fouadzadieke
18-06-2026, 06:19 PM
ظِلَالُ الجَدَائِلِ: بَيْنَ فَلْسَفَةِ الذَّاتِ وَأَصْدَاءِ المَاضِي: رُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ وَحِوَارِيَّةٌ مُعَمَّقَةٌ
بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالشَّاعِرِ: فُؤَاد زَادِيكِي
مُقَدِّمَةٌ: المَكَانَةُ النَّفْسِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ لِشَعْرِ المَرْأَةِ
تَبْدَأُ القِرَاءَةُ السِّيكُولُوجِيَّةُ لِجَسَدِ المَرْأَةِ مِنْ نُقْطَةٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ، حَيْثُ يَحْتَلُّ الشَّعْرُ مَكَانَةً عَمِيقَةً فِي الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ وَالثَّقَافَةِ المُجْتَمَعِيَّةِ. فالشَّعْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلَايَا كِيرَاتِينِيَّةٍ تَنْمُو، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ حَيٌّ لِلْهُوِيَّةِ، وَمِرْآةٌ صَافِيَةٌ لِلْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَأَدَاةٌ تَعْبِيرِيَّةٌ صَامِتَةٌ لِلأُنُوثَةِ البَاحِثَةِ عَنْ تَجَلِّيَاتِهَا.
وَيُمْكِنُ تَفْصِيلُ هَذِهِ المَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ عَبْرَ ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ جَوْهَرِيَّةٍ:
الارْتِبَاطُ النَّفْسِيُّ وَصُورَةُ الذَّاتِ:
يُعَدُّ الشَّعْرُ تَاجَ الأُنُوثَةِ وَرَمْزَ الجَاذِبِيَّةِ، إِذِ ارْتَبَطَ تَارِيخِيًّا وَعَالَمِيًّا بِمَفَاهِيمِ الخُصُوبَةِ وَالشَّبَابِ. وَتَمْنَحُ العِنَايَةُ بِهِ المَرْأَةَ شُعُورًا بِالثِّقَةِ وَالرِّضَا النَّفْسِيِّ. كَمَا أَنَّهُ يُمَثِّلُ أَحَدَ أَجْزَاءِ الجَسَدِ القَلِيلَةِ، الَّتِي تَمْلِكُ المَرْأَةُ قُدْرَةً كَامِلَةً عَلَى التَّحَكُّمِ فِيهَا وَتَغْيِيرِهَا (بِالقَصِّ، أَوِ الصَّبْغِ، أَوِ التَّسْرِيحِ). وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي تَشْعُرُ فِيهَا المَرْأَةُ بِالضَّغْطِ النَّفْسِيِّ أَوْ فِقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى ظُرُوفِ حَيَاتِهَا، قَدْ تَلْجَأُ لِتَغْيِيرِ مَظْهَرِ شَعْرِهَا كَإِعْلَانٍ لِبِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَ المَفْهُومُ اليَوْمِيُّ لِارْتِبَاطِ المِزَاجِ بِحَالَةِ الشَّعْرِ، فَحِينَمَا يَكُونُ الشَّعْرُ مُرَتَّبًا، يَنْعَكِسُ ذَلِكَ إِيجَابًا عَلَى الطَّاقَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ.
البُعْدُ الاجْتِمَاعِيُّ وَالرَّمْزِيُّ:
الشَّعْرُ لُغَةٌ تَعْبِيرِيَّةٌ صَامِتَةٌ، يُعَبِّرُ عَنِ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ كَلَامٍ. فَالتَّسْرِيحَةُ الجَرِيئَةُ أَوِ المَأْلُوفَةُ تُوصِلُ رَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةً لِلْمُجْتَمَعِ حَوْلَ هُوِيَّةِ المَرْأَةِ وَتَوَجُّهَاتِهَا. هَذَا الإِرْثُ رَسَّخَ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ أَنَّ عِنَايَةَ المَرْأَةِ بِشَعْرِهَا هِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مَكَانَتِهَا الاجْتِمَاعِيَّةِ.
