Dr Philip Hardo
03-11-2006, 05:00 PM
وضعت نظريّة المزاج المتمثلة في نماذجها الأربعة في عهد الإغريق وهي : الدموي، البلغمي، الغاضب، السوداوي. وهي الأمزجة المستعملة في الكلام الشعبي الحديث، ونحن نعتقد أن الإغريق أخطؤوا في افتراضهم أن كل شخص يشكل مثالاً لنمط معيّن. والواقع أن غالبية الناس يجمعون في ذواتهم مظاهر خاصة بنمط أو نمطين، ولقد ظلّت نظرية الإغريق على فترة طويلة من التاريخ، ولم تلقَ الإهمال إلا في بداية هذا العصر، حيث يفضل علماء النفس المحدثون نظرية السمات على نظرية الأمزجة. فالسمات هي أوصاف لنماذج السلوك الاعتيادي مثل: الاجتماعية والمثابرة والاندفاع.. فمثل هذه الاصطلاحات متداولة في الحديث العام المشترك بين الناس، وهي تشكل جزءاً بسيطاً من الأسماء الدالة على السمات.
1. نواحي القوة في المزاج السوداوي
إن صاحب المزاج السوداوي يتمتع بطبيعة أدق حسا وأغنى صفات من جميع الأمزجة الأخرى. إنه يميل إلى العبقرية, لذلك فإن أكثر العباقرة في العالم كانوا من المزاج السوداوي. تجد أصحاب هذا المزاج يبرعون في الفنون الجميلة ويقدّرون تقديرا عظيما القيم الحقيقية في الحياة. إنه يستجيب للعاطفة وهو مع عواطفه يتأمّل ويفكّر. السوداوي ماهر بشكل خاص بالتفكير الخلاّق, وإذ يبلغ قمم عواطفه كثيرا ما يهتدي لاكتشاف أو يقوم بعمل خلاق رائع وذي قيمة عظيمة. وللسوداوي ميول قوية للكمال. إن المستوى الرفيع الذي يؤمن به هو أرفع وأعلى من المستوى الذي يقبل به سواه. والشروط التي يطالب بها في أي حقل هي عادة أعلى مما يمكن له أو سواه الوفاء بها. إن هذا الميل يجعله يكثر من التطلّع إلى داخله. وكثيرا ما يستعيد الحوادث السابقة والقرارات القديمة ظانا أنه يستطيع اتقانها بشكل أفضل لو أتيحت له فرصة أخرى.
إن قدرة السوداوي على التحليل مع ميله للكمال تجعله مولعا بأصغر التفاصيل وأدقّها. قد يقترح أحد مشروعا ما فيجيء السوداوي فيحلّله في دقائق ويبيّن ما قد يبرز من مشاكل. كثيرا ما يبدو السوداوي معارضا في أية قضيّة تعرض عليه لأنه باستمرار يتطلّع إلى الصعوبات المحتملة. إن تلك الصعوبات المحتملة حقيقة واقعة بالنسبة له لا يمكنه تجاهلها.
إن هذه القدرة على التحليل تجعله بارعا في حقول كالرياضيات والعلوم النظرية والطب والهندسة والفلسفة والتأليف وغير ذلك من الأعمال الدقيقة.
إن من أسعفهم الحظ فكانوا من المزاج السوداوي لا يحتاجون أن يجاهدوا ليكونوا أوفياء مخلصين, فالإخلاص بالنسبة لهم أمر طبيعي. السوداوي لا يكسب أصدقاء كثيرين, لكنه ما إن يكسب صديق حتى يخلص له كلّيا. إنه حرفيا يبذل حياته لأجل أصدقائه.
السوداوي يمكن الإعتماد عليه دائما, فإذا وعد بأن يتمّم عملا معيّنا في فترة من الزمن فإنه يفعل ذلك بالظبط. كما إنه يقوم بالعمل الموكول إليه خير قيام ولا يتأثّر بإهمال الآخرين.
يندر أن تجد السوداوي يقف في الأضواء ليراه الناس, ويفضّل أن يقوم بواجبه دون أن يراه أحد. إنه في الغالب يختار الأعمال التي تتطلّب تضحية لأنه يرغب بشدة في بذل ما يستطيع لمساعدة الآخرين.
يعرف السوداوي مدى امكاناته ولذلك تجده لا يحمل من المسؤولية أكثر مما يستطيع القيام به. يميل السوداوي للتخفّظ والصمت ويندر أن يتقدّم برأيه دون أن يطلب الآخرون منه ذلك. وإذا سأله أحد عن رأيه في أي أمر فإنه يعطي رأيا يدل على أنه حلل الوضع تحليلا عميقا ويكون رأيه متّزنا يستحق الاهتمام. السوداوي لا يكثر من الكلام لكن إذا تكلّم جاء كلامه غاية في الدقة ومطابقا لما يقصده تماما.
2. نواحي الضعف في المزاج السوداوي
يصف الدكتور هولسبي تركيز السوداوي على ذاته فيقول ( يركز السوداوي على ذاته أكثر من أصحاب الأمزجة الأخرى. إنه يميل كثيرا لفحص ذاته إلى حد أن هذا الفحص والتأمل في الذات يشلّ ارادته ويضعف طاقاته. إنه دائما يشرّح نفسه ويحلّل أفكاره فينزع طبقة بعد الأخرى كما يقشّرون البصل, ويواصل في هذا الفحص حتى لا يبقى شيء في ذاته غير ذلك الفحص الذي لا ينتهي. إن هذه الميزة, أي التركيز على الذات ومواصلة فحصها وتحليلها, هي أمر مؤسف بل مؤذ ضار بصاحبه. يقع السوداويون عادة في حالات فكرية صعبة, بل يشعرون بالقلق على أوضاعهم الصحيّة. يضع السوداوي أهمية كبيرة على كل ما يشعر به ولذلك فهو أكثر الناس تعرضا للوهم والوسوسة).
إن ميزة التركيز على الذات التي تظهر في السوداوي, إذا لم يجر اصلاحها, من الممكن أن تدمّر حياته كلها. إن تركيزه على الذات بالإضافة إلى طبيعته الحساسة يجعله سريع التأثّر والشعور بالإهانة. إنه كثير التشكك والظن. إذا رأى اثنين يتحدّثان بصوت منخفض فإنه يقرّر بسرعة انهما يتكلّمان ضده. إن هذا النوع من التفكير يمكن أن يؤدّي في بعض الحالات الشديدة إلى اصابة صاحبة بعقدة الاضطهاد.
لكون السوداوي انسانا كماليا تحليليا فانه كثيرا ما يكون متشائما. إنه ينظر إلى أي عمل فيرى نهايته وبشكل خاص يرى المشاكل التي سيواجهها في قيامه بذلك العمل. ويغلب أن تبدو هذه المشاكل أعظم بكثير من الخير الذي سيجنيه من ذلك العمل. وليس هذا فقط بل يشعر السوداوي بكل تأكيد أن النتيجة النهائية لن تكون جيدة كما هو متوقّع, وان فشله في الماضي يزيده تأكدا من فشله المتكرّر. إن تشاؤم السوداوي يجعله متردّدا متخوّفا كلما فكر باتخاذ القرارات, وذلك لأنه لا يريد الوقوع في الخطأ أو التقصير عن مستوى الكمال الذي يعتقد به.
ليس من هو أكثر انتقادا للآخرين من السوداوي. إنه لا يتساهل مع الآخرين ولا يرضى بأقل مما كان يتوقّع. إن أكثر هؤلاء الكماليين يتعبون زوجاتهم بمطالبتهم بالكمال. وكم من حياة زوجية فسدت وانتهت بالطلاق لأن الزوج كماليّ لا يرضيه اخلاص زوجته وخدمتها وتفانيها ما دام ذلك لا يزيد عن تسعين في المئة مما يتوقعه منها. يتطلّع الكمالي إلى أي خطأ بمنظارة المكبّر, وبدلا من أن يرى النواحي الحسنة الكثيرة في الآخرين لا يرى غير ذلك الخطأ وقد ضخّمه المنظار مرات عديدة. إن انسانا منتقدا كهذا قد لا يقول شيئا, ولكن كثيرا ما يظهر انتقاده في موقفه المتكبّر المتعجرف, فهو ينظر إلى الذين لا يشاركونه نظرته الكمالية فيعتبرهم أقل قدرا منه. ولكن لنذكر أيضا أن صاحبنا السوداوي ينتقد نفسه مثلما ينتقد الآخرين.
بالنسبة لقضية الزواج يلاقي السوداوي صعوبة عظمى في اتخاذه القرار (بالغوص في تلك اللجّة). تجده يعجب بفتاة ما من بعيد, ولكنه بعد أن يعرف المزيد عنها يكتشف أنها كائن بشري وفيها نقائص وضعفات, مع انها قد تكون فتاة رائعة. وقد يحدث أن يحب السوداوي فتاة على الرغم مما يكتشف فيها من نقائص, لكنه يتردد ولا يطلب يدها بسبب تلك النقائص. يقول الدكتور هولبسي ( ان الكثير من الرجال لم يتزوّجوا لمجرد أنهم من المزاج السوداوي. وقد يظنون أن سبب سوداويتهم هو انهم لم يتزوّجوا). والحقيقة هي أنهم ظلموا دون زواج لأنهم سوداويون.
ليس من يفوق السوداوي في سرعة التقلّب. تجده مرحا في بعض المناسبات وكأنه بلغ أوج السعادة ولكن سرعان ما تتغيّر مشاعره فيغطس في لجّة من الكآبة والحزن. والتقلّب في طباع السوداوي يدخله في حلقة مفرغة. فإن أصدقاءه ومحبّيه, إذ لا يرون سببا أو مبررا لما يبديه من كآبة ويأس, يظهرون اشمئزازا ويبدأون بتجنّبه والابتعاد عنه. وإذ يلاحظ السوداوي هذا الموقف من أصدقائه, يتأثر كثيرا وهو الشديد الحس, فيزداد كآبة ويأسا. إن هذه الحلقة التي لا نهاية لها تكفي وحدها لتحطيم حياة السوداوي كليا, إلا إذا لجأ إلى يسوع المسيح طالبا منه أن يبدّل كآبته بالفرح والسلام. ويسوع وحده يستطيع ذلك. إن هذا التقلّب في الطباع أو الميل للكآبة واليأس كثيرا ما يجيء نتيجة لأسلوب السوداوي في التفكير وتركيزه على نفسه. إن هذا الأسلوب يجب أن يتغيّر ليصبح للسوداوي فكر سليم فتستطيع طبيعته الغنيّة القوية الانتاج إلى الحد الأعلى من طاقاتها. إن هذه الطباع السوداوية كثيرا ما توجد في صاحبها عادة الهرب من الواقع الصعب بممارسة أحلام النهار. إن عدم اكتفاءه بحاضره المليء بالنقائص يجعله يتطلّع إلى الماضي البعيد الذي كلما كان أبعد كلما زاده سرورا أعظم. وعندما يتعب من التفكير بالماضي يتحوّل إلى المستقبل المدهش ويروح يحلم ويتخيّل. إن هذا النوع من التفكير الذي به يهرب من الواقع نوع خطر حقا. فلا يكفي انه يشلّ ارادته ونشاطه بل ربما أدى به إلى الفصام أو انشطار الشخصية.
من خصائص المزاج السوداوي أيضا ميل صاحبه للثأر لنفسه. فإنه يجد من الصعب أن يسامح وينسى الإساءة أو الإهانة. ولو انه يظهر أحيانا هدوءا ورضى لكن كثيرا ما يخفي وراء ذلك الهدوء حقدا عميقا وعداوة متأجّجة. وقد لا يعمل شيئا بحقده وعداوته, لكنه يحتفظ بالعداوة والرغبة في الانتقام سنين عديدة. إن هذه الروح المنتقمة في السوداوي التي لا تغفر الاساءة ولا تتسامح قد تتفوّق فيه على مقدرته الفكرية فتجعله يتّخذ قراراته على أساس الضغينة والتحيّز. فقد يندفع لتحطيم مشروع ثمين هو موافق عليه من حيث الاساس لكنه يرفضه لأن الشخص المسؤول عن المشروع أساء إليه في يوم من الأيام. قد لا يظهر السوداوي غضبا شديدا إذ هو يضبط نفسه بشكل عام, لكنه قد يفقد أعصابه فجأة ويصبّ جام غضبه دفعة واحدة.
والآن, وقد رأينا نواحي القوة ونواحي الضعف في المزاج السوداوي, فإننا ولا شك لاحظنا حقيقة هامة. إن المزاج المتّصف بالقوة والامكانات ترافقه نواحي ضعف هي أيضا قوية. قد يكون هذا هو سبب ما لاحظه البعض وهو أنه ليس هناك سوداوي عادي إلا ما ندر. وذلك لأن السوداوي إما أن يستخدم نواحي القوة التي لديه فيرتفع إلى ما فوق أقرانه فيتفوّق عليهم وإما أن تسيطر عليه نواحي ضعفه فينحط إلى ما دون مستوى أقرانه. بل قد يستسلم لسوداويته فيصبح عصابيا مستعبدا للغم أو يصبح إنسانا موسوسا يشكو من أمراض لا وجود لها, لا يسرّ نفسه ولا يسرّ اللآخرين.
يستطيع أصحاب المزاج السوداوي أن يجدوا عزاء في أن كثيرا من الكتاب المقدّس وإن الإيمان بالمسيح يرفع الإنسان فوق مزاجه الطبيعي فيحيا حياة جديدة في المسيح يسوع وهي المحبة والفرح والسلام والصلاح والإيمان والتعفّف.
معدلة: http://lovemorocco.net/web2/94.htm (http://lovemorocco.net/web2/94.htm)
1. نواحي القوة في المزاج السوداوي
إن صاحب المزاج السوداوي يتمتع بطبيعة أدق حسا وأغنى صفات من جميع الأمزجة الأخرى. إنه يميل إلى العبقرية, لذلك فإن أكثر العباقرة في العالم كانوا من المزاج السوداوي. تجد أصحاب هذا المزاج يبرعون في الفنون الجميلة ويقدّرون تقديرا عظيما القيم الحقيقية في الحياة. إنه يستجيب للعاطفة وهو مع عواطفه يتأمّل ويفكّر. السوداوي ماهر بشكل خاص بالتفكير الخلاّق, وإذ يبلغ قمم عواطفه كثيرا ما يهتدي لاكتشاف أو يقوم بعمل خلاق رائع وذي قيمة عظيمة. وللسوداوي ميول قوية للكمال. إن المستوى الرفيع الذي يؤمن به هو أرفع وأعلى من المستوى الذي يقبل به سواه. والشروط التي يطالب بها في أي حقل هي عادة أعلى مما يمكن له أو سواه الوفاء بها. إن هذا الميل يجعله يكثر من التطلّع إلى داخله. وكثيرا ما يستعيد الحوادث السابقة والقرارات القديمة ظانا أنه يستطيع اتقانها بشكل أفضل لو أتيحت له فرصة أخرى.
إن قدرة السوداوي على التحليل مع ميله للكمال تجعله مولعا بأصغر التفاصيل وأدقّها. قد يقترح أحد مشروعا ما فيجيء السوداوي فيحلّله في دقائق ويبيّن ما قد يبرز من مشاكل. كثيرا ما يبدو السوداوي معارضا في أية قضيّة تعرض عليه لأنه باستمرار يتطلّع إلى الصعوبات المحتملة. إن تلك الصعوبات المحتملة حقيقة واقعة بالنسبة له لا يمكنه تجاهلها.
إن هذه القدرة على التحليل تجعله بارعا في حقول كالرياضيات والعلوم النظرية والطب والهندسة والفلسفة والتأليف وغير ذلك من الأعمال الدقيقة.
إن من أسعفهم الحظ فكانوا من المزاج السوداوي لا يحتاجون أن يجاهدوا ليكونوا أوفياء مخلصين, فالإخلاص بالنسبة لهم أمر طبيعي. السوداوي لا يكسب أصدقاء كثيرين, لكنه ما إن يكسب صديق حتى يخلص له كلّيا. إنه حرفيا يبذل حياته لأجل أصدقائه.
السوداوي يمكن الإعتماد عليه دائما, فإذا وعد بأن يتمّم عملا معيّنا في فترة من الزمن فإنه يفعل ذلك بالظبط. كما إنه يقوم بالعمل الموكول إليه خير قيام ولا يتأثّر بإهمال الآخرين.
يندر أن تجد السوداوي يقف في الأضواء ليراه الناس, ويفضّل أن يقوم بواجبه دون أن يراه أحد. إنه في الغالب يختار الأعمال التي تتطلّب تضحية لأنه يرغب بشدة في بذل ما يستطيع لمساعدة الآخرين.
يعرف السوداوي مدى امكاناته ولذلك تجده لا يحمل من المسؤولية أكثر مما يستطيع القيام به. يميل السوداوي للتخفّظ والصمت ويندر أن يتقدّم برأيه دون أن يطلب الآخرون منه ذلك. وإذا سأله أحد عن رأيه في أي أمر فإنه يعطي رأيا يدل على أنه حلل الوضع تحليلا عميقا ويكون رأيه متّزنا يستحق الاهتمام. السوداوي لا يكثر من الكلام لكن إذا تكلّم جاء كلامه غاية في الدقة ومطابقا لما يقصده تماما.
2. نواحي الضعف في المزاج السوداوي
يصف الدكتور هولسبي تركيز السوداوي على ذاته فيقول ( يركز السوداوي على ذاته أكثر من أصحاب الأمزجة الأخرى. إنه يميل كثيرا لفحص ذاته إلى حد أن هذا الفحص والتأمل في الذات يشلّ ارادته ويضعف طاقاته. إنه دائما يشرّح نفسه ويحلّل أفكاره فينزع طبقة بعد الأخرى كما يقشّرون البصل, ويواصل في هذا الفحص حتى لا يبقى شيء في ذاته غير ذلك الفحص الذي لا ينتهي. إن هذه الميزة, أي التركيز على الذات ومواصلة فحصها وتحليلها, هي أمر مؤسف بل مؤذ ضار بصاحبه. يقع السوداويون عادة في حالات فكرية صعبة, بل يشعرون بالقلق على أوضاعهم الصحيّة. يضع السوداوي أهمية كبيرة على كل ما يشعر به ولذلك فهو أكثر الناس تعرضا للوهم والوسوسة).
إن ميزة التركيز على الذات التي تظهر في السوداوي, إذا لم يجر اصلاحها, من الممكن أن تدمّر حياته كلها. إن تركيزه على الذات بالإضافة إلى طبيعته الحساسة يجعله سريع التأثّر والشعور بالإهانة. إنه كثير التشكك والظن. إذا رأى اثنين يتحدّثان بصوت منخفض فإنه يقرّر بسرعة انهما يتكلّمان ضده. إن هذا النوع من التفكير يمكن أن يؤدّي في بعض الحالات الشديدة إلى اصابة صاحبة بعقدة الاضطهاد.
لكون السوداوي انسانا كماليا تحليليا فانه كثيرا ما يكون متشائما. إنه ينظر إلى أي عمل فيرى نهايته وبشكل خاص يرى المشاكل التي سيواجهها في قيامه بذلك العمل. ويغلب أن تبدو هذه المشاكل أعظم بكثير من الخير الذي سيجنيه من ذلك العمل. وليس هذا فقط بل يشعر السوداوي بكل تأكيد أن النتيجة النهائية لن تكون جيدة كما هو متوقّع, وان فشله في الماضي يزيده تأكدا من فشله المتكرّر. إن تشاؤم السوداوي يجعله متردّدا متخوّفا كلما فكر باتخاذ القرارات, وذلك لأنه لا يريد الوقوع في الخطأ أو التقصير عن مستوى الكمال الذي يعتقد به.
ليس من هو أكثر انتقادا للآخرين من السوداوي. إنه لا يتساهل مع الآخرين ولا يرضى بأقل مما كان يتوقّع. إن أكثر هؤلاء الكماليين يتعبون زوجاتهم بمطالبتهم بالكمال. وكم من حياة زوجية فسدت وانتهت بالطلاق لأن الزوج كماليّ لا يرضيه اخلاص زوجته وخدمتها وتفانيها ما دام ذلك لا يزيد عن تسعين في المئة مما يتوقعه منها. يتطلّع الكمالي إلى أي خطأ بمنظارة المكبّر, وبدلا من أن يرى النواحي الحسنة الكثيرة في الآخرين لا يرى غير ذلك الخطأ وقد ضخّمه المنظار مرات عديدة. إن انسانا منتقدا كهذا قد لا يقول شيئا, ولكن كثيرا ما يظهر انتقاده في موقفه المتكبّر المتعجرف, فهو ينظر إلى الذين لا يشاركونه نظرته الكمالية فيعتبرهم أقل قدرا منه. ولكن لنذكر أيضا أن صاحبنا السوداوي ينتقد نفسه مثلما ينتقد الآخرين.
بالنسبة لقضية الزواج يلاقي السوداوي صعوبة عظمى في اتخاذه القرار (بالغوص في تلك اللجّة). تجده يعجب بفتاة ما من بعيد, ولكنه بعد أن يعرف المزيد عنها يكتشف أنها كائن بشري وفيها نقائص وضعفات, مع انها قد تكون فتاة رائعة. وقد يحدث أن يحب السوداوي فتاة على الرغم مما يكتشف فيها من نقائص, لكنه يتردد ولا يطلب يدها بسبب تلك النقائص. يقول الدكتور هولبسي ( ان الكثير من الرجال لم يتزوّجوا لمجرد أنهم من المزاج السوداوي. وقد يظنون أن سبب سوداويتهم هو انهم لم يتزوّجوا). والحقيقة هي أنهم ظلموا دون زواج لأنهم سوداويون.
ليس من يفوق السوداوي في سرعة التقلّب. تجده مرحا في بعض المناسبات وكأنه بلغ أوج السعادة ولكن سرعان ما تتغيّر مشاعره فيغطس في لجّة من الكآبة والحزن. والتقلّب في طباع السوداوي يدخله في حلقة مفرغة. فإن أصدقاءه ومحبّيه, إذ لا يرون سببا أو مبررا لما يبديه من كآبة ويأس, يظهرون اشمئزازا ويبدأون بتجنّبه والابتعاد عنه. وإذ يلاحظ السوداوي هذا الموقف من أصدقائه, يتأثر كثيرا وهو الشديد الحس, فيزداد كآبة ويأسا. إن هذه الحلقة التي لا نهاية لها تكفي وحدها لتحطيم حياة السوداوي كليا, إلا إذا لجأ إلى يسوع المسيح طالبا منه أن يبدّل كآبته بالفرح والسلام. ويسوع وحده يستطيع ذلك. إن هذا التقلّب في الطباع أو الميل للكآبة واليأس كثيرا ما يجيء نتيجة لأسلوب السوداوي في التفكير وتركيزه على نفسه. إن هذا الأسلوب يجب أن يتغيّر ليصبح للسوداوي فكر سليم فتستطيع طبيعته الغنيّة القوية الانتاج إلى الحد الأعلى من طاقاتها. إن هذه الطباع السوداوية كثيرا ما توجد في صاحبها عادة الهرب من الواقع الصعب بممارسة أحلام النهار. إن عدم اكتفاءه بحاضره المليء بالنقائص يجعله يتطلّع إلى الماضي البعيد الذي كلما كان أبعد كلما زاده سرورا أعظم. وعندما يتعب من التفكير بالماضي يتحوّل إلى المستقبل المدهش ويروح يحلم ويتخيّل. إن هذا النوع من التفكير الذي به يهرب من الواقع نوع خطر حقا. فلا يكفي انه يشلّ ارادته ونشاطه بل ربما أدى به إلى الفصام أو انشطار الشخصية.
من خصائص المزاج السوداوي أيضا ميل صاحبه للثأر لنفسه. فإنه يجد من الصعب أن يسامح وينسى الإساءة أو الإهانة. ولو انه يظهر أحيانا هدوءا ورضى لكن كثيرا ما يخفي وراء ذلك الهدوء حقدا عميقا وعداوة متأجّجة. وقد لا يعمل شيئا بحقده وعداوته, لكنه يحتفظ بالعداوة والرغبة في الانتقام سنين عديدة. إن هذه الروح المنتقمة في السوداوي التي لا تغفر الاساءة ولا تتسامح قد تتفوّق فيه على مقدرته الفكرية فتجعله يتّخذ قراراته على أساس الضغينة والتحيّز. فقد يندفع لتحطيم مشروع ثمين هو موافق عليه من حيث الاساس لكنه يرفضه لأن الشخص المسؤول عن المشروع أساء إليه في يوم من الأيام. قد لا يظهر السوداوي غضبا شديدا إذ هو يضبط نفسه بشكل عام, لكنه قد يفقد أعصابه فجأة ويصبّ جام غضبه دفعة واحدة.
والآن, وقد رأينا نواحي القوة ونواحي الضعف في المزاج السوداوي, فإننا ولا شك لاحظنا حقيقة هامة. إن المزاج المتّصف بالقوة والامكانات ترافقه نواحي ضعف هي أيضا قوية. قد يكون هذا هو سبب ما لاحظه البعض وهو أنه ليس هناك سوداوي عادي إلا ما ندر. وذلك لأن السوداوي إما أن يستخدم نواحي القوة التي لديه فيرتفع إلى ما فوق أقرانه فيتفوّق عليهم وإما أن تسيطر عليه نواحي ضعفه فينحط إلى ما دون مستوى أقرانه. بل قد يستسلم لسوداويته فيصبح عصابيا مستعبدا للغم أو يصبح إنسانا موسوسا يشكو من أمراض لا وجود لها, لا يسرّ نفسه ولا يسرّ اللآخرين.
يستطيع أصحاب المزاج السوداوي أن يجدوا عزاء في أن كثيرا من الكتاب المقدّس وإن الإيمان بالمسيح يرفع الإنسان فوق مزاجه الطبيعي فيحيا حياة جديدة في المسيح يسوع وهي المحبة والفرح والسلام والصلاح والإيمان والتعفّف.
معدلة: http://lovemorocco.net/web2/94.htm (http://lovemorocco.net/web2/94.htm)