المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مم و زين


Malki Morad Herdan
22-09-2005, 12:51 AM
أستاذنا فؤاد
بينما كنت أقرأ ردك للشاب الايزيدي (كان الله في عونه) , ذكرت قيس وليلى وممّ وزين وعنتر وعبلة وماجد ولين .
كتاباتك هذه عادت بذاكرتي الى سنين طويلة خلت , فمر أمام عيني شريط سينمائي فأراني أنا و اخوتي نلتف حول المدفأة (صوبة الجليه) في ايام الشتاء و نحن نستمع الى جدتي رحمها الله و هي تقص علينا حكاية "مم و زين".
فاليك و الى قراء هذه المنتديات ملخص عن هذه القصة.

مم و زين
صاغ احداث هذه القصة احمد الخاني المتوفى عام 1706م، وقام بترجمة هذه الملحمة الى العربية محمد سعيد رمضان البوطي، حيث قدم الى القارئ العربي هذه الفاجعة التاريخية "مم و زين" بعد ان كساها برداً من لغة السحر و البيان المعجز.. و بعد ان انفق في كتابتها من الدموع قدر الذي استهلكته من المداد. فمن هو احمد خاني مبدع هذه الملحمة، و ما قصة مم و زين التراجيدية؟

قام الدكتور البوطي بترجمة هذه القصة الى العربية، و هي قصة الحب العفيف، و الوفاء المخلص، و التضحية بالنفس، هي مجنون ليلى، او روميو وجوليت، مضمخة بجو الشرق و سحره و احلامه.

تتألف القصة من 25 فصلاً في 184 صفحة من القطع الصغير. و اول ما تلامس اعيننا لدى تصفحنا هذه القصة، كلمة الاهداء التي كتبها البوطي و وجهها "الى كل قلب كتب عليه ان يتجرع الحب علقماً و لا يذوقه رحيقاً، و ان يحترق في ناره و لا يقطف مرة من ثماره اقدم هذه القصة عسى ان يجد فيها برداً من العزاء و السلوى".

ان قصة "مم و زين" تعتبر مأساة عاطفية و هي واقعية من أول فصل الى اخر فصل، ليس للخيال فيها شأن سوى احياء ما اهمله التاريخ او تساقط منه عند نقلها مما لا يقوي وحده على ضبطه و تصويره، اتخذت مستقرها في قلب الجزيرة الخضراء.
حدثت هذه القصة في حوالي عام 1393م في جزيرة "بوتان" المعروفة باسم "جزيرة ابن عمر" تلك الجزيرة التي تقع على شاطئ نهر دجلة و تمتد في اتساع شاسع بين الهضاب و التلال الخضر الواقعة في شمالي سورية و العراق.
هذه الجزيرة التي يمتاز معظمها بقسط وافر من جمال الطبيعة و بهائها، اذ تتشعب بين رياض طبيعية بديعة و ينعكس اليها من سائر اطرافها بريق دجلة الذي يجف بمعظم جهاتها كما يزيد من روعة جمالها جبالها الشاهقة المصوبة كالخناجر صوب السماء.
دارت حوادث القصة في قصر امير هذه الجزيرة "الأمير زين الدين"،حيث كانت البلاد اذ ذاك منقسمة الى امارات يتولى ادارة كل منها امير يتمتع بالجدارة و القوة.
ولم يكن الأمير زين الدين ذا كفاءة عادية فحسب.. بل كان يتمتع الى ذلك بغنى واسع وبمظهر كبير من القوة و السلطان، و الغريب انه لم يمنعه امتلاكه العجيب لقلوب رعيته و اكتسابه محبة سائر طبقات امارته، ما اذاعه اسمه من الهيبة و الاجلال لا في جزيرة بوتان و حدها، بل في سائر البلاد و اماراتها.
ولم يكن قصره الذي كان يرى من بعيد كأنه برج هائل، كقصور بقية الامراء من امثاله و انما كان اية من ايات الفن و الابداع.. كان منتهيا الى اقصى حد في البذخ المبذول لتصميمه و تشييده واقامة ابهته.!
وكان يزدان بمتاحف تضم مختلف العجائب والنوادر، و انواع المجوهرات الغريبة الفاخرة! اما رحابه و شرفاته فكانت تعج بمئات الغلمان، و الجواريو الفتيات الجميلات.. يجلن في انحائه، و يضفين على رحابه جواً سحرياً يشع بالفتنة و الجمال.
غير ان الاية الكبرى للجمال في ذلك القصر لم تكن منبعثة عن اي واحدة من تلك الجواري والحسان و انما كانت سراً لدرتين غيرهما، خلقهما الله في ذلك القصر، بل في تلك الجزيرة مثلاً اعلى للجمال، و نموذجاً كاملاً للفتنة و السحر الالهي في اسمى مظاهرهما. ولم تكن هاتان الشقيقتان سوى اختين للأمير زين الدين، كان اسم اكبرهما التي لا يتجاوز عمرها العشرين "ستي" و كانت بين البياض الناصع و السمرة الفاتنة قد افرغ الجمال في كل جارحة من جسمها على حدة، ثم افرغ بمقدار ذلك كله على مجموع جسمها و شكلها، فعادت شيئاً ابرع من السحر و ابلغ من الفتنة!
و اما الصغرى و اسمها "زين" فقد كانت وحدها البرهان الدال على ان اليد الالهية قادرة على خلق الجمال و الفتنة في مظهر ابدع من اختها و اسمى! كانت هيفاء بضة، ذات قوام رفيع، قد ازدهرت في بياضها الناصع حمرة اللهب ذات عينين دعجاوين، اودعهما الله ايات الفتك و اللطف التي تتسامى على التعبير..
وعلى الرغم من ان هاتين الغادتين كانتا لؤلؤتين محجوزتين في صدفة ذلك القصر عن معظم الابصار، فقد كان اسماهما ذائعين منتشرين في سائر اطراف الجزيرة بل و في كثير من البلاد.. يتخذون من شهرتهما المقياس الأعلى و المثل الكامل للجمال!
وقد كان من الغريب في الواقع ان تخلق تلكما الفاتنتان في قصر امير بوتان لتصبحا اجمل زهرتين تحبسان في رحابه عن الأنظار، لولا ان الشعب عامة واولي الزعامة فيهم انطوت طبيعتهم على غيرة ملتهبة لا تكاد تفارق جوانحهم، مما يجعلهم يتحرجون من اختلاط الجنسين بمقدار.. هذا الى ان شقيقهما الأمير كان قد اوتي مزيداً من هذه الغيرة بين جنبيه، و زادها اتقاداً ما كانت تتمتع به اختاه من ذلك الجمال النادر الذي ابى الا ان يذيع اسميهما في الجزيرة كلها وفي معظم البلاد الأخرى.. و لذلك فقد كان من الصعب جداً ان يكون لعشاق ذلك القصر الكثيرين نصيب منه غير السماع.. و تستقط الأخبار..!

ملخص القصة
لا يمكننا التصدي في هذه العجالة لتلخيص القصة، و لكننا مع هذا نوجزها قدر الامكان، ونترك للقارئ فرصة مطالعته المتأنية لها مستقبلاً..
كان الوقت اصيلاً، و الناس يودعون 20 اذار ليستقبلوا من ورائه ربيع سنة جديدة يقضون نهارهم فوق المهاد الوارفة الخضراء، و على ضفاف دجلة وفي سفوح الجبال، و ذلك جرياً وراء تلك العادة الشائعة في جميع انحاء البلاد من الاحتفال بعيد الربيع في مثل ذلك اليوم بشروق الربيع و ابتسامته الجديدة، حيث ارادت "زين" العثور على الرجل الذي لن يعجبها الا اذا بلغ جماله في نفسها مبلغ فتنة هذه الطبيعة الحالمة و اثرها لديها..
و اخذ الناس ينتشرون بين اجواء خمرية تتهادى على ضفاف النهر الفضي وفوق اشجار العنب الخضر المطرزة بابدع نقوش الزهور، وفوق سفوح "الجودي" الذي هو من بعض جبال جزيرة بوطان المفروشة بابهى ديباجة من السندس المتألق.. حيث كانت الشقيقتان "ستي و زين" متنكرتين في لباس الرجال و هيأتهم، و اندستا في صفوفهم في ظاهر الجزيرة، و لاشك انهم يحسبونهما من بعض شباب قصر الأمير زين الدين و غلمانه!
وقد نجحتا في الفكرة هذه مما اتاح لكل منهما ان تجد من مختلف شباب هذه الجزيرة الواسعة الأطراف من يروقها و يعجبها وكان هذان الشابان هما "تاج الدين" و "مم" العاملين في قصر اخيهما الأمير زين الدين.
كانت تعيش في قصر الأمير زين الدين، مربية عجوز كانت هرمة غير انها اقوى من الدهر و مكره، و قد شاء لها ان تجمع بين الأميرة "ستي" وأحد رجال ديوان الأمير الذي كان يدعى تاج الدين دون صعاب او مشاكل تذكر و انتهى امرهما بالزواج.. بينما اخفقت هي ومعها الأقدار ان تمتن حبل الوصال بين الأميرة "زين" و سكرتير ديوان الأمير "مم"..
ففي وقت الذي كان تاج الدين و الأميرة ستي منشغلين عن الدنيا وما فيها، وقد حققا حلمهما في الوصال، و يرقدان في مهد الأحلام، غذاؤهما شهد الوصال و شرابهما كوثر الشفاه، كان العاشق "مم" و حبيبة قلبه المضطرب بالهوى و الشباب "زين" يعيشان الم الفرقة و العذاب، و يتحملان هموم العذال و يتجرعان كؤوس الشقاء و اليأس، و تأبى سنن الكون الا ان تجري في قصتنا هذه، فتجمع بين عنصر الخير و الشر و تمزج فرحة السعادة بدموع البؤس، و عنصر الشر في هذه القصة هو حاجب خاص لديوان الأمير، و يدعى "بكر" كانت لهذا الحاجب نفس تنطوي على اشد الوان الخبث و المكر، و كانما غذيت روحه بحب الفتنة، فهو يتعشق الولوج فيها حيثما لاح له بابها. ولم يكن في مظهره قصيراً او دميماً فقط بل كان الى ذلك اجرد الشكل باهت السحنة ذا عينين تشعان بمزيج من الحقد والكراهية و الحسد، وقد استطاع "بكر" ان يجعل الأمير زين الدين يتشبث برأيه و يستبد قائلاً: "تأكدوا جميعاً انه قد يمكن ان تظل زين طيلة حياتها عزباء في هذا القصر، ولكن لا يمكن ابدا ان اجعلها يوماً من نصيب "مم"، ولا ادعي الى ان تعرفوا سبباً لذلك اكثر من انني هكذا اردت، و لا داعي ايضاً الى ان تعيدوا بعد اليوم الى مسمعي هذا الحديث الا اذا رايتهم داعياً الى اثارة شر انتم في غني عنه". بعد مرور العديد من الحداث المهمة، و انقضاء الشهور المتوالية. كانت حياة زين، تمر في خلوات مع الأشباح و الطياف، و حديث مع الخيالات و الوهام. يطوف كل ذلك بها، ثم يستقر في ذهنها و قلبها شيء واحد فقط هو اسم "مم" لكن حظها المنكوب ابعدها عن اليف روحها و اخرجها من افراح الدنيا و نعيمها!

اما "مم" فقد كان يبكي حتى تقرحت عيناه، ولم يزل يتوجع و يتحرق حتى كادت ان تنطفى جذوة حياته، ولم يزل تنهار منه القوى و تخور فيه العزيمة و يصفر منه الشكل الى ان طرحته الحمى في مكان ما على شاطئ دجلة وحيداً الا من بعض اصدقائه المخلصين الذين كانوا يعودونه و يواسونه بين فترة و أخرى.

لقد استطاع "مم و زين" حيناً من الزمن ان يخفيا عن الناس قصة حبهما و ان يحجبا عنهما جبروت السلطان الذي يتحكم في قلب كل منهما من غير رحمة، ولكن هذه الطاقة لم تدم لهما طويلا فسرعان ما هتك من حول قلبهما الستر، و انتشر مدامعهما بين ابصار الناس، وراحت اللسن تتحدث عن حبهما و تتخذ من خبرهما لحناً يسري الى كل مكان و ينتهي الى سمع الأسياد و العبيد.. و راحت التعليقات المتخيلة تسبح حول ذينك المسكينين البريئين اللذين لم يذوقا من الحب الا مرارته و علقمة، اقاويل كاذبة، و تسرب الخبر الى الحاجب الخبيث "بكر" الذي اوغر قلب الأمير ضد "مم" الذي يعبث بشرف و سمعة الأمير، فصمم على قتله و اعد له المكيدة كما رسمها له بكر، ولكن تدخل صديق مم تاج الدين جعله يستبدل القتل بسجنه في احدى الابار الحالكة دون مبرر او منطق!

وفي غياهب السجن اصيب "مم" بشتى الأمراض منتهيا بمرض السل، اما زين فقد كان حالها ليس باحسن من حاله فقد انتهى امرها مهجورة في احدى غرف القصر تبكي حظها الداثر، و حبيبها المسجون، و في احدى الأيام جاءها الأمير زين الدين بخطة جهنمية من حاجبه "بكر" لكي يقتل "مم" اما عينيها، ولكنه عندما شاهدها في حال اليأس رق لها قلبه، و ندم على ما فات، و هنا قالت له زين: "لقد فرقتنا في هذه الحياة، فوصيتي لك ان تجمعنا في مماتنا". ثم سمح لها بزيارة "مم" في سجنه لعلها تودعه قبل الرحيل، و عندما شاهدته القت بجسمها عليه حتى لفظ الاثنان انفاسهما، و هكذا حكم الدهر ان لا يجتمع الحبيبان الا في ظلمات تلك الحفرة و توارى العاشقان في لحد واحد.
اما بكر فقد نال جزاءه العادل وهو الموت على يد تاج الدين صديق مم الذي ادهشته الحالة التي وصل اليها هذان العاشقان بسبب ما اشعله من فتنة وحسد بين الأمير و بين الحبيبين. ومن المدهش ان "زين" اوصت بأن يدفن بكر تحت قدميهما مباشرة! قالوا و السبب في ذلك، ان يلازمهما و يصبح حاجباً مخلصاً لهما في الجنة، لأن الأقدار سحرته لهما ليصفو حبهما هذا الصفاء الروحي و لتسمو نفسهما الى ما فوق مظاهر المادة.

وان لبطلي القصة المؤثرة اليوم قبرين معروفين في جزيرة ابن عمر يستطيع كل من اراد ان يشاهدهما. و العجيب ان قبرهم مم و زين يظل محاطاً بسور من ظلال الأشجار و الورود.. اما قبر بكر فلا تكاد الأشواك تبارحه و تعلوه بغزارة!(استقيت المصادر من النت)

ملكي مراد حردان

fouadzadieke
22-09-2005, 07:50 PM
الأستاذ ملكي الحبيب

أشكر لك تكرمك هذا بهذه المشاركة الوجدانية وفعلا فإني عندما قرأت القصة في بداية الثمانينات في ديريك استعرتها من أحد زملائي المعلمين الأكراد لم ألق بالكتاب إلا بعد أن فرغت منه كلية وقد سالت دموعي بغزارة ليس للقصة فحسب بل للأسلوب الأدبي البليغ الذي جادت به قريحة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أمدّ الله في عمره فهو فعلا أثار في النفس شجوناً ووضع القاريء في صورة الحدث لكأنه يعايشه وهذه القصة هي إحدى فرائد الخاني التي استمتعنا جميعاً بها. أشكرك مرة أخرى على ذوقك الأدبي الرفيع والذي أسعد به مشاركاً حفظك الرب وأبعد عنك كل مكروه وتحيات للصديق والأخ الحبيب حسيب وعائلته وقل له أن سلاماً من (فريد كبرو زكو) قد وصلني عن طريق إبنه كابي وهو يقول فعلا كانت أياماً جميلة في الرميلان كما تحدث معي جميل إبن بهنان القط من السويد ويسلم على حسيب.
أخوكم فؤاد