fouadzadieke
17-09-2005, 09:14 PM
مقالات في آزخ "المقالة الثالثة"
لماذا يحقّ لهم ونحن لأ؟
إذا كان لكلّ شعب أو لأية أمة أو جماعة أن يفخر بماضيه وبما تركه الأجدادُ لهم فمن حقّنا نحن كأبناء آزخ الصامدة أن نفخر وبحقّ بماضي أجدادنا وآبائنا فليس من المعقول أن يكون جانب هذا الافتخار حكراً على أحد، أي أن يسمح لهذا الشعب بالتغنّي بتاريخ الآباء والأجداد وتعظيم مناسباتهم وإكرامها ثم يمنع عن الآخرين حق التمتّع بمثل هذا التعظيم أو التغنّي بعزّة وبطولة هذا الذكر و من ممارسة هذا الحق وهو حق شرعي وهبته السماء وليس بمقدور أحد أن يحتكره لذاته ويمنعه عن غيره!
إن الشعوب أو البيوتات التي سكنت بلدة آزخ (الواقعة في تركيا بالقرب من جزيرة إبن عمر وتسمى اليوم بالتركية إيدل) على مرّ العصور وسائر الدهور كانت تترك بصمات واضحة على مظاهر الحياة في هذه البلدة ومن ثمّ المنطقة وليس في ذلك غرو فإنّ منطقتنا هذه بحكم موقعها كانت مسرحاً لصراعات عرقية وحروب طاحنة وغزوات متعاقبة عبر عصور التاريخ وإنْ لم يكن من المؤكد أن أول من سكن آزخ في عصرنا الحديث هو هذا الشعب أو ذاك فتداخلات التاريخ وهجرة البيوتات وعدم الاستقرار في المنطقة عموماً أضاع الكثير من الجوانب المعرفيّة والاطلاع الدقيق على تنقلات واستقرار أبناء هذه البلدة فالهجرة إليها كانت في أحدى الفترات مستمرة دون انقطاع وهي كانت بالطبع فترة الاستقرار والهدوء والقوة فيما نرى في ظروف أخرى أن الهجرة من البلدة بفعل عوامل القهر والتعدي والمضايقات والحروب صارت نزيفاً بحيث نزح عنها الكثير إلى مناطق قريبة منها وأخرى بعيدة عنها ومن تلك القريبة منها البيوتات التي سكنت في قرى (كوفخ) و(بابقا) و (عميرين) وعمّرتها ثم استقرت فيها ومنها من هاجر إلى العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وغيرها، كما أن بعض الغزوات التي تعرّضت لها البلدة جعلتها مسبيّة فتمّ نقل أعداد من ساكنيها إلى مناطق أخرى في الراوندوز وأرزن الروم والعراق الحالي وحيث كان قديماً يخضع إلى سلطة الفرس شأنه شأن معظم بلدات تلك المناطق في عصور ما قبل الميلاد، وقد ذكرت آزخ (بيت زبداي) في التاريخ النصراني كإحدى أولى البلدات التي نالت الهداية على أيدي الرسل والتلاميذ الذين لم تنقطع زياراتهم التبشيرية إلى تلك المنطقة ونالت بذلك البشارة ودخلها الدين المسيحي في وقت مبكّر.
ظلت آزخ (بازبدى) تتعرّض لأشد أنواع القهر والمضايقات على يدي الفرس عبدة الأوثان وقدمت آزخ ضحايا كثيرة في عهد الاضطهاد الأربعيني الذي دام أربعين عاماً و الذي أعلنه الطاغية سابور ذي الأكتاف واستمرّت الويلات تلاحق آزخ وشعبها على إثر اعتناق أهلها الدين المسيحي وذلك على أيدي الفرس عبدة الأوثان وكانت المحارق التي أعدّها الفرس لإبادة أهل آزخ بسبب الدين الجديد فظيعة وأجبر المؤمنين على ترك دينهم الجديد وهددوا بالموت وكان ذلك السبيل يسيراً عندهم حيث لم ترهبهم كل وسائل العنف التي استعملها الفرس الوثنيون ضدهم وأذاق الله الفرس عقابات كثيرة من جراء هذا الظلم الممارس في حق المسيحيين أهل آزخ فسلّط ناراً أكلت معابد أوثانهم وأرتهم الويل بيد أن كل ذلك لم يوقف تلك المجازر بحق أجدادنا الأوائل ويحق لنا أن نسميّهم بأجدادنا الأوائل لأنهم الذين تركوا لنا من بعدهم فكرة العمل بضرورة الاستمرار ومن صمودهم في وجه ذلك الظلم تعلمنا فيما بعد ذلك أن ندافع برجولة وبسالة ضد الكفرة الجدد الذين أرادوا لشعب آزخ من جديد أن يموت وينتهي أجله لأنه مسيحي!
توجد شواهد تاريخية كثيرة في آزخ على وجود الإنسان القديم ومن الأثار الباقية المغر والكهوف التي تحيط بمواضع من القرية وهي تعطي الدليل القاطع بأن هذه الكهوف كانت المساكن الأولى لهذا الشعب قبل أن يستقر ويسكن البلدة والتي كبرت في إحدى المراحل وبلغ عدد سكانها حوالي العشرين ألف نسمة وكانت حارة الكول إحدى حارات آزخ فيما الآن يفصلها عن البلدة (السقلان) وهو تجمع مائي يكثر ماؤه في الشتاء وكان قد تسبب في مراحل من التاريخ بفيضانات وهو يصب في نهر دجلة الذي يصل إلى الموصل، وبناء العين القديم الذي يعود عهده إلى ما قبل المسيح وقد حاول بعض رجال من آزخ أيام حصار العشائر لآزخ في ما بين الأعوام 1915 - 1918 م تخريب نبع هذه العين كي لا يستفيد منها العدو الكردي الذي حاصرها غير أن محدثي السيد (توما صليبا) قال "لم نتمكن من العثور على النبع الأساسي للعين فهو يذهب إلى عمق الجبل" وأظنه الجبل الأبيض (جبل الأبيظ) على تسمية هلازخ (أهل آزخ) له ويدعى كذلك بوضوح (جبل آزخ) وأكمل"لم نردمه وتركناه لأننا لم نتوصّل إلى نبعه الرئيسي" كما يوجد فيها (اللزج) وهو بيت الصنم أو (بيت الوثن) الذي كان يعبده الفرس. أما عن البعثات الأثرية - الجيولوجية الإيطالية وغيرها فقد عثرت على آثار بعيدة قليلا عن القرية وتوقع أغلب الباحثين أن تكون البلدة قد أقيمت في مكان تلك الأطلال والخرائب ومن جهة آزخ فيما يتجه صوب جزيرة ابن عمر (جزيره بوطان) لم يعثر على أية آثار أو خرائب مما يدلّ على أن المقصود دائماً بقول (بقردى وبازبدى) إنما كان يعني على العموم والأغلب بلدة آزخ (بيت زبداي) وكانت قلعة فنك عاصمة لها كما يجمع على ذلك كل مؤرخي العرب و كانت آزخ أبرشية سريانية لفترة طويلة.
إذاً ليس من المستحيل أن تكون قد قامت هناك في هذه المنطقة حضارات كانت لها عظمة وتواجد و يقال أن سلوقس هو الذي بنى آزخ عندما شرع في بناء العمران والمدن المنتشرة على امتداد رقعة تركيا الحالية اليوم. غير أن الظروف التاريخية والحروب والدمار بفعل عوامل الطبيعة والتخريب البشري المتعمّد قضى على الكثير من تلك الأثار ومظاهر العمران الحضارية.
بكل أسف لم يبق من كل هذا سوى النذر اليسير وهو لم يعد يفي بالغرض ولا يشبع الحاجة للمعرفة ولا زالت البعثات الأوروبية تجري تنقيباتها حول آزخ وإلى أن تعلن عما توصّلت إليه يظلّ الكثير من تاريخها طي الكتمان ومطموراً تحت أتربة التاريخ المتساقطة والمتراكمة لعهود طويلة.
أقول لنا الحق كشعب قل كمجموعة بشرية قل كأقليّة - سمّها ما شئت - أن ننعم بالحياة كغيرنا وأن نعود إلى أرضنا التي سلبت منّا وهجّرنا عتها بقوة السلاح وبالقهر والغصب والترهيب! من حقنا أن تعود لنا مقدساتنا التي ديست بأحذيتهم القذرة عمداً للنيل من قدسية هذه المقدسات وكراماتها لا بل بنيت المساجد الكبيرة في منتصف البلدة بالإستيلاء على الأرض والتي لم يكن لهم فيها شبر واحد تمّ كلّ ذلك بمعونة ومساعدة السلطات التركية تلبية لرغبة الأكثرية الكردية التي تزداد يوماً بعد يوم. لقد تمّ مسح المعالم المسيحية في البلدة وسكّنت فيها عوائل وبيوتات كردية دون وجه حق ودون أن تملك هذه العائلات سندات تملّك لأرض أو موضع. جميع هذه الأمور تجري بالتنسيق بين الكرد والترك وكأن المسيحية هي عدوهم المشترك! من حقنا أن ننعم بدفء شمسنا ونتنفّس هواءنا ونعيش على أرضنا ونسترجع مقدساتنا وأماكن ذكرياتنا التي لا تنسى ولكل موضع ذكرى ولكل غرسة قصة ولكل حارة حكاية نحن ندرك أن الظروف هي أقوى منّا فلسنا أغبياء لنتجاهل كلّ هذا وندرك أيضاً أن العالم ظهرت فيه متغيّرات جديدة وأن الوضع لم يعد كما كان قبل عشرات السنين، لكنْ من حقنا أن نتساءل إلى متى؟ وهل ستبقى الأمور على ما هي عليه الآن إلى ما لا نهاية؟ وهل الذين يطالبون بوجوب عودة فلسطين ويملؤون الدنيا صراخاً من أجل الحصول على هذا الحق يمنعون علينا أن نقول كلمتنا ويرون أنه من الغباء والجهالة أن نطالب مثلهم بعودة حقنا إلينا؟ أم أن المعايير هنا أيضاً تختلف وعملا بمقولة "الحق الذي لا تدعمه القوة يموت"؟ وربما أسوأ من ذلك بأن يقال "الحق الذي لا تدعمه القوة يصير باطلا".
إن ظروف القهر التي كان يتعرض لها أجدادنا كانت في أحيان كثيرة أقوى من إمكانيات تحمّلهم ومن مقدرة ثباتهم فكانت لهذا تقهرهم وتتغلّب عليهم وتشتّتهم لكنْ سرعان ما كانوا يعودون وهم ممتلئين حباً ورغبة وإرادة في بناء جديد وكانوا يفلحون في ذلك وينجحون في خلق ظروف جديدة وتطويع ظروف أخرى لهم وتكييفها مع ضرورات احتياجاتهم. وكم تكررت مثل هذه الصورة لأكثر من مرة فكثيرة هي المرات التي خلت القرية تماماً من ساكنيها لكن سرعان ما كانوا يعودون إليها لأنهم لم يكونوا ليستطيعوا العيش من دونها وهي أيضاً كانت تستأنس بحضورهم وتحبّه لأنه غدا جزءاً منها! بدافع حب الحياة والرغبة في العودة إلى الأرض كانت تتمّ العودة من الشتات ليصير من جديد التشبث بالأرض فهل ستكون لنا في هذا العصر عودة جديدة لنعيش آزخ في أبهى صورة لها؟ إن الرغبة العظيمة في العودة تستقطب جماهير غفيرة من شعبنا الأزخيني والذي يربو عدده على مئات الآلاف من البشر وحيث هم موزعون ومشتتون في ديار الله الواسعة إذ تكاد لا توجد دولة في العالم إلا وفيها من هذا الشعب الأزخيني أحد!
الرجعية الكردية المتعطشة لدم النصارى والشوفينيّة الطورانيّة التركية التي أرادت وانتقاماً من روسيا الأرثوذكسية عملا معاً من أجل الفتك بنصاراها ولعمري مسألة تستحقّ التوقّف عندها وقد جرى مثل هذا تماماً عندما وقعت الحرب القبرصية وقامت تركيا بغزو قبرص وتقسيمها لا أظن لفعل سياسي وإنما لفعل دينيّ وأستطيع أن أؤكد صحة هذه المقولة وذلك في عام 1964 في الحرب الخاطفة التي وقعت بين تركيا الدولة المقتدرة واليونان الدولة الضعيفة و- لم يكن ذلك ليتمّ لولا أن أمريكا غضّت الطرف عن ذلك - لكون تركيا كانت حليفاً رئيسياً لأمريكا في حربها ضد الشيوعية وحيث لها موقع استراتيجي هام على حدود الدولة العظمى روسيا وأرادت تركيا أن تدعم أذربيجان ضد أرمينيا وأيضاً لأسباب دينية قذرة أثناء حرب جزيرة (كاراباخ). في أعقاب هذه الحرب التي شنتها تركيا على قبرص شنت حرباً داخلية في الوقت نفسه على نصاراها بحجة أنهم مع اليونان ولأنهم نصارى فهم محسوبون على اليونان وقتل الكثير من أبناء آزخ وتمّ التعدي السافر وفي وضح النهار على الممتلكات والمزارع والكروم وكل ذلك تحت أنظار ومسمع الحكومة التركية وهو ما طاب للأكراد فعله فهم على حجة أبدية للقضاء على مسيحيي تركيا بأي ثمن وبأية حجة. لقد سبيت الأغنام والمواشي وهي كانت مصدر الرزق ودمرت الكروم والمشاتل والشجريات على اختلاف أنواعها وتمت تصفية الناس والكمين لهم خارج البلدة لاصطيادهم كالعصافير وحين كانت الشكاوى يتم إرسالها أو تقديمها للمسؤولين الأتراك كانت تسجل ضد مجهول أو يلقى بها في أدراج عميقة أو تتلف ويتم تضييعها أو يوضع الحق على المجني عليه ويكافأ الجاني لأنه نفّذ مهمته على أكمل وجه من وجهة نظر الحكومة التركية أو على الأقل الذين كانوا يملكون القرار في تلك المناطق وكان جميعهم يتآمرون مع العشائر الكردية ضد المسيحيين في آزخ.
علينا ألا ننسى وأن نستخلص العبر والدروس من تلك المآسي وألا نسكت بعد اليوم "فالشاة المذبوحة لن يؤلمها السلخ" علينا أن نروي هذا لأولادنا وأحفادنا ليعلموا مدى الضرر الذي لحق بنا من مجمل تلك العملية الإرهابية التصفوية والتي شاركت فيها أطراف متعددة!
لعمري إنها مأساة ومهزلة فحين أقول أن فلاناً أو علاّناً كتب عن تاريخ آزخ وعن مقاومة واستبسال شعبها وبطولاته أو عن جانب من جوانب حياة هذا الشعب الثقافية ترى مناهضاً كردياً يقول (وهو ما لمسناه كثيراً من مثقفينا الأكراد) أو عربياً (عروبيّاً) لا يقبل بغير العروبة ديناً أو مبدأ يصرخ منادياً في وجهي: "ماهذه الشوفينية؟ وماذا كانت آزخ حتى يُكتب عنها؟ وماذا صنع رجالها حتى يتم ذكرهم تخليد هذه الذكرى؟ وغيرها من أسئلة لا تنمّ إلا عن مزيد من الشوفينية والتعصب الأعمى والرغبة الجامحة في سحق الآخر والقضاء على أيّ ذكر له! هنا لا بدّ من التوقّف لأصرخ وبصوت عال وأعلى ممّا صرخوا به قائلا لهم ولأمثالهم من مجرمي التاريخ والقتلة بحق شعبنا المظلوم والذين قدّسوا في الماضي ولا يزالون يقدّسون سخافات يرونها عظائم وبطولات ويخلّدون مواقف يرون فيها فخراً وشرفاً فيما هي وصمة عار في جبينهم الذي لا يندى خجلا لها. إنهم يتغنّون بماض معظمه مآس ومؤامرات ومواقف مخزية وهي لا تحصى ولا تعدّ وهم لا يحسدون عليها. أقول لهم: كفى..إن شعب آزخ وعلى مرّ العصور وتعاقب الحكومات والقادة والمتنفذون على قرار مصيره كان ضحية ولا يزال حتى اليوم وقد قدّم الكثير من الشهداء من أجل الدفاع عن الأرض والعرض دافع عن حق الإنسان في العيش بشرف وكرامة وهو لم يعتد على غيره مثلما فعلتم أنتم وفعل "أبطالكم" مجرمو التاريخ هم لم يدفعوا أرواحهم من أجل نزوة أو حب سيطرة أو القتل لمجرد الرغبة فيه لم يعتدوا على حرمات النساء ويقتلوا الشيوخ ويبقروا بطون الحوامل ويسبوا الفتيات في أبشع صور السبي! فهل لا يجوز الاحتفاء بذكرهم وهم الضحية؟ ويحق لكم وأنتم القتلة والمجرمون أن تحتفلوا بذكرى ميامينكم؟ هم أرادوا فقط أن يعيشوا دون تعديات ليعطوا للحياة حياة أخرى ومن نوع جميل بعيد عن الغزو والنهب والسبي والجشع والكراهية والحقد الديني الأعمى، أرادوا أن يساهموا في عمران المدنية والأرض والإنسان فكان ذلك بالطبع غير سهل بل كاد يكون عسير المنال ولم يستسلموا لليأس فهل لا يحق لنا تكريمهم؟
تكالبت عليهم كل قوى الشر والطغيان الطائفي والعشائري والعنصري قادمة من بلاد بعيدة استجابة لنداء الجهاد من أجل قتل النصارى وكل يطمع في ثمن في هذه الدنيا يناله وثمن إضافي آخر في الآخرة يناله على طبق من ذهب وهو كلّما قتل مسيحياً كلّما زاد أجره في السماء وعلتْ مرتبته عند رب العالمين وتمّ تسجيل اسمه في سجل الخالدين فيها ابداً. هل لمثل هؤلاء يستوجب التكريم والمديح والقداسة؟ ولمن نال من ظلم هذا التعدي الفظ والكافرلا يجوز التكريم بأية حال من الأحوال؟ من أجل هذا صرختُ في وجههم ولا زلتُ أصرخ في وجه كلّ من يمنع عنا تكريم شهدائنا الذين لم يقتلوا بل قُتلوا غدراً وظلماً وعدواناً!
أجل سوف نكتب عن تاريخ بلدتنا (آزخ) هذه البلدة الحبيبة سواء غضب هؤلاء أم لم يغضبوا وسواء أرضاهم عملنا هذا أم لم يرضهم. وكما طاب للمرحوم (ياسر عرفات) قوله: "شاء منْ شاء وأبى منْ أبى" نقول نحن كذلك. نعم سنتغنّى بماضي هؤلاء الرجال الأشداء والشرفاء البواسل الذين لم يعتدوا على النسوة ولم يخطوفهن ولم يقتلوا شيخاً أو يسيؤا لطفل بل هم دافعوا عن بلدتهم هذه دفاع الأبطال وسطّروا سجلا مشرّفاً لنا أن نفخر به ومن المحزن ألا نهتم بذكرهم ونكرّم هذا الذكر ونجلّهم لأنهم كانوا عنوان بقائنا وصمودنا. فالعظيم ليس بالضرورة أن يكون قائد جيش مثل (الآلآي عمر ناجي بك الذي دكّ آزخ البلدة الآمنة بمدفعيته وغيظه وحقده) والشجاع ليس بالضرورة أن يكون فاتحا وغازياً مثل (الأمير الكردي محمد باشا الراوندوزي) الذي سحق بلدة آزخ وقتل قساوستها ورجال دينها والكثير من رجالها بحقد أعمى لا مثيل له في التاريخ والمجاهد ليس الذي يزرع الموت والدمار هنا وهناك بفتاوى الحقد والكراهية ودعوات صريحة بوجوب القتل والتدمير. أجل لم يكن رجالنا من تلك الطرازات فهل لم يكونوا شجعانا وبواسل ومجاهدين؟ إن العظماء من يصنعوا التاريخ على وجه جميل لا من يدمر الوجه الحسن للتاريخ!
لنا إذاً الحق في أن نفخر برجالنا مع أنهم ينحدرون من بلدة لا ذكر لها في التاريخ لقلة عددها ولكونها لم تكن إمارة أو شبيه ذلك فهم عظماء بما صنعوه من خير للإنسانية ومن صلاح للبشرية في نشر تعاليم المحبة والنور لا تعاليم الكراهية والظلم! وأنا أفخر بحق عندما أقرأ سطراً يتحدث عن بلدتي وبطولات رجالها ونسائها فكيف بها مراجع تتحدث عن تفاصيل دقبقة وتأريخات عنها تستحق التوقّف عندها والتقدير وأفخر كذلك لكوني أزخيّ أباً عن جدّ. إن آزخ أعطتنا الكثير وعلّمتنا الكثير وأعطتنا الأمل وداعي الوجود وامتزجت أنفاسنا برائحة الأرض التي اشتعل بارودها طويلا وشربنا من نقاوة مائها الذي قيل إنه يكسب الرجال شجاعة وإقداماً وتنفسّنا هوءاه العليل الذي قيل فيه شعراً وتمّ تفضيل مناخها على مناخ بغداد:
بقردى وبازبدى مصيفٌ ومربعُ ** وعذبٌ يحاكي السلسبيل برودُ
وبغدادُ ما بغدادُ أما مياهها ** فحمّى وأما حرّها فشديدُ.
إن من واجبنا أن ندافع عن حماها وعن ترابها هذا وعن مائها وعن طقسها الجميل وعن مقدساتها التي يربطنا برباط الرحمة مع الآخرين والتواصل لما فيه خير الإنسان. لقد لعبت السياسات الدولية دوراً كبيراً في المصير الذي آلت إليه بلدتنا وغيرها من البلدات المسيحية في عموم تركيا وهو على غرار ما يتم اليوم من تكريد لقرانا في المناطق التي تقع تحت سيطرة الأكراد في العراق إنها نفس الصورة التي حصلت البارحة تتكرّر اليوم وعلى شكلّ أبشع هذه المرة فلا عيون ترى ولا آذان تسمع فالمصالح الدولية هي الأهم ولتمت الشعوب وتكتوي بنيران الحروب!
إنه ليس من السهل علينا أن نرى اليوم مقدساتنا الدينية ودور عباداتنا تهان وتستخدم اسطبلات للدواب أو ثكنات للجيش وهم يبنون للمسلمين المساجد في هذه البلدة! إن الغريب القادم والذي سيطر على كلّ شيء اليوم في آزخ يثبت أركان وجوده ويستميت في البقاء وعلى الإبقاء على هويتها غريبة عما كانت عليه قبل سنوات قليلة. لم يعد لدينا من آزخ سوى بعض صور من الماضي ولم يعد من ذكرياتها غير الذي سجلته أيد أمينة لكنه هو الآخر عبثت به رياح الزمن فبعثرت أوراقه وعلينا أن نعود إلى لملمتها لنعيد كتابتها من جديد بما يليق بمقامها وبما كانت عليه من منزلة تميّزت بالرفعة والشأن!
يكاد الذي يزور آزخ اليوم يسمع من القلة الغريبة التي غيّرت كل معالمها تقول لنا وبصوت مسموع: ما حاولنا فعله منذ سنين طويلة وكان في تلك الأيام ضرباً من المستحيل انظروا إليه فقد صار واقعاً معاشاً. أجل هذا صحيح فما العمل إذاً؟ ألا نعمل شيئاً هو الأسوأ.
صارت تهان مقدساتنا دون حساب أو صرخة شكوى تصدرعنا! صارت تحرق سجلاتنا ويتم التلاعب فيها وتغيّر أسماؤنا وتمحى صورنا من سجلات الحياة في البلدة ونحن ساكتون وصامتون! كان علينا أن نلعن أنفسنا ونعاقبها بدل أن نسكت سكوت الجبناء فلا كرامة لمن يعيش جباناً! تكاد الصورة تكتمل والملامح تظهر والوجود الدخيل يترسخ ويصبح شرعياً ونحن عن كلّ هذا غافلون! إنه لأمرٌ مفزعٌ ومصابٌ جللٌ فشوارع آزخ التي لم يكن كردي ليتجرأ أن يدخلها إلا بقصد المتاجرة والمقايضة صارت الآن تمتليء بهم لا بل أكثر من ذلك فمن تبقى من أهل آزخ الأصليين فيها يعدّ على أصابع اليد الواحدة. لم يتم هذا بالكيف والرغبة الذاتية بل بالتخطيط المنظّم والهادف واليوم تريد تركيا الدخول إلى السوق الأوروبية المشتركة مع كلّ ما فعلته بالأرمن والآشوريين والكلدان والسريان! بل أنها لا تعترف بحصول مثل تلك الجرائم وتنكر ذلك كليّة. بيد أن الأمور تجري بما لا تشتهي السفن فالكونغرس الأمريكي أقرّ حديثاً قانون الإقرار بواقع الجرائم التي حصلت بحق الأرمن في تركيا وهي بهذا تنضم إلى فرنسا والتي نددت منذ زمن بتلك المجازر وأقرت بحقيقة وقوعها وهي من أشد الدول الأوروبية وقوفاً في وجه الموافقة على إنضمام تركيا إلى السوق الأوروبية المشتركة وهذا عين الصواب لقد آن للعالم أن يتحدث عما جرى لا أن يتمّ تضخيم مجازر البوسنة والهرسك ويتم التعتيم الإعلامي التام على مذابح المسيحيين في تركيا والتي سبقتها بعشرات الأعوام!
إلى متى سيكذب العالم على نفسه ويحاول البعض استغباء الناس واللعب على حقائق الواقع لمسخها وإلباسها لبوساً غير واقعيّ؟ إلى متى يظلّ الحقّ ضعيفاً ويظلّ يحتاج إلى قوة لتقرّ به حقاً؟ إلى متى سنظلّ نحن النصارى هدفاً للغير وطعماً لدعواتهم المسمومة؟ إلى متى سنبقى نتفرّج على محنتنا ونعاني من مآسينا دون أن نحرّك ساكناً أو نبدي رغبة في التلاحم والتعاضد والتوحد؟ إن أمة السريان ستظلّ تبكي حالها وتنعي ماضيها إلى ما شاء الله لطالما ظلّ لنا أكثر من رأس واستمرّت أهواء النفس تتغلّب على مكنونات القلب والعقل!
إني حزينٌ لوضع بلدتي آزخ مثلما حزينٌ لوضع أمتي السريانيةّ وأشك في أن يأتي اليوم الذي أرى من جديد ومرة أخرى لها مجداً يعلو وشرفاً نتزيّن به ونرفع رأسنا عاليا بين الأمم! ألا يكفينا أن الرب يسوع المسيح هو الناطق بلغتنا الجميلة والمعظّم لها؟ ألا يدفعنا مثل هذا الشعور إلى غض النظر عن خصوصيات ضيّقة من أجل خدمة الهدف العام؟ سؤالٌ لا أعرف هل سأجد له جواباً يشفي علّتي ويروي ظمأي؟
ألمانيا في 15/9/2005 م
لماذا يحقّ لهم ونحن لأ؟
إذا كان لكلّ شعب أو لأية أمة أو جماعة أن يفخر بماضيه وبما تركه الأجدادُ لهم فمن حقّنا نحن كأبناء آزخ الصامدة أن نفخر وبحقّ بماضي أجدادنا وآبائنا فليس من المعقول أن يكون جانب هذا الافتخار حكراً على أحد، أي أن يسمح لهذا الشعب بالتغنّي بتاريخ الآباء والأجداد وتعظيم مناسباتهم وإكرامها ثم يمنع عن الآخرين حق التمتّع بمثل هذا التعظيم أو التغنّي بعزّة وبطولة هذا الذكر و من ممارسة هذا الحق وهو حق شرعي وهبته السماء وليس بمقدور أحد أن يحتكره لذاته ويمنعه عن غيره!
إن الشعوب أو البيوتات التي سكنت بلدة آزخ (الواقعة في تركيا بالقرب من جزيرة إبن عمر وتسمى اليوم بالتركية إيدل) على مرّ العصور وسائر الدهور كانت تترك بصمات واضحة على مظاهر الحياة في هذه البلدة ومن ثمّ المنطقة وليس في ذلك غرو فإنّ منطقتنا هذه بحكم موقعها كانت مسرحاً لصراعات عرقية وحروب طاحنة وغزوات متعاقبة عبر عصور التاريخ وإنْ لم يكن من المؤكد أن أول من سكن آزخ في عصرنا الحديث هو هذا الشعب أو ذاك فتداخلات التاريخ وهجرة البيوتات وعدم الاستقرار في المنطقة عموماً أضاع الكثير من الجوانب المعرفيّة والاطلاع الدقيق على تنقلات واستقرار أبناء هذه البلدة فالهجرة إليها كانت في أحدى الفترات مستمرة دون انقطاع وهي كانت بالطبع فترة الاستقرار والهدوء والقوة فيما نرى في ظروف أخرى أن الهجرة من البلدة بفعل عوامل القهر والتعدي والمضايقات والحروب صارت نزيفاً بحيث نزح عنها الكثير إلى مناطق قريبة منها وأخرى بعيدة عنها ومن تلك القريبة منها البيوتات التي سكنت في قرى (كوفخ) و(بابقا) و (عميرين) وعمّرتها ثم استقرت فيها ومنها من هاجر إلى العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وغيرها، كما أن بعض الغزوات التي تعرّضت لها البلدة جعلتها مسبيّة فتمّ نقل أعداد من ساكنيها إلى مناطق أخرى في الراوندوز وأرزن الروم والعراق الحالي وحيث كان قديماً يخضع إلى سلطة الفرس شأنه شأن معظم بلدات تلك المناطق في عصور ما قبل الميلاد، وقد ذكرت آزخ (بيت زبداي) في التاريخ النصراني كإحدى أولى البلدات التي نالت الهداية على أيدي الرسل والتلاميذ الذين لم تنقطع زياراتهم التبشيرية إلى تلك المنطقة ونالت بذلك البشارة ودخلها الدين المسيحي في وقت مبكّر.
ظلت آزخ (بازبدى) تتعرّض لأشد أنواع القهر والمضايقات على يدي الفرس عبدة الأوثان وقدمت آزخ ضحايا كثيرة في عهد الاضطهاد الأربعيني الذي دام أربعين عاماً و الذي أعلنه الطاغية سابور ذي الأكتاف واستمرّت الويلات تلاحق آزخ وشعبها على إثر اعتناق أهلها الدين المسيحي وذلك على أيدي الفرس عبدة الأوثان وكانت المحارق التي أعدّها الفرس لإبادة أهل آزخ بسبب الدين الجديد فظيعة وأجبر المؤمنين على ترك دينهم الجديد وهددوا بالموت وكان ذلك السبيل يسيراً عندهم حيث لم ترهبهم كل وسائل العنف التي استعملها الفرس الوثنيون ضدهم وأذاق الله الفرس عقابات كثيرة من جراء هذا الظلم الممارس في حق المسيحيين أهل آزخ فسلّط ناراً أكلت معابد أوثانهم وأرتهم الويل بيد أن كل ذلك لم يوقف تلك المجازر بحق أجدادنا الأوائل ويحق لنا أن نسميّهم بأجدادنا الأوائل لأنهم الذين تركوا لنا من بعدهم فكرة العمل بضرورة الاستمرار ومن صمودهم في وجه ذلك الظلم تعلمنا فيما بعد ذلك أن ندافع برجولة وبسالة ضد الكفرة الجدد الذين أرادوا لشعب آزخ من جديد أن يموت وينتهي أجله لأنه مسيحي!
توجد شواهد تاريخية كثيرة في آزخ على وجود الإنسان القديم ومن الأثار الباقية المغر والكهوف التي تحيط بمواضع من القرية وهي تعطي الدليل القاطع بأن هذه الكهوف كانت المساكن الأولى لهذا الشعب قبل أن يستقر ويسكن البلدة والتي كبرت في إحدى المراحل وبلغ عدد سكانها حوالي العشرين ألف نسمة وكانت حارة الكول إحدى حارات آزخ فيما الآن يفصلها عن البلدة (السقلان) وهو تجمع مائي يكثر ماؤه في الشتاء وكان قد تسبب في مراحل من التاريخ بفيضانات وهو يصب في نهر دجلة الذي يصل إلى الموصل، وبناء العين القديم الذي يعود عهده إلى ما قبل المسيح وقد حاول بعض رجال من آزخ أيام حصار العشائر لآزخ في ما بين الأعوام 1915 - 1918 م تخريب نبع هذه العين كي لا يستفيد منها العدو الكردي الذي حاصرها غير أن محدثي السيد (توما صليبا) قال "لم نتمكن من العثور على النبع الأساسي للعين فهو يذهب إلى عمق الجبل" وأظنه الجبل الأبيض (جبل الأبيظ) على تسمية هلازخ (أهل آزخ) له ويدعى كذلك بوضوح (جبل آزخ) وأكمل"لم نردمه وتركناه لأننا لم نتوصّل إلى نبعه الرئيسي" كما يوجد فيها (اللزج) وهو بيت الصنم أو (بيت الوثن) الذي كان يعبده الفرس. أما عن البعثات الأثرية - الجيولوجية الإيطالية وغيرها فقد عثرت على آثار بعيدة قليلا عن القرية وتوقع أغلب الباحثين أن تكون البلدة قد أقيمت في مكان تلك الأطلال والخرائب ومن جهة آزخ فيما يتجه صوب جزيرة ابن عمر (جزيره بوطان) لم يعثر على أية آثار أو خرائب مما يدلّ على أن المقصود دائماً بقول (بقردى وبازبدى) إنما كان يعني على العموم والأغلب بلدة آزخ (بيت زبداي) وكانت قلعة فنك عاصمة لها كما يجمع على ذلك كل مؤرخي العرب و كانت آزخ أبرشية سريانية لفترة طويلة.
إذاً ليس من المستحيل أن تكون قد قامت هناك في هذه المنطقة حضارات كانت لها عظمة وتواجد و يقال أن سلوقس هو الذي بنى آزخ عندما شرع في بناء العمران والمدن المنتشرة على امتداد رقعة تركيا الحالية اليوم. غير أن الظروف التاريخية والحروب والدمار بفعل عوامل الطبيعة والتخريب البشري المتعمّد قضى على الكثير من تلك الأثار ومظاهر العمران الحضارية.
بكل أسف لم يبق من كل هذا سوى النذر اليسير وهو لم يعد يفي بالغرض ولا يشبع الحاجة للمعرفة ولا زالت البعثات الأوروبية تجري تنقيباتها حول آزخ وإلى أن تعلن عما توصّلت إليه يظلّ الكثير من تاريخها طي الكتمان ومطموراً تحت أتربة التاريخ المتساقطة والمتراكمة لعهود طويلة.
أقول لنا الحق كشعب قل كمجموعة بشرية قل كأقليّة - سمّها ما شئت - أن ننعم بالحياة كغيرنا وأن نعود إلى أرضنا التي سلبت منّا وهجّرنا عتها بقوة السلاح وبالقهر والغصب والترهيب! من حقنا أن تعود لنا مقدساتنا التي ديست بأحذيتهم القذرة عمداً للنيل من قدسية هذه المقدسات وكراماتها لا بل بنيت المساجد الكبيرة في منتصف البلدة بالإستيلاء على الأرض والتي لم يكن لهم فيها شبر واحد تمّ كلّ ذلك بمعونة ومساعدة السلطات التركية تلبية لرغبة الأكثرية الكردية التي تزداد يوماً بعد يوم. لقد تمّ مسح المعالم المسيحية في البلدة وسكّنت فيها عوائل وبيوتات كردية دون وجه حق ودون أن تملك هذه العائلات سندات تملّك لأرض أو موضع. جميع هذه الأمور تجري بالتنسيق بين الكرد والترك وكأن المسيحية هي عدوهم المشترك! من حقنا أن ننعم بدفء شمسنا ونتنفّس هواءنا ونعيش على أرضنا ونسترجع مقدساتنا وأماكن ذكرياتنا التي لا تنسى ولكل موضع ذكرى ولكل غرسة قصة ولكل حارة حكاية نحن ندرك أن الظروف هي أقوى منّا فلسنا أغبياء لنتجاهل كلّ هذا وندرك أيضاً أن العالم ظهرت فيه متغيّرات جديدة وأن الوضع لم يعد كما كان قبل عشرات السنين، لكنْ من حقنا أن نتساءل إلى متى؟ وهل ستبقى الأمور على ما هي عليه الآن إلى ما لا نهاية؟ وهل الذين يطالبون بوجوب عودة فلسطين ويملؤون الدنيا صراخاً من أجل الحصول على هذا الحق يمنعون علينا أن نقول كلمتنا ويرون أنه من الغباء والجهالة أن نطالب مثلهم بعودة حقنا إلينا؟ أم أن المعايير هنا أيضاً تختلف وعملا بمقولة "الحق الذي لا تدعمه القوة يموت"؟ وربما أسوأ من ذلك بأن يقال "الحق الذي لا تدعمه القوة يصير باطلا".
إن ظروف القهر التي كان يتعرض لها أجدادنا كانت في أحيان كثيرة أقوى من إمكانيات تحمّلهم ومن مقدرة ثباتهم فكانت لهذا تقهرهم وتتغلّب عليهم وتشتّتهم لكنْ سرعان ما كانوا يعودون وهم ممتلئين حباً ورغبة وإرادة في بناء جديد وكانوا يفلحون في ذلك وينجحون في خلق ظروف جديدة وتطويع ظروف أخرى لهم وتكييفها مع ضرورات احتياجاتهم. وكم تكررت مثل هذه الصورة لأكثر من مرة فكثيرة هي المرات التي خلت القرية تماماً من ساكنيها لكن سرعان ما كانوا يعودون إليها لأنهم لم يكونوا ليستطيعوا العيش من دونها وهي أيضاً كانت تستأنس بحضورهم وتحبّه لأنه غدا جزءاً منها! بدافع حب الحياة والرغبة في العودة إلى الأرض كانت تتمّ العودة من الشتات ليصير من جديد التشبث بالأرض فهل ستكون لنا في هذا العصر عودة جديدة لنعيش آزخ في أبهى صورة لها؟ إن الرغبة العظيمة في العودة تستقطب جماهير غفيرة من شعبنا الأزخيني والذي يربو عدده على مئات الآلاف من البشر وحيث هم موزعون ومشتتون في ديار الله الواسعة إذ تكاد لا توجد دولة في العالم إلا وفيها من هذا الشعب الأزخيني أحد!
الرجعية الكردية المتعطشة لدم النصارى والشوفينيّة الطورانيّة التركية التي أرادت وانتقاماً من روسيا الأرثوذكسية عملا معاً من أجل الفتك بنصاراها ولعمري مسألة تستحقّ التوقّف عندها وقد جرى مثل هذا تماماً عندما وقعت الحرب القبرصية وقامت تركيا بغزو قبرص وتقسيمها لا أظن لفعل سياسي وإنما لفعل دينيّ وأستطيع أن أؤكد صحة هذه المقولة وذلك في عام 1964 في الحرب الخاطفة التي وقعت بين تركيا الدولة المقتدرة واليونان الدولة الضعيفة و- لم يكن ذلك ليتمّ لولا أن أمريكا غضّت الطرف عن ذلك - لكون تركيا كانت حليفاً رئيسياً لأمريكا في حربها ضد الشيوعية وحيث لها موقع استراتيجي هام على حدود الدولة العظمى روسيا وأرادت تركيا أن تدعم أذربيجان ضد أرمينيا وأيضاً لأسباب دينية قذرة أثناء حرب جزيرة (كاراباخ). في أعقاب هذه الحرب التي شنتها تركيا على قبرص شنت حرباً داخلية في الوقت نفسه على نصاراها بحجة أنهم مع اليونان ولأنهم نصارى فهم محسوبون على اليونان وقتل الكثير من أبناء آزخ وتمّ التعدي السافر وفي وضح النهار على الممتلكات والمزارع والكروم وكل ذلك تحت أنظار ومسمع الحكومة التركية وهو ما طاب للأكراد فعله فهم على حجة أبدية للقضاء على مسيحيي تركيا بأي ثمن وبأية حجة. لقد سبيت الأغنام والمواشي وهي كانت مصدر الرزق ودمرت الكروم والمشاتل والشجريات على اختلاف أنواعها وتمت تصفية الناس والكمين لهم خارج البلدة لاصطيادهم كالعصافير وحين كانت الشكاوى يتم إرسالها أو تقديمها للمسؤولين الأتراك كانت تسجل ضد مجهول أو يلقى بها في أدراج عميقة أو تتلف ويتم تضييعها أو يوضع الحق على المجني عليه ويكافأ الجاني لأنه نفّذ مهمته على أكمل وجه من وجهة نظر الحكومة التركية أو على الأقل الذين كانوا يملكون القرار في تلك المناطق وكان جميعهم يتآمرون مع العشائر الكردية ضد المسيحيين في آزخ.
علينا ألا ننسى وأن نستخلص العبر والدروس من تلك المآسي وألا نسكت بعد اليوم "فالشاة المذبوحة لن يؤلمها السلخ" علينا أن نروي هذا لأولادنا وأحفادنا ليعلموا مدى الضرر الذي لحق بنا من مجمل تلك العملية الإرهابية التصفوية والتي شاركت فيها أطراف متعددة!
لعمري إنها مأساة ومهزلة فحين أقول أن فلاناً أو علاّناً كتب عن تاريخ آزخ وعن مقاومة واستبسال شعبها وبطولاته أو عن جانب من جوانب حياة هذا الشعب الثقافية ترى مناهضاً كردياً يقول (وهو ما لمسناه كثيراً من مثقفينا الأكراد) أو عربياً (عروبيّاً) لا يقبل بغير العروبة ديناً أو مبدأ يصرخ منادياً في وجهي: "ماهذه الشوفينية؟ وماذا كانت آزخ حتى يُكتب عنها؟ وماذا صنع رجالها حتى يتم ذكرهم تخليد هذه الذكرى؟ وغيرها من أسئلة لا تنمّ إلا عن مزيد من الشوفينية والتعصب الأعمى والرغبة الجامحة في سحق الآخر والقضاء على أيّ ذكر له! هنا لا بدّ من التوقّف لأصرخ وبصوت عال وأعلى ممّا صرخوا به قائلا لهم ولأمثالهم من مجرمي التاريخ والقتلة بحق شعبنا المظلوم والذين قدّسوا في الماضي ولا يزالون يقدّسون سخافات يرونها عظائم وبطولات ويخلّدون مواقف يرون فيها فخراً وشرفاً فيما هي وصمة عار في جبينهم الذي لا يندى خجلا لها. إنهم يتغنّون بماض معظمه مآس ومؤامرات ومواقف مخزية وهي لا تحصى ولا تعدّ وهم لا يحسدون عليها. أقول لهم: كفى..إن شعب آزخ وعلى مرّ العصور وتعاقب الحكومات والقادة والمتنفذون على قرار مصيره كان ضحية ولا يزال حتى اليوم وقد قدّم الكثير من الشهداء من أجل الدفاع عن الأرض والعرض دافع عن حق الإنسان في العيش بشرف وكرامة وهو لم يعتد على غيره مثلما فعلتم أنتم وفعل "أبطالكم" مجرمو التاريخ هم لم يدفعوا أرواحهم من أجل نزوة أو حب سيطرة أو القتل لمجرد الرغبة فيه لم يعتدوا على حرمات النساء ويقتلوا الشيوخ ويبقروا بطون الحوامل ويسبوا الفتيات في أبشع صور السبي! فهل لا يجوز الاحتفاء بذكرهم وهم الضحية؟ ويحق لكم وأنتم القتلة والمجرمون أن تحتفلوا بذكرى ميامينكم؟ هم أرادوا فقط أن يعيشوا دون تعديات ليعطوا للحياة حياة أخرى ومن نوع جميل بعيد عن الغزو والنهب والسبي والجشع والكراهية والحقد الديني الأعمى، أرادوا أن يساهموا في عمران المدنية والأرض والإنسان فكان ذلك بالطبع غير سهل بل كاد يكون عسير المنال ولم يستسلموا لليأس فهل لا يحق لنا تكريمهم؟
تكالبت عليهم كل قوى الشر والطغيان الطائفي والعشائري والعنصري قادمة من بلاد بعيدة استجابة لنداء الجهاد من أجل قتل النصارى وكل يطمع في ثمن في هذه الدنيا يناله وثمن إضافي آخر في الآخرة يناله على طبق من ذهب وهو كلّما قتل مسيحياً كلّما زاد أجره في السماء وعلتْ مرتبته عند رب العالمين وتمّ تسجيل اسمه في سجل الخالدين فيها ابداً. هل لمثل هؤلاء يستوجب التكريم والمديح والقداسة؟ ولمن نال من ظلم هذا التعدي الفظ والكافرلا يجوز التكريم بأية حال من الأحوال؟ من أجل هذا صرختُ في وجههم ولا زلتُ أصرخ في وجه كلّ من يمنع عنا تكريم شهدائنا الذين لم يقتلوا بل قُتلوا غدراً وظلماً وعدواناً!
أجل سوف نكتب عن تاريخ بلدتنا (آزخ) هذه البلدة الحبيبة سواء غضب هؤلاء أم لم يغضبوا وسواء أرضاهم عملنا هذا أم لم يرضهم. وكما طاب للمرحوم (ياسر عرفات) قوله: "شاء منْ شاء وأبى منْ أبى" نقول نحن كذلك. نعم سنتغنّى بماضي هؤلاء الرجال الأشداء والشرفاء البواسل الذين لم يعتدوا على النسوة ولم يخطوفهن ولم يقتلوا شيخاً أو يسيؤا لطفل بل هم دافعوا عن بلدتهم هذه دفاع الأبطال وسطّروا سجلا مشرّفاً لنا أن نفخر به ومن المحزن ألا نهتم بذكرهم ونكرّم هذا الذكر ونجلّهم لأنهم كانوا عنوان بقائنا وصمودنا. فالعظيم ليس بالضرورة أن يكون قائد جيش مثل (الآلآي عمر ناجي بك الذي دكّ آزخ البلدة الآمنة بمدفعيته وغيظه وحقده) والشجاع ليس بالضرورة أن يكون فاتحا وغازياً مثل (الأمير الكردي محمد باشا الراوندوزي) الذي سحق بلدة آزخ وقتل قساوستها ورجال دينها والكثير من رجالها بحقد أعمى لا مثيل له في التاريخ والمجاهد ليس الذي يزرع الموت والدمار هنا وهناك بفتاوى الحقد والكراهية ودعوات صريحة بوجوب القتل والتدمير. أجل لم يكن رجالنا من تلك الطرازات فهل لم يكونوا شجعانا وبواسل ومجاهدين؟ إن العظماء من يصنعوا التاريخ على وجه جميل لا من يدمر الوجه الحسن للتاريخ!
لنا إذاً الحق في أن نفخر برجالنا مع أنهم ينحدرون من بلدة لا ذكر لها في التاريخ لقلة عددها ولكونها لم تكن إمارة أو شبيه ذلك فهم عظماء بما صنعوه من خير للإنسانية ومن صلاح للبشرية في نشر تعاليم المحبة والنور لا تعاليم الكراهية والظلم! وأنا أفخر بحق عندما أقرأ سطراً يتحدث عن بلدتي وبطولات رجالها ونسائها فكيف بها مراجع تتحدث عن تفاصيل دقبقة وتأريخات عنها تستحق التوقّف عندها والتقدير وأفخر كذلك لكوني أزخيّ أباً عن جدّ. إن آزخ أعطتنا الكثير وعلّمتنا الكثير وأعطتنا الأمل وداعي الوجود وامتزجت أنفاسنا برائحة الأرض التي اشتعل بارودها طويلا وشربنا من نقاوة مائها الذي قيل إنه يكسب الرجال شجاعة وإقداماً وتنفسّنا هوءاه العليل الذي قيل فيه شعراً وتمّ تفضيل مناخها على مناخ بغداد:
بقردى وبازبدى مصيفٌ ومربعُ ** وعذبٌ يحاكي السلسبيل برودُ
وبغدادُ ما بغدادُ أما مياهها ** فحمّى وأما حرّها فشديدُ.
إن من واجبنا أن ندافع عن حماها وعن ترابها هذا وعن مائها وعن طقسها الجميل وعن مقدساتها التي يربطنا برباط الرحمة مع الآخرين والتواصل لما فيه خير الإنسان. لقد لعبت السياسات الدولية دوراً كبيراً في المصير الذي آلت إليه بلدتنا وغيرها من البلدات المسيحية في عموم تركيا وهو على غرار ما يتم اليوم من تكريد لقرانا في المناطق التي تقع تحت سيطرة الأكراد في العراق إنها نفس الصورة التي حصلت البارحة تتكرّر اليوم وعلى شكلّ أبشع هذه المرة فلا عيون ترى ولا آذان تسمع فالمصالح الدولية هي الأهم ولتمت الشعوب وتكتوي بنيران الحروب!
إنه ليس من السهل علينا أن نرى اليوم مقدساتنا الدينية ودور عباداتنا تهان وتستخدم اسطبلات للدواب أو ثكنات للجيش وهم يبنون للمسلمين المساجد في هذه البلدة! إن الغريب القادم والذي سيطر على كلّ شيء اليوم في آزخ يثبت أركان وجوده ويستميت في البقاء وعلى الإبقاء على هويتها غريبة عما كانت عليه قبل سنوات قليلة. لم يعد لدينا من آزخ سوى بعض صور من الماضي ولم يعد من ذكرياتها غير الذي سجلته أيد أمينة لكنه هو الآخر عبثت به رياح الزمن فبعثرت أوراقه وعلينا أن نعود إلى لملمتها لنعيد كتابتها من جديد بما يليق بمقامها وبما كانت عليه من منزلة تميّزت بالرفعة والشأن!
يكاد الذي يزور آزخ اليوم يسمع من القلة الغريبة التي غيّرت كل معالمها تقول لنا وبصوت مسموع: ما حاولنا فعله منذ سنين طويلة وكان في تلك الأيام ضرباً من المستحيل انظروا إليه فقد صار واقعاً معاشاً. أجل هذا صحيح فما العمل إذاً؟ ألا نعمل شيئاً هو الأسوأ.
صارت تهان مقدساتنا دون حساب أو صرخة شكوى تصدرعنا! صارت تحرق سجلاتنا ويتم التلاعب فيها وتغيّر أسماؤنا وتمحى صورنا من سجلات الحياة في البلدة ونحن ساكتون وصامتون! كان علينا أن نلعن أنفسنا ونعاقبها بدل أن نسكت سكوت الجبناء فلا كرامة لمن يعيش جباناً! تكاد الصورة تكتمل والملامح تظهر والوجود الدخيل يترسخ ويصبح شرعياً ونحن عن كلّ هذا غافلون! إنه لأمرٌ مفزعٌ ومصابٌ جللٌ فشوارع آزخ التي لم يكن كردي ليتجرأ أن يدخلها إلا بقصد المتاجرة والمقايضة صارت الآن تمتليء بهم لا بل أكثر من ذلك فمن تبقى من أهل آزخ الأصليين فيها يعدّ على أصابع اليد الواحدة. لم يتم هذا بالكيف والرغبة الذاتية بل بالتخطيط المنظّم والهادف واليوم تريد تركيا الدخول إلى السوق الأوروبية المشتركة مع كلّ ما فعلته بالأرمن والآشوريين والكلدان والسريان! بل أنها لا تعترف بحصول مثل تلك الجرائم وتنكر ذلك كليّة. بيد أن الأمور تجري بما لا تشتهي السفن فالكونغرس الأمريكي أقرّ حديثاً قانون الإقرار بواقع الجرائم التي حصلت بحق الأرمن في تركيا وهي بهذا تنضم إلى فرنسا والتي نددت منذ زمن بتلك المجازر وأقرت بحقيقة وقوعها وهي من أشد الدول الأوروبية وقوفاً في وجه الموافقة على إنضمام تركيا إلى السوق الأوروبية المشتركة وهذا عين الصواب لقد آن للعالم أن يتحدث عما جرى لا أن يتمّ تضخيم مجازر البوسنة والهرسك ويتم التعتيم الإعلامي التام على مذابح المسيحيين في تركيا والتي سبقتها بعشرات الأعوام!
إلى متى سيكذب العالم على نفسه ويحاول البعض استغباء الناس واللعب على حقائق الواقع لمسخها وإلباسها لبوساً غير واقعيّ؟ إلى متى يظلّ الحقّ ضعيفاً ويظلّ يحتاج إلى قوة لتقرّ به حقاً؟ إلى متى سنظلّ نحن النصارى هدفاً للغير وطعماً لدعواتهم المسمومة؟ إلى متى سنبقى نتفرّج على محنتنا ونعاني من مآسينا دون أن نحرّك ساكناً أو نبدي رغبة في التلاحم والتعاضد والتوحد؟ إن أمة السريان ستظلّ تبكي حالها وتنعي ماضيها إلى ما شاء الله لطالما ظلّ لنا أكثر من رأس واستمرّت أهواء النفس تتغلّب على مكنونات القلب والعقل!
إني حزينٌ لوضع بلدتي آزخ مثلما حزينٌ لوضع أمتي السريانيةّ وأشك في أن يأتي اليوم الذي أرى من جديد ومرة أخرى لها مجداً يعلو وشرفاً نتزيّن به ونرفع رأسنا عاليا بين الأمم! ألا يكفينا أن الرب يسوع المسيح هو الناطق بلغتنا الجميلة والمعظّم لها؟ ألا يدفعنا مثل هذا الشعور إلى غض النظر عن خصوصيات ضيّقة من أجل خدمة الهدف العام؟ سؤالٌ لا أعرف هل سأجد له جواباً يشفي علّتي ويروي ظمأي؟
ألمانيا في 15/9/2005 م