الشَّعْرُ كَجُزْءٍ ظَاهِرٍ يَعْكِسُ الأُنُوثَةَ:
يَقَعُ الشَّعْرُ فِي مِنْطَقَةِ الوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَهِيَ خَطُّ المُوَاجَهَةِ الأَوَّلِ فِي التَّوَاصُلِ البَشَرِيِّ. وَعَلَى عَكْسِ المَعَايِيرِ الجَسَدِيَّةِ الأُخْرَى الَّتِي تَخْضَعُ لِلْجِينَاتِ أَوْ تُغَطَّى بِالمَلَابِسِ، يَظَلُّ الشَّعْرُ هُوَ الإِطَارَ الحَيَّ، الَّذِي يُبْرِزُ مَلَامِحَ الوَجْهِ، وَيَعْكِسُ العِنَايَةَ بِالذَّاتِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الظَّاهِرَةِ.
ثُنَائِيَّةُ المَظْهَرِ وَالمَخْبَرِ:
شَعْرُ المَرْأَةِ فِي الشِّعْرِ العَرَبِيِّ
عِنْدَ المُقَارَبَةِ الأَدَبِيَّةِ لِهَذَا المَوْضُوعِ، نَجِدُ تَحَوُّلًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ النَّظْرَةِ الفَنِّيَّةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ وَالتَّنَاوُلِ الشِّعْرِيِّ الحَدِيثِ:
أَوَّلاً: الوَصْفُ الجَمَالِيُّ الخَارِجِيُّ فِي الشِّعْرِ الكِلَاسِيكِيِّ
لَقَدْ كَانَ الشَّاعِرُ العَرَبِيُّ القَدِيمُ ابْنَ بِيئَتِهِ الحِسِّيَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى جَمَالِ المَرْأَةِ مِنْ خِلَالِ أَدَوَاتِ الوَصْفِ المَادِّيِّ المُبَاشِرِ. فَلَمْ يَكُنْ يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ مَا يَعْنِيهِ الشَّعْرُ لِلْمَرْأَةِ نَفْسِهَا، بَلْ رَآهُ "مَوْضُوعًا لِلْجَمَالِ" الخَارِجِيِّ، وَتَمَحْوَرَ غَزَلُهُ حَوْلَ:
اللَّوْنِ وَالقَتَامَةِ: حَيْثُ شُبِّهَ سَوَادُ الشَّعْرِ بِاللَّيْلِ الدَّامِسِ، كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
الطُّولِ وَالكَثَافَةِ: إِذْ كَانَ الطُّولُ رَمْزًا لِلْوَفْرَةِ وَالصِّحَّةِ، فَتَغَنَّوْا بِالذَّوَائِبِ وَالْجَدَائِلِ المُنْسَابَةِ عَلَى الظَّهْرِ.
الحَرَكَةِ وَالرَّائِحَةِ: بِوَصْفِ تَمَوُّجِ الشَّعْرِ وَضُوعِ المِسْكِ وَالطِّيبِ مِنْهُ عِنْدَ الحَرَكَةِ.
ثَانِيًا: البُعْدُ النَّفْسِيُّ وَالرَّمْزِيُّ فِي الشِّعْرِ الحَدِيثِ
أَمَّا الشِّعْرُ العَرَبِيُّ الحَدِيثُ، فَقَدْ أَحْدَثَ ثَوْرَةً نَقْدِيَّةً، حَيْثُ تَحَوَّلَ شَعْرُ المَرْأَةِ إِلَى رَمْزٍ مُكَثَّفٍ يَعْكِسُ الحَالَةَ النَّفْسِيَّةَ، وَالسِّيَاسِيَّةَ، وَالوُجُودِيَّةَ:
مِرْآةٌ لِلْمِزَاجِ وَالعَاطِفَةِ: لَمْ يَعُدِ الشَّعْرُ لَيْلًا ثَابِثًا، بَلْ أَصْبَحَ يَحْزَنُ وَيَثُورُ. يَقُولُ نِزَار قَبَّانِي:
«شَعْرُكِ الطَّوِيلُ.. حِينَ يَلْهَثُ.. يَعْرَقُ.. يَتْعَبُ.. يَسْقُطُ خَيْبَةً عَلَى نَهْدَيْكِ..»
