قديمة وهي لا يمكن أن تكون وليدة اليوم أو البارحة!
كان بينهما انطلاق عفويّ وصارت الهمسات والقبل والضحكات ترتفع أصواتها وتقطع هدوء تلك الليلة ولم يكن منه سوى أن حملها على يديه وألقى بها على الديوانة التي كنت مختبأ تحتها. وخشيت أن يراني أحدهما لكني تأكدت من خلال ما صار بينهما من غزل وحب أنهما لا يفكران في صرصور مثلي بل هما لا يفكران في الدنيا كلّها, وكانت الديوانة تهتزّ من فوق رأسي وأحسب أنها ستهبط فوقي.
قلت لكم إنني فضوليّ للغاية ولأجل هذا الفضول خرجت من تحت الديوانة وأسرعت إلى الديوانة الأخرى المقابلة لأراقب وأرى ما يفعلانه رغم أنّي أقدّر مقولة "إنّ للبيوت أسرارها". ورأيت ما ليس بمقدوري الكشف عنه وفيما أنا أسمع منهما ما أسمع وأرى ما أرى تحرّكت مشاعري وقلت في نفسي: هل أنا مجنون لم أفكر لغاية هذا اليوم في البحث عن صديقة أو زوجة تدخل بعض الأنس والفرح إلى حياتي؟ وكلّما كانا يزيدان غزلا كنت أزداد تحرّقاً وكمداً وغيظاً. فكنت كالذي ينطبق عليه المثل القائل: "شمّ ولا تذوق" لقد فكّرتُ جدّياً بأن أكسر طوق عزلتي هذه وأخرج إلى العالم الآخر فالعيش في هذا السجن الانفرادي لم يعد يروق لي خاصّة بعد الذي شاهدته وسمعته من صاحبي وصديقته في هذه الليلة.
لكن سألت نفسي: وأين يمكن لي أن أرى صرصورة؟ وهل يلزم أن تكون جميلة مثل هذه الفتاة؟ أظنّ أن المهم أن أعثر على واحدة أية واحدة تخفّف عني شعوري بالوحدة وتمنحني بعض الحب. نسيت التفكير في المبيدات الحشرية وغابت عن بالي خطورة اكتشاف أمري وحتى جوعي لم أعد أفكّر به وصار كل فكري وعقلي عند صرصورة تشاطرني الحياة على السراء والضرّاء في هذه الدار الواسعة والجميلة والهادئة. وكان كلّما زادت حرارة عبارات الغزل المتبادلة بينهما أزداد حزناً على وضعي وبؤسي الذي اكتشفته اليوم ولم أحسّ به من قبل إذ كان همّي الوحيد قبل اليوم هو العثور على ما يملأ معدتي دون أي شيء آخر!
إنّ عيشي في صومعة وحدانيتي وحياة الرهبنة هذه لم تعد تناسبني أو تعجبني فقد أدركتُ من خلال مشاهداتي بأن شيئاً جميلا ومريحاً يجري تبادله بينهما وإلا فلماذا هذه الضحكات الممزوجة بالفرح الذي لا حدود له؟ وكيف بي لم أفكر في هذا قبل اليوم؟ إن ما رأيته دفعني إلى الغيرة في أن أفعل مثل صاحبي وحيث لا أحد أفضل من أحد! وكنت أراقبهما بدقّة علّني أتعلّم منهما شيئاً وأعتقد أنني تعلّمت منهما أشياء كثيرة قد أقوم بتطبيقها مع فتاة أحلامي المنتظرة. أجل إني صرصور على قدّ الحال ولكن لي (أنا الآخر) طموحي ولي أحاسيسي ومشاعري وعواطفي.
اغتنمتُ فرصة غيابهما في قبلة طويلة فأخرجت رأسي أكثر من تحت الديوانة لأرى أفضل فرأيت منظراً يحرّك الجماد ويبعث الحياة في الرماد, مما رفع ضغط دمي وأنا أتأمل ولم أعد أحتمل أكثر من هذا فما كان منّي إلاّ أن توجّهتُ إلى الشباك وهو منفذي الآمن للخروج من البيت والدخول إليه وهمت على وجهي أبحث عن صرصورة جميلة يكون لها بعض حسن هذه الفتاة التي جاء بها صاحب البيت. وغداً سأروي لكم ما حصل معي في بحثي عن رفيقة تشاركني وحدتي باااااي
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 01:17 PM
---
نتمنى أن يوفق في الحصول على حبيبة القلب هذه يا عزيزتي سميرة حقا قبل "الحبّ يذلّ"
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
فرح الصرصورفلم يجلب له صاحب البيت مبيدا الحشرات !!وكل همه الآن العثورعلى حبيبة القلب!!
georgette
20-05-2006, 01:18 PM
يوميّات صرصور
اليوم الثاني
كان يوم أمس يوماً تاريخيّاً في حياتي، إذ لم أحصل على ما حصلتُ عليه من طعام في هذا البيت منذ شهر تقريباً وهذا ما شجّعني على اغتنام الفرصة في الذهاب إلى بعض أبناء جلدتي من الصراصير لدعوتهم للقدوم إلى طرفي للتنعّم بخيرات صاحب البيت المهمل, وقرّرتُ أن أخفي نفسي خلف الباب لدى قدومه ومن ثمّ أنسلّ خارجاً من دون أن يراني, وفعلا نجحتُ في مغادرة البيت فذهبتُ إلى بعض أصدقائي الصراصير وحدّثتهم عن النعيم الذي أعيش فيه في هذه الدار مع هذا الرجل القذر والسكر?ي.
قلتُ لهم إنّ ما يتركه في صحونه نصف المملوءة يكفي قوت عشراتٍ من جماعتنا فهيّا إليّ ولن تندموا بل ستشكرونني على صنيعي الحسن هذا معكم طول العمر. ولم أعثر سوى على ثلاثة منهم فقدتهم إلى الدار وتسلقنا الجدار الذي لم يكن مرتفعاً وحيث كان الشباك نصف مفتوح فدخلت أولاً ومن ثمّ لحقوا بي وعندما أصبحنا داخلا. رجوتهم أن يلتزموا الحذر كلّ الحذر, ونبّهتم من أنّه لدى غزونا المطبخ وبلوغنا مرحلة الشّبع ممّا فيه من فتات وبقايا أطعمة ملقاة هنا وهناك علينا ألاّ نترك خلفنا أية آثار تشير إلينا, وحدّثتهم عن صاحب البيت السابق الذي كنتُ أعيش في داره إذ عثر على آثار لنا فما كان منه سوى أن ابتاع مبيداً حشريّا أظنّه من نوع"بيف باف" ولم ينج من جمعنا كلّه سواي حيث مات جميع رفاقي في تلك العملية التي استخدمها ولم يكن بدّ منذ ذلك اليوم من مغادرتي لبيته خوفاً على حياتي.
دخلنا وكنّا أربعة صراصير كما أسلفتُ وبدأت بتعريف الضيوف الجدد على أقسام البيت وتوزّع الغرف وخاصة غرفة المطبخ ومكان تواجدها لأنها كانت مكاننا المفضّل على أيّة حال. وشرحت لهم بالتفصيل المملّ كل ما يهمّهم من طباع صاحب البيت وعاداته وأوقات فراغه وكيفيّة تنقّله في الغرف وساعات مغادرته البيت والرجوع إليه وغيرها من التفصيلات الضروريّة لكي يعرف الجميع كيف سيتمّ التعامل مع صاحب البيت من دون أن يكتشف أمرنا فيسعى إلى القضاء علينا.
قلتُ لهم إنّ صاحب البيت من الأشخاص المدمنين على شرب الخمر وهو متى أكثر من شربه للخمر لا يعود يستطيع ترتيب المطبخ ورفع الأطعمة المتبقيّة ووضعها في البرّاد أو إلقائها في سلّة القمامة وهنا ستكون فرصتنا مواتية.
كانت معداتنا خاوية وكنّا بانتظار أن يذهب إلى النوم لنبدأ رحلة بحثنا عن الفضلات والبقايا في زوايا المطبخ (حبيب قلبنا) وكانت مفاجأتنا كبيرة حين دخلنا المطبخ بعد مغادرته إياه لنجد أنّ كلّ شيء مرتّب وأنّه لا صحون على الطاولة ولا فضلات أكل ملقاة أو منسيّة في مكان ما, فقلت لهم: يبدو أنّه لم "يتسمّم مشروباً" هذه الليلة وهذا من سوء حظّكم!
رمقني الضيوف بنظرات غضب لجوعهم الشديد وقالوا لي: هل جئتَ بنا إلى هنا لتسخر منّا؟ فقلتُ لا والله إنّي مثلكم جائع ولا أعرف ما الذي حصل له فهو اليوم غير البارحة! غير أنّ كلامي هذا لم يكسر حدّة الغضب والحنق عندهم بل حاولوا الاعتداء بالضّرب عليّ, ونظراً لكوني من سكان البيت المقيمين فيه فإنه كانت لي معرفة أكثر منهم بأمكنة تواجد العدّة والأغراض المستخدمة في المطبخ فأصبت أحهم بضربة كانت كفيلة بأن توقعه في صحن مملوء بالماء وبأن تبعد عنّي شرّ البقيّة, أدركنا مدى حماقتنا وجهلنا إذ كيف نتخانق ونحن كلّ منّا بحاجة إلى الآخر إضافة إلى أننا أبناء قوم واحد.
حاولنا أن نتدارك أخطاءنا ونسعى لإنقاذ صاحبنا الصرصور من وسط الماء لكنّنا لم نتمكّن وخشي كلّ منّا على نفسه من أن يلقى نفس المصير فأسرعنا إلى الاختباء والابتعاد عن المطبخ. كنتُ ألاحظ نظراتهم الحاقدة وهم يصوّبونها تجاهي وكأنهم يريدون القول بأني فعلت بهم هذا عن قصد وتعمّد. أقسمتُ لهم اليمين المعظّم بأن هذا لم يكن قصدي وأنّي شئت لهم الخير ولم أكن عالماً بأن مثل هذا سيحصل.
أدركتُ أنه في صباح اليوم التالي ومتى عرف صاحب البيت بالأمر ورأى الصرصور, فإن أمراً وخيماً سيحصل لنا جميعاً ولم أستطع طوال تلك الليلة النوم وبتّ على نار إلى أن يحين الفجر ويغادر صاحب البيت الدار ونتحقّق ممّا جرى في المطبخ. دقّ جرس المنبّه الذي يوقظ صاحب الدار فطلبت من الصراصير أن يكتموا أنفاسهم وألآ يحاولوا إثارة أية حركة قد تلفت إنتباهه إلينا.
غادر صاحب الدار قاصداً عمله فخرجنا مذعورين متوجّهين إلى المطبخ لنرى ما الذي جرى! أسرعنا على الفور إلى صحن الماء الذي غرق فيه صديقنا الصرصور فلم نجده فيه, حاولنا جاهدين البحث عنه في كل مكان فوجدناه ميتاً ملقى به في تنكة الزبالة وهنا زاد خوفي وأدركت أن الخطر بات يتهددنا وخشيت من تكرار ما حصل لي في البيت السابق وقلت سلمتَ يا صرصور في تلك المرة وقد لا تسلم في هذه المرّة وحيث قيل :لا تسلم الجرّة في كلّ مرّة".
عندما عرف الصراصير بما جرى وتذكّروا ما رويته لهم عن البيت السابق الذي كنت أقيم فيه وكيف أن صاحب البيت قضى على جميع الصراصير بمادة اشتراها من الصيدليّة! زاد هلعهم وقرّروا مغادرة البيت على الرغم من محاولات تطميني لهم.
غادر الصرصوران الضيفان المنزل وبقيت لوحدي وأنا مثل ريشة في مهبّ الرّيح. أسأل نفسي مليون سؤال ما الذي سيجري معي هنا؟ وهل سيعود صاحب البيت وفي يده علبة "البيف باف" الهالكة والتي يقشعرّ بدني لدى رؤيتي لها؟ هل أغادر مثلهم وأرتاح من جميع هذه الأسئلة المحيّرة التي لم أجد إجابةً عن أيّ منها؟ ثم إلى أين أتوجّه وأنا لا أعرف أمكنة وبيوتات أخرى؟ وقلت ربما أخرج ويعثر بي أحد الناس فيدوس عليّ بقدمه فيسحقني وتكون نهاية أحلامي وحياتي!
قرّرت بعد طول تفكير أن أظلّ هنا على الأقلّ لأرى ماذا سيكون ردّ فعل صاحب البيت لدى قدومه اليوم من العمل وتوكّلتُ على الله قائلا: لن يصيبني أكثر ممّا كتب لي, فعليّ الصبر والانتظار وهذا ما كان.
وغداً يوميّة أخرى من يومياتي بااااي
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 01:19 PM
لك كل الشكر يا سميرة على مرورك الجميل على نصوص وحلقات الصرصور ويومياته فهي بحق أثارت انتباهي وتشوّقي إلى معرفة نهايتها
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
إننا بدأنا نخاف على الصرصورمن مبيد الحشرات!!!! اندمجنا مع القصة أبدعت لو كان عندنا مخرج لعملها مسلسلا تلفزيونيا للأطفال برافوفؤاد.
georgette
20-05-2006, 01:21 PM
يوميّات صرصور
حلقات يوميات صرصر من تاليف فؤاد زاديكي
اليوم الأول
كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً, أفقتُ من نومي وكالمعتاد أسرعتُ إلى ما كان من الصحون ملقىً على طاولة المطبخ, لم يعبأ بها صاحب البيت, وتكاسل في أن يجمعها ويضعها في الجلاّية والتي هي من ألدّ أعدائي في هذا البيت.
كنتُ جائعاً جداً وشكرتُ صاحب البيت على حسن ضيافته العفويّة هذه والتي كانت وليدة كسل وخمول منه وعدم إدراك بأن تركه للأواني والأطباق هكذا عرضة لعمليات السطو والسلب والنهب التي نقوم بها نحن معشر الحشرات و حيث أنّ روحَ قلبنا هو في أن يكون صاحب الدار من هذا النوع الذي يترك صحونه في الهواء الطلق وهي نصف مملوءة بالأطعمة التي نحاول جاهدين في توفير بعضها والحصول عليها. إنّها فرصتنا الحبيبة التي تجعلنا نملأ كروشنا من هذه الوجبات الدسمة التي نحرم منها على الأغلب ولا ينالها سوى البشر الذين يسخرون من قذارتنا وهناك البعض منهم أكثر قذارة منّا نحن معشر الحشرات, هذا العالم الجميل من التطفّل والاعتماد على إهمال الآخرين وتراخيهم في كسب الرزق ممّا بين إيديهم.
كنتُ أعرف أن صاحبي (عفواً) صاحب الدار يستيقظ من نومه كلّ يوم في تمام الساعة السادسة فيمضي ربع ساعة في الحمّام وربع ساعة في المطبخ وربع ساعة في ارتداء ثيابه ويبقى له ربع ساعة يسافر فيها إلى عمله. قلتُ في نفسي إنّ الوقت كافٍ لأنّ أملأ معدتي ممّا هو موجود على الطاولة ولذا أسرعتُ جرياً (لأن السير على مهل ليس من طباعي وخاصة متى كان الأمر متعلّقاً بوليمة مثل هذه) وأنهيتُ مهمّة نسف ما كان من بقايا في المطبخ وعدتُ إلى مخبئي أراقب من خلاله صاحب البيت لأرى فيما إذا بدت عليه تغيّرات من نوعٍ ما لكي أحاول التأقلم معها في اليوم التالي, أو فيما يلي ذلك من أيام.
أفاق من نومه وكان مكان مخبئي بجوار غرفة نومه حيث سمعت صوت الجرس الذي يوقظه من نومه يرنّ مثل كلّ يوم فقلتُ: الحمد لله هو لن يراني وسينهي كل ما يقوم به من أعمال روتينيّة وينصرف إلى عمله, وهو رجل وحيد ليست له زوجةٌ ولا أولاد وهذا ما كان يزيد من سروري لأنه و بعد أن يذهب إلى عمله أبدأ باللعب واللهو هنا وهناك كيفما يحلو لي دون أن يعكّر صفو هدوئي ولعبي أيّ إنسان.
راقبته فرأيته ينهي كلّ أعمال الروتين اليومي ثم ينصرف ويقفل وراءه الباب, فأشعر بالأمن والاستقرار وأحسّ بزوال الخطر عني فلو عرف بوجودي فقد يسعى إلى القضاء عليّ بشراء مادة قاتلة أو من خلال مسعى يراه لكي يوقع بي, وأنا أختار مركز القوى الضروري وهوالتخفّي وراء بعض الخزانات الثقيلة التي لن يكون بإمكانه تحريكها من موضعها بمفرده إلاّ متى تمّت له الاستعانة بشخص آخر أو حتى أشخاص. وهنا في هذا المكان الضيّق والذي يصعبُ الوصولُ إليه كان سكني الآمن بعيداً عن يد صاحب البيت التي لو طالتني لقامت بسحقي وإنهاء أمري! والآن أترككم إلى يوم غدٍ لأحكي لكم سرد يوميّاتي في هذا الدار الذي أحببته جداً لأنه يوفّر لي الأمن والأمان والطعام الدّسم الذي يجعلني منه شبعان. فانتظروني يا أصدقائي وإلى اللقاء إلى الغد باااااي.
التوقيع
صرصور
georgette
20-05-2006, 01:22 PM
شكراً لك يا سميرة وستكون للصرصور مغامرات عظيمة كما سنرى يعجز حتى الإنسان القيام بها!
fouadzadieke
--------------------------------------------------------------------------------
فؤاد الغالي: لقد عشنا مع صرصورنا هذا فرحته وخوفه وفي القصة معان كثيرة شطارة القاريء تستخلص ا لمعنى الموجود في القصة سأتابع حلقات مسلسل صرصورنا هذا!!!
سميرة
Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd