kestantin Chamoun
26-07-2011, 03:12 PM
26-7-2011 6:30:57
http://www.alarabonline.org/empty.gif
«نمور الأناضول» ليسوا نموذجا يحتذى
نقولا ناصر*
بغض النظر عن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية أو التركية من الترويج لـ"النموذج التركي" للتغيير والإصلاح والتنمية في الوطن العربي، فإن "نمور الأناضول" الاقتصاديين الذين قادوا انشقاق حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان عن الحركة الإسلامية الأقرب إلى جماعات "الإخوان المسلمون" العربية التي أسسها وقادها الزعيم التركي الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان، ثم أوصلوا هذا الحزب إلى سدة الحكم وقيادة تركيا منذ عام 2002 قد عززوا دورهم كنخبة اقتصادية- سياسية تقود اليوم النسخة التركية من نموذج "العولمة والخوصصة" الأمريكي الذي فجر فشله في التنمية وخلق الوظائف والعدالة الاجتماعية الغضب الشعبي العارم الذي يجتاح العواصم العربية حاليا.
لذلك فإن تسويق نموذج "نمور الأناضول" أو "أسود الأناضول" أو "نمور تركيا" أو "النمور الأتراك" كما يوصفون في تركيا وخارجها كحل للأزمات الاقتصادية- السياسية التي فجرها الغضب الشعبي العربي الراهن ينطوي على تناقض صارخ؛ فالنسخة التركية من نموذج التنمية الأمريكي لا يمكنها أن تكون حلا للفشل الذريع الذي تمخض عن محاولة فرض "النموذج الأصل" الأمريكي على الدول العربية طوال عقود من الزمن عبر "وصفات وشروط" البنك وصندوق النقد الدوليين.
إن الترويج الأمريكي للنموذج التركي عربيا يتجاهل تماما حقيقة أن الأسباب الاقتصادية الناجمة عن فشل "النموذج الأصل" الأمريكي في الدول العربية هي المسؤول الأول والأخير عن الأزمات الاقتصادية- السياسية التي فجرها الغضب الشعبي العربي الحالي، والمسؤولة كذلك عن انفجار هذا الغضب.
ولن تحجب هذه الحقيقة الحملة الإعلامية المركزة على تحويل أنظار الجماهير العربية الغاضبة بعيدا عنها إلى مظالم شعبية مشروعة ناجمة عن منظومة الاستبداد السياسي والتغول الأمني ومصادرة الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية للمواطنين العرب، وهي المنظومة ذاتها التي كان فرضها شرطا مسبقا لفرض نموذج التنمية في نسخته الأمريكية الأصلية على الشعوب العربية في أقطارها كافة، فقد كان هذا النموذج الأمريكي، وما زال، هو الحاضنة الطبيعية لاستمرار منظومة الاستبداد.
لأسباب مفهومة، لكنها مع ذلك بحاجة إلى مزيد من جهود المفكرين والمحللين العرب في توضيحها على المستوى الشعبي، انضمت حركات الإسلام السياسي العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتوابعها الأوروبية بخاصة في تسويق النموذج السياسي- الاقتصادي التركي كقدوة منافسة إقليميا للنموذج الإيراني، بتركيز إعلامي غربي لافت للنظر على توجيه الوعي الجمعي الشعبي العربي بعيدا عن تجاوبه العفوي مع نموذج عربي وطني أصيل للتغيير والإصلاح في مصر وتونس ومحاصرة الخيارات الشعبية العربية بين بديلين تركي وإيراني لا ثالث عربيا لهما، مع تفضيل لا تردد فيه للنموذج التركي باعتباره جزءا عضويا من المنظومة الاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية الغربية التي تقودها واشنطن، مما ينقل الجدل حول النموذج الهادي للملايين العربية الغاضبة التي تعج بها الشوارع العربية من أجل التغيير والإصلاح من جدل على مستوى النخب إلى جدل على المستوى الشعبي.
والنموذج التركي مثل النموذج الإيراني هو خلاصة تجربة وطنية في كل من البلدين اللذين يتمتعا بالسيادة ووحدة الأراضي الإقليمية ولا يمكن استنساخهما وإسقاطهما تعسفا على وضع عربي سليم يمتلك وحدته القومية وسيادته، فكم بالحري إذا كان هذه الوضع مجزأ ويخضع لأكثر من احتلال أجنبي بينما الإرادة الحرة لكيانات التجزئة السياسية فيه مقيدة بالهيمنة الأجنبية على قرارها الوطني.
إن محاولة فرض نموذج من الخارج على هذه الوضع يستهدف بصورة واضحة وأد تطور نموذج عربي يكون ابنا شرعيا لتجربة عربية أصيلة خالصة في المهد، مثل براعم النموذج العربي للتغيير والإصلاح والتنمية التي بدأت تتفتح مع ثورة 25 يناير/ كانون الأول في مصر. وقد تنبه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة د. حسن نافعة لخطورة فرض نماذج أجنبية كبديل لأي نموذج بدأت التجربة العربية تفرزه على أرض الواقع فعلا عندما قال في اسطنبول بتركيا مؤخرا إن "النموذجين التركي والإيراني لا يمكن استيرادهما إلى مصر أو لأي بلد عربي آخر"- على ذمة يومية "المصري اليوم" أوائل الشهر الجاري.
لكن واشنطن تكرر حث ملايين المحتجين العرب في الشوارع على اعتبار تركيا نموذجا لهم كدولة مسلمة تمارس الرأسمالية وديموقراطيتها بنجاح. غير أن واشنطن لا تحرص على أن تضيف بأن النموذج التركي هو نموذج يدور في إطار حلف الناتو وفي فلك تحالف استراتيجي أمريكي- تركي وبأن أنقرة هي أيضا "الدعامة الأكثر حيوية للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة"، كما كتب والي نصر، أستاذ السياسات الدولية بجامعة تفتس ومؤلف كتاب "قوى الثروة: صعود الطبقة الوسطى المسلمة الجديدة وما تعنيه لعالمنا"، الذي استنتج في مقال له بأن "الربيع العربي" قرب بين تركيا وبين الولايات المتحدة ودفع واشنطن إلى "تشجيع" أنقرة على التدخل حيث النفوذ الأمريكي أقل ويمكنه أن يكون أكثر فعالية فقط إذا نسقت الولايات المتحدة تنسيقا أوثق مع تركيا كما هو الحال في ليبيا وسوريا "بلومبيرغ في 13/ 7/ 2011".
وقد وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أثناء وجودها في اسطنبول في السادس عشر من الشهر الجاري العلاقات الأمريكية- التركية بأنها "استراتيجية جدا" وقالت إن البلدين قد "تجاوزا كونهما حليفين استراتيجيين، إذ توجد الآن شراكة معاصرة" بينهما. وقال السفير الأمريكي في تركيا فرانسيس ريكياردون مؤخرا إن البلدين يشتركان في وجهات النظر ذاتها بالنسبة "للعمل العسكري في ليبيا" مضيفا أن لتركيا "دور فريد من نوعه في المنطقة" لأسباب تاريخية وثقافية، موحيا بأن نموذج التعاون الأمريكي- التركي في إطار حلف الناتو في ليبيا يمكن أن يتكرر في سوريا أو في غيرها من الدول العربية.
وقد أثبتت المواقف التركية من ليبيا وسوريا وعدم مشاركتها في أسطول الحرية- 2 لغزة ما أكد عليه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، فيليب جوردون، في جلسة استماع بمجلس النواب عام 2009 بأن أي فكرة عن كون "تركيا قد أدارت ظهرها لتعاونها الوثيق طول عقود من الزمن مع الناتو والولايات المتحدة وأوروبا هي فكرة غير صحيحة"، كما نسبت إليه وكالة أنباء الأناضول القول.
وليس لدى واشنطن أي تحفظ في أن يكون "التدخل التركي" في سوريا عسكريا لأسباب إنسانية في الظاهر مثل حماية المدنيين، مثلما كان التدخل العسكري الفرنسي- البريطاني في ليبيا. وفي مقال له نشرته صحيفة "حريت" في العاشر من تموز/ يوليو الجاري لم يستبعد المحلل التركي سونر كاجابتاي احتمالا كهذا، فتركيا "يمكن.. أن ترسل قوات إلى داخل سوريا. هل قلت إن تركيا قد تغزو سوريا؟ نعم. وأي علبة جراثيم سيفتحها تدخل كهذا". وبعد أن اعتبر وقوع "مجازر في مدن كبيرة" مصحوبة بـ"انهيار للقانون والنظام" عاملين لا يستطيع حزب العدالة والتنمية التركي "تحمل تجاهلهما" في سوريا مما "سيجعل التدخل حتميا تقريبا"، أورد كاجابتاي عدة فوائد داخلية تجنيها تركيا من تدخل كهذا، منها أن "الحرب ستوحد المعارضة الداخلية خلف قيادة حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء التركي أردوغان"، كما أن "حملة عسكرية ناجحة" في سوريا ستعيد تمكين الجيش العلماني التركي الذي فقد ماء الوجه في السنوات الأخيرة لضلوعه المفترض في مؤامرة انقلاب ضد حزب العدالة والتنمية"، وفي مجال السياسة الخارجية، سوف "يثور تقريبا الأجندة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية" ليزيد التنافس التركي- الايراني في العراق ويزيد في تعقيد الوضع العراقي و"يجدد شباب العلاقات التركية- الأمريكية".
والوضع على الحدود السورية- التركية اليوم وصفه بوراك بكديل في صحيفة "حريت" في الثلاثين من الشهر الماضي: "اليوم، تذكر الحدود التركية- السورية المرء بهذه الحدود في سنة 1998 عندما هددت تركيا سوريا بالحرب".
وعلى الأرجح أن هذا النموذج للعلاقات الثنائية ليس هو النموذج التركي الذي يمكن أن ينصح العرب بالاقتداء به، وإذا استمر "نمور الأناضول" في التعامل مع الأزمة السورية كما يتعاملون مع صفقة تجارية، لينقلبوا "فجأة" على العلاقات الاستراتيجية التي أقاموها مع سوريا كما انقلبوا فجأة على علاقاتاهم المماثلة مع ليبيا، فإن من المحتمل جدا أن تتحول سوريا إلى مقبرة عربية لأي علاقات عربية- تركية نموذجية في المستقبل، وهذا بالتأكيد هدف أمريكي- أسرائيلي وليس هدفا عربيا أو تركيا يخدم المصالح الحيوية المشتركة لأمتين يجمع بينهما تاريخ عمره أطول كثيرا من عمر الخلافة العثمانية.
صحيح أن مسارعة الجيش العربي السوري إلى إبطال الذريعة "الإنسانية" للاجئين السوريين إلى تركيا وتأمين الحدود المشتركة مع تركيا ضد احتمال إنشاء "منطقة عازلة" تركية لـ"حماية المدنيين" داخل الجانب السوري من هذه الحدود تداولت وسائل الإعلام الحديث عنها قبل تطهير منطقة جسر الشغور من العصابات المسلحة المعادية للنظام قد أحبط أي احتمال كهذا في الوقت الراهن، فإن وجود "نمور الأناضول" في موقع صنع القرار التركي لا يمكن أن يكون مصدر اطمئنان سوري يدعو إلى الاسترخاء في الحذر، فأجندة هؤلاء اقتصادية لا إسلامية، و"حزب أردوغان.. حزب قومي تركي بامتياز، وليس حزبا إسلاميا" و"لا يشبه حزبا إسلاميا واحدا في الأقطار العربية، لا من الإخوان، ولا من غيرهم"، كما كتب المحلل السياسي المصري عبد الحليم قنديل.
فالنموذج التركي هو نموذج للعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة التي أصبح الرأي العام العربي فيها في عهد إدارة باراك أوباما الآن أسوأ مما كان عليه خلال السنة الأخيرة من عهد سلفه جورج بوش الابن، حسب استطلاعين حديثين للرأي أجراهما معهد جيمس زغبي العربي الأمريكي ومركز بيو للأبحاث، مما عمق العداء للولايات المتحدة في الشارع العربي نتيجة الانحياز الأمريكي لدولة الاحتلال الإسرائيلي في صراعها مع العرب والاحتلال الأمريكي للعراق بخاصة. وكان الغضب الشعبي العربي قد انفجر في الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة ونجح في الإطاحة بنظامين حليفين لها. ومن المنطقي أن أي نموذج، تركي أو غير تركي، يكون نسخة من النموذج السياسي- الاقتصادي الأمريكي لن يلقى الترحيب ولن يكتب له النجاح عربيا.
غير أن النموذج الاقتصادي لـ"نمور الأناضول" يظل في حد ذاته سببا جوهريا لرفض هذا النموذج عربيا. فحزب العدالة والتنمية التركي يصف نفسه بأنه حزب ديمقراطي محافظ، ويصفه آخرون بحزب ليبرالي طبق إصلاحات "جميعها ليبرالية، وليست إصلاحات إسلامية"، كما قال تقرير للفايننشال تايمز البريطانية في الثامن عشر من الشهر الجاري، مضيفا أن إصلاحاته أضفت مسحة إسلامية على الدولة لكنها قادت إلى تقليص نفوذ الإسلاميين وصعود "البورجوازية".
فقد كان حزب العدالة والتنمية ينفذ سياسات مثيرة للجدل أملاها صندوق النقد الدولي وتعطي أولية لمصالح النخب الرأسمالية، مما قاد إلى فشل الحزب في تطبيق أي سياسة لها علاقة بالعدالة الاجتماعية، وقاد إلى اتساع المعارضة الشعبية لها، مما دفع الحزب الحاكم في آذار/ مارس من العام الماضي إلى عدم توقيع اتفاق كان ينتظر التوقيع فقط مع صندوق النقد الدولي، لكن سياسات الصندوق ظلت سارية حتى الآن.
وقد تمخضت عن هذا النموذج التركي لـ"نمور الأناضول" النتائج ذاتها التي قادت إلى انفجار الغضب الشعبي العربي، وبخاصة انعدام العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية بين المناطق الجغرافية والطبقات الاجتماعية، واتساع الفجوة بين النخبة الاقتصادية- السياسية وبين الأكثرية الساحقة من الأتراك، وظهور شريحة من رجال الأعمال تفوقت في ثرائها ونفوذها على العائلات التجارية والصناعية الأعرق والأقدم، وتدرك هذه الشريحة أن بقاءها ومصالحها مرتبطة بالعولمة الأمريكية اقتصاديا وسياسيا، لذلك فإنها ستبقى حريصة على أن يبقى "هذا" النموذج التركي ساندا ظهره إلى العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلى أن يستمر في فلك حلف شمال الأطلسي "ناتو". ومن المؤكد أن هذه النسخة التركية من النموذج الأمريكي للمستقبل العربي ليست صالحة للاستيراد عربيا من أجل التنمية والتغيير والإصلاح.
وقد بلغ انسياق حزب "نمور الأناضول" مع سياسات الخوصصة حد البدء في برنامج هو الأكبر في العالم لبيع المياه، أهم الثروات الوطنية الطبيعية في تركيا، إلى القطاع الخاص. وعلى هامش منتدى المياه العالمي الخامس الذي استضافته تركيا عام 2009 قال طاهر أونجور عضو فرع اسطنبول لغرفة مهندسي الجيولوجيا إن حكومة حزب العدالة والتنمية لا تريد فقط بيع إمدادات مياه الشرب إلى القطاع الخاص، بل لديها خطط لبيع موارد المياه ذاتها.
وسبق لوزير الطاقة والموارد الطبيعية حلمي جولر أن أعلن عن بيع الأنهار والبحيرات إلى القطاع الخاص وسمح لهذا القطاع ببناء السدود عليها وفق اعتبارات تجارية محضة لا تعطي أدنى اعتبار لمصالح دول المصب الحيوية في سوريا والعراق مما يهدد بحروب مياه إقليمية يحذر الحكماء من اندلاعها إذا ترك القرار لنمور العولمة الأمريكية في الأناضول أو في غيرها. وقد حذر رئيس اتحاد الفلاحين الأتراك عبد الله آيسو من النتائج "الكارثية" لخوصصة المياه التركية على الري الزراعي والمزارعين ومجتمعاتهم.
وتهدف حكومة "نمور الأناضول" إلى جمع أكثر من تسعة مليارات دولار أمريكي من بيع القطاع العام والبنى التحتية إلى القطاع الخاص، بما يعادل حوالي "15 بالمئة" من إجمالي الدخل من الخوصصة خلال السنوات الخمسة وعشرين الماضية. غير أن توجيه الاقتصاد نحو التصدير كهدف له الأولوية على تلبية احتياجات المستهلك الوطني ربما يكون من أهم المؤشرات الى النموذج التركي الذي يراد لـ"الربيع العربي" الاقتداء به. فقد ارتفعت حصة الصادرات من إجمالي الناتج المحلي التركي من ثلاثة في المئة عام 1980 الى أكثر من 25 بالمئة حاليا، وارتفع مجموع قيمة الصادرات من حوالي ثلاثة مليارات دولار أمريكي عام 1980 إلى عشرين مليار دولار بعد عشر سنوات إلى أكثر من 100 مليار دولار حاليا.
ألم يكن مثل هذا النموذج الاقتصادي- السياسي هو الذي فجر موجة الغضب الشعبي العربي المستمرة؟!.
_________________
* كاتب عربي من فلسطين
- nicolanasser@yahoo.com
http://www.alarabonline.org/empty.gif
«نمور الأناضول» ليسوا نموذجا يحتذى
نقولا ناصر*
بغض النظر عن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية أو التركية من الترويج لـ"النموذج التركي" للتغيير والإصلاح والتنمية في الوطن العربي، فإن "نمور الأناضول" الاقتصاديين الذين قادوا انشقاق حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان عن الحركة الإسلامية الأقرب إلى جماعات "الإخوان المسلمون" العربية التي أسسها وقادها الزعيم التركي الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان، ثم أوصلوا هذا الحزب إلى سدة الحكم وقيادة تركيا منذ عام 2002 قد عززوا دورهم كنخبة اقتصادية- سياسية تقود اليوم النسخة التركية من نموذج "العولمة والخوصصة" الأمريكي الذي فجر فشله في التنمية وخلق الوظائف والعدالة الاجتماعية الغضب الشعبي العارم الذي يجتاح العواصم العربية حاليا.
لذلك فإن تسويق نموذج "نمور الأناضول" أو "أسود الأناضول" أو "نمور تركيا" أو "النمور الأتراك" كما يوصفون في تركيا وخارجها كحل للأزمات الاقتصادية- السياسية التي فجرها الغضب الشعبي العربي الراهن ينطوي على تناقض صارخ؛ فالنسخة التركية من نموذج التنمية الأمريكي لا يمكنها أن تكون حلا للفشل الذريع الذي تمخض عن محاولة فرض "النموذج الأصل" الأمريكي على الدول العربية طوال عقود من الزمن عبر "وصفات وشروط" البنك وصندوق النقد الدوليين.
إن الترويج الأمريكي للنموذج التركي عربيا يتجاهل تماما حقيقة أن الأسباب الاقتصادية الناجمة عن فشل "النموذج الأصل" الأمريكي في الدول العربية هي المسؤول الأول والأخير عن الأزمات الاقتصادية- السياسية التي فجرها الغضب الشعبي العربي الحالي، والمسؤولة كذلك عن انفجار هذا الغضب.
ولن تحجب هذه الحقيقة الحملة الإعلامية المركزة على تحويل أنظار الجماهير العربية الغاضبة بعيدا عنها إلى مظالم شعبية مشروعة ناجمة عن منظومة الاستبداد السياسي والتغول الأمني ومصادرة الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية للمواطنين العرب، وهي المنظومة ذاتها التي كان فرضها شرطا مسبقا لفرض نموذج التنمية في نسخته الأمريكية الأصلية على الشعوب العربية في أقطارها كافة، فقد كان هذا النموذج الأمريكي، وما زال، هو الحاضنة الطبيعية لاستمرار منظومة الاستبداد.
لأسباب مفهومة، لكنها مع ذلك بحاجة إلى مزيد من جهود المفكرين والمحللين العرب في توضيحها على المستوى الشعبي، انضمت حركات الإسلام السياسي العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتوابعها الأوروبية بخاصة في تسويق النموذج السياسي- الاقتصادي التركي كقدوة منافسة إقليميا للنموذج الإيراني، بتركيز إعلامي غربي لافت للنظر على توجيه الوعي الجمعي الشعبي العربي بعيدا عن تجاوبه العفوي مع نموذج عربي وطني أصيل للتغيير والإصلاح في مصر وتونس ومحاصرة الخيارات الشعبية العربية بين بديلين تركي وإيراني لا ثالث عربيا لهما، مع تفضيل لا تردد فيه للنموذج التركي باعتباره جزءا عضويا من المنظومة الاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية الغربية التي تقودها واشنطن، مما ينقل الجدل حول النموذج الهادي للملايين العربية الغاضبة التي تعج بها الشوارع العربية من أجل التغيير والإصلاح من جدل على مستوى النخب إلى جدل على المستوى الشعبي.
والنموذج التركي مثل النموذج الإيراني هو خلاصة تجربة وطنية في كل من البلدين اللذين يتمتعا بالسيادة ووحدة الأراضي الإقليمية ولا يمكن استنساخهما وإسقاطهما تعسفا على وضع عربي سليم يمتلك وحدته القومية وسيادته، فكم بالحري إذا كان هذه الوضع مجزأ ويخضع لأكثر من احتلال أجنبي بينما الإرادة الحرة لكيانات التجزئة السياسية فيه مقيدة بالهيمنة الأجنبية على قرارها الوطني.
إن محاولة فرض نموذج من الخارج على هذه الوضع يستهدف بصورة واضحة وأد تطور نموذج عربي يكون ابنا شرعيا لتجربة عربية أصيلة خالصة في المهد، مثل براعم النموذج العربي للتغيير والإصلاح والتنمية التي بدأت تتفتح مع ثورة 25 يناير/ كانون الأول في مصر. وقد تنبه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة د. حسن نافعة لخطورة فرض نماذج أجنبية كبديل لأي نموذج بدأت التجربة العربية تفرزه على أرض الواقع فعلا عندما قال في اسطنبول بتركيا مؤخرا إن "النموذجين التركي والإيراني لا يمكن استيرادهما إلى مصر أو لأي بلد عربي آخر"- على ذمة يومية "المصري اليوم" أوائل الشهر الجاري.
لكن واشنطن تكرر حث ملايين المحتجين العرب في الشوارع على اعتبار تركيا نموذجا لهم كدولة مسلمة تمارس الرأسمالية وديموقراطيتها بنجاح. غير أن واشنطن لا تحرص على أن تضيف بأن النموذج التركي هو نموذج يدور في إطار حلف الناتو وفي فلك تحالف استراتيجي أمريكي- تركي وبأن أنقرة هي أيضا "الدعامة الأكثر حيوية للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة"، كما كتب والي نصر، أستاذ السياسات الدولية بجامعة تفتس ومؤلف كتاب "قوى الثروة: صعود الطبقة الوسطى المسلمة الجديدة وما تعنيه لعالمنا"، الذي استنتج في مقال له بأن "الربيع العربي" قرب بين تركيا وبين الولايات المتحدة ودفع واشنطن إلى "تشجيع" أنقرة على التدخل حيث النفوذ الأمريكي أقل ويمكنه أن يكون أكثر فعالية فقط إذا نسقت الولايات المتحدة تنسيقا أوثق مع تركيا كما هو الحال في ليبيا وسوريا "بلومبيرغ في 13/ 7/ 2011".
وقد وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أثناء وجودها في اسطنبول في السادس عشر من الشهر الجاري العلاقات الأمريكية- التركية بأنها "استراتيجية جدا" وقالت إن البلدين قد "تجاوزا كونهما حليفين استراتيجيين، إذ توجد الآن شراكة معاصرة" بينهما. وقال السفير الأمريكي في تركيا فرانسيس ريكياردون مؤخرا إن البلدين يشتركان في وجهات النظر ذاتها بالنسبة "للعمل العسكري في ليبيا" مضيفا أن لتركيا "دور فريد من نوعه في المنطقة" لأسباب تاريخية وثقافية، موحيا بأن نموذج التعاون الأمريكي- التركي في إطار حلف الناتو في ليبيا يمكن أن يتكرر في سوريا أو في غيرها من الدول العربية.
وقد أثبتت المواقف التركية من ليبيا وسوريا وعدم مشاركتها في أسطول الحرية- 2 لغزة ما أكد عليه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، فيليب جوردون، في جلسة استماع بمجلس النواب عام 2009 بأن أي فكرة عن كون "تركيا قد أدارت ظهرها لتعاونها الوثيق طول عقود من الزمن مع الناتو والولايات المتحدة وأوروبا هي فكرة غير صحيحة"، كما نسبت إليه وكالة أنباء الأناضول القول.
وليس لدى واشنطن أي تحفظ في أن يكون "التدخل التركي" في سوريا عسكريا لأسباب إنسانية في الظاهر مثل حماية المدنيين، مثلما كان التدخل العسكري الفرنسي- البريطاني في ليبيا. وفي مقال له نشرته صحيفة "حريت" في العاشر من تموز/ يوليو الجاري لم يستبعد المحلل التركي سونر كاجابتاي احتمالا كهذا، فتركيا "يمكن.. أن ترسل قوات إلى داخل سوريا. هل قلت إن تركيا قد تغزو سوريا؟ نعم. وأي علبة جراثيم سيفتحها تدخل كهذا". وبعد أن اعتبر وقوع "مجازر في مدن كبيرة" مصحوبة بـ"انهيار للقانون والنظام" عاملين لا يستطيع حزب العدالة والتنمية التركي "تحمل تجاهلهما" في سوريا مما "سيجعل التدخل حتميا تقريبا"، أورد كاجابتاي عدة فوائد داخلية تجنيها تركيا من تدخل كهذا، منها أن "الحرب ستوحد المعارضة الداخلية خلف قيادة حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء التركي أردوغان"، كما أن "حملة عسكرية ناجحة" في سوريا ستعيد تمكين الجيش العلماني التركي الذي فقد ماء الوجه في السنوات الأخيرة لضلوعه المفترض في مؤامرة انقلاب ضد حزب العدالة والتنمية"، وفي مجال السياسة الخارجية، سوف "يثور تقريبا الأجندة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية" ليزيد التنافس التركي- الايراني في العراق ويزيد في تعقيد الوضع العراقي و"يجدد شباب العلاقات التركية- الأمريكية".
والوضع على الحدود السورية- التركية اليوم وصفه بوراك بكديل في صحيفة "حريت" في الثلاثين من الشهر الماضي: "اليوم، تذكر الحدود التركية- السورية المرء بهذه الحدود في سنة 1998 عندما هددت تركيا سوريا بالحرب".
وعلى الأرجح أن هذا النموذج للعلاقات الثنائية ليس هو النموذج التركي الذي يمكن أن ينصح العرب بالاقتداء به، وإذا استمر "نمور الأناضول" في التعامل مع الأزمة السورية كما يتعاملون مع صفقة تجارية، لينقلبوا "فجأة" على العلاقات الاستراتيجية التي أقاموها مع سوريا كما انقلبوا فجأة على علاقاتاهم المماثلة مع ليبيا، فإن من المحتمل جدا أن تتحول سوريا إلى مقبرة عربية لأي علاقات عربية- تركية نموذجية في المستقبل، وهذا بالتأكيد هدف أمريكي- أسرائيلي وليس هدفا عربيا أو تركيا يخدم المصالح الحيوية المشتركة لأمتين يجمع بينهما تاريخ عمره أطول كثيرا من عمر الخلافة العثمانية.
صحيح أن مسارعة الجيش العربي السوري إلى إبطال الذريعة "الإنسانية" للاجئين السوريين إلى تركيا وتأمين الحدود المشتركة مع تركيا ضد احتمال إنشاء "منطقة عازلة" تركية لـ"حماية المدنيين" داخل الجانب السوري من هذه الحدود تداولت وسائل الإعلام الحديث عنها قبل تطهير منطقة جسر الشغور من العصابات المسلحة المعادية للنظام قد أحبط أي احتمال كهذا في الوقت الراهن، فإن وجود "نمور الأناضول" في موقع صنع القرار التركي لا يمكن أن يكون مصدر اطمئنان سوري يدعو إلى الاسترخاء في الحذر، فأجندة هؤلاء اقتصادية لا إسلامية، و"حزب أردوغان.. حزب قومي تركي بامتياز، وليس حزبا إسلاميا" و"لا يشبه حزبا إسلاميا واحدا في الأقطار العربية، لا من الإخوان، ولا من غيرهم"، كما كتب المحلل السياسي المصري عبد الحليم قنديل.
فالنموذج التركي هو نموذج للعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة التي أصبح الرأي العام العربي فيها في عهد إدارة باراك أوباما الآن أسوأ مما كان عليه خلال السنة الأخيرة من عهد سلفه جورج بوش الابن، حسب استطلاعين حديثين للرأي أجراهما معهد جيمس زغبي العربي الأمريكي ومركز بيو للأبحاث، مما عمق العداء للولايات المتحدة في الشارع العربي نتيجة الانحياز الأمريكي لدولة الاحتلال الإسرائيلي في صراعها مع العرب والاحتلال الأمريكي للعراق بخاصة. وكان الغضب الشعبي العربي قد انفجر في الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة ونجح في الإطاحة بنظامين حليفين لها. ومن المنطقي أن أي نموذج، تركي أو غير تركي، يكون نسخة من النموذج السياسي- الاقتصادي الأمريكي لن يلقى الترحيب ولن يكتب له النجاح عربيا.
غير أن النموذج الاقتصادي لـ"نمور الأناضول" يظل في حد ذاته سببا جوهريا لرفض هذا النموذج عربيا. فحزب العدالة والتنمية التركي يصف نفسه بأنه حزب ديمقراطي محافظ، ويصفه آخرون بحزب ليبرالي طبق إصلاحات "جميعها ليبرالية، وليست إصلاحات إسلامية"، كما قال تقرير للفايننشال تايمز البريطانية في الثامن عشر من الشهر الجاري، مضيفا أن إصلاحاته أضفت مسحة إسلامية على الدولة لكنها قادت إلى تقليص نفوذ الإسلاميين وصعود "البورجوازية".
فقد كان حزب العدالة والتنمية ينفذ سياسات مثيرة للجدل أملاها صندوق النقد الدولي وتعطي أولية لمصالح النخب الرأسمالية، مما قاد إلى فشل الحزب في تطبيق أي سياسة لها علاقة بالعدالة الاجتماعية، وقاد إلى اتساع المعارضة الشعبية لها، مما دفع الحزب الحاكم في آذار/ مارس من العام الماضي إلى عدم توقيع اتفاق كان ينتظر التوقيع فقط مع صندوق النقد الدولي، لكن سياسات الصندوق ظلت سارية حتى الآن.
وقد تمخضت عن هذا النموذج التركي لـ"نمور الأناضول" النتائج ذاتها التي قادت إلى انفجار الغضب الشعبي العربي، وبخاصة انعدام العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية بين المناطق الجغرافية والطبقات الاجتماعية، واتساع الفجوة بين النخبة الاقتصادية- السياسية وبين الأكثرية الساحقة من الأتراك، وظهور شريحة من رجال الأعمال تفوقت في ثرائها ونفوذها على العائلات التجارية والصناعية الأعرق والأقدم، وتدرك هذه الشريحة أن بقاءها ومصالحها مرتبطة بالعولمة الأمريكية اقتصاديا وسياسيا، لذلك فإنها ستبقى حريصة على أن يبقى "هذا" النموذج التركي ساندا ظهره إلى العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلى أن يستمر في فلك حلف شمال الأطلسي "ناتو". ومن المؤكد أن هذه النسخة التركية من النموذج الأمريكي للمستقبل العربي ليست صالحة للاستيراد عربيا من أجل التنمية والتغيير والإصلاح.
وقد بلغ انسياق حزب "نمور الأناضول" مع سياسات الخوصصة حد البدء في برنامج هو الأكبر في العالم لبيع المياه، أهم الثروات الوطنية الطبيعية في تركيا، إلى القطاع الخاص. وعلى هامش منتدى المياه العالمي الخامس الذي استضافته تركيا عام 2009 قال طاهر أونجور عضو فرع اسطنبول لغرفة مهندسي الجيولوجيا إن حكومة حزب العدالة والتنمية لا تريد فقط بيع إمدادات مياه الشرب إلى القطاع الخاص، بل لديها خطط لبيع موارد المياه ذاتها.
وسبق لوزير الطاقة والموارد الطبيعية حلمي جولر أن أعلن عن بيع الأنهار والبحيرات إلى القطاع الخاص وسمح لهذا القطاع ببناء السدود عليها وفق اعتبارات تجارية محضة لا تعطي أدنى اعتبار لمصالح دول المصب الحيوية في سوريا والعراق مما يهدد بحروب مياه إقليمية يحذر الحكماء من اندلاعها إذا ترك القرار لنمور العولمة الأمريكية في الأناضول أو في غيرها. وقد حذر رئيس اتحاد الفلاحين الأتراك عبد الله آيسو من النتائج "الكارثية" لخوصصة المياه التركية على الري الزراعي والمزارعين ومجتمعاتهم.
وتهدف حكومة "نمور الأناضول" إلى جمع أكثر من تسعة مليارات دولار أمريكي من بيع القطاع العام والبنى التحتية إلى القطاع الخاص، بما يعادل حوالي "15 بالمئة" من إجمالي الدخل من الخوصصة خلال السنوات الخمسة وعشرين الماضية. غير أن توجيه الاقتصاد نحو التصدير كهدف له الأولوية على تلبية احتياجات المستهلك الوطني ربما يكون من أهم المؤشرات الى النموذج التركي الذي يراد لـ"الربيع العربي" الاقتداء به. فقد ارتفعت حصة الصادرات من إجمالي الناتج المحلي التركي من ثلاثة في المئة عام 1980 الى أكثر من 25 بالمئة حاليا، وارتفع مجموع قيمة الصادرات من حوالي ثلاثة مليارات دولار أمريكي عام 1980 إلى عشرين مليار دولار بعد عشر سنوات إلى أكثر من 100 مليار دولار حاليا.
ألم يكن مثل هذا النموذج الاقتصادي- السياسي هو الذي فجر موجة الغضب الشعبي العربي المستمرة؟!.
_________________
* كاتب عربي من فلسطين
- nicolanasser@yahoo.com