فَهُنَا إِسْقَاطٌ نَفْسِيٌّ لِلْخَيْبَةِ وَالتَّعَبِ عَلَى حَرَكَةِ الشَّعْرِ.
رَمْزِيَّةُ التَّحَرُّرِ وَالتَّمَرُّدِ: ارْتَبَطَ قَصُّ الشَّعْرِ أَوْ إِطْلَاقُهُ عَفْوِيًّا بِرَفْضِ القُيُودِ التَّقْلِيدِيَّةِ، فَأَصْبَحَ الشَّعْرُ المُتَطَايِرُ دَلِيلَ الحُرِّيَّةِ وَالانْعِتَاقِ.
البُعْدُ الوُجُودِيُّ وَالمَكَانِيُّ: حَوَّلَ شُعَرَاءُ مِثْلُ مَحْمُود دَرْوِيش وَبَدْر شَاكِر السَّيَّاب شَعْرَ المَرْأَةِ إِلَى "وَطَنٍ" أَوْ "مَلْجَأٍ" أَوْ "غَابَةٍ" يَضِيعُ فِيهَا الشَّاعِرُ هَرَباً مِنْ صَقِيعِ الغُرْبَةِ.
جَانِبُ الحِوَارِ: مَوْقِفٌ نَبِيلٌ وَرُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ مُعَاصِرَةٌ
فِي سِيَاقِ هَذَا الإِبْحَارِ الفِكْرِيِّ، يبْرَزَ مَوْقِفٌ شَخْصِيٌّ حَيٌّ مَثَّلَ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِفَلْسَفَةِ الحُرِّيَّةِ وَتَجَاوُزِ النَّظْرَةِ الحِسِّيَّةِ الضَّيِّقَةِ. أرْوِيهَا كشاعِرٍ تَجْرِبَةً مِنْ مَرْحَلَةِ خِطُوبَتِي لِزَوْجَتِي الحَالِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتْ تَسْكُنُ بَعِيدًا عَنّي فِي مَدِينَةِ "القَامِشْلِي" (بِمُحَافَظَةِ الحَسَكَةِ السُّورِيَّةِ)، بَيْنَمَا كُنتُ أسْكُنُ فِي مَدِينَةِ "دِيرِيك" الَّتِي تَبْعَدُ عَنْهَا نَحْوَ مِائَةِ كِيلُومِتْرٍ.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، أَرَادَتِ خَطِيبَتِي قَصَّ شَعْرِهَا، فَسَأَلَتْنِي عَنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ، وَهَلْ أُوَافِقُهَا عَلَى هَذِهِ الخُطْوَةِ أَمْ لَا؟ وَهُنَا، لَمْ تَكُنْ إِجَابَتِي كشَاعِرِ إِجَابَةً تَقْلِيدِيَّةً تَنْطَلِقُ مِنْ رَغْبَةِ الرَّجُلِ فِي فَرْضِ شُرُوطِهِ الجَمَالِيَّةِ، أَوْ رَغْبَةِ الشَّاعِرِ الَّذِي يَعْشَقُ التَّغَزُّلَ بِالشَّعْرِ الطَّوِيلِ، بَلْ نَظَرْتُ إِلَى المَسْأَلَةِ مِنْ مَنْظُورِ الحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالاحْتِرَامِ النَّفْسِيِّ الكَامِلِ، فَجَاءَ جَوَابِي الحَكِيمُ:
«أَنْتِ حُرَّةٌ فِي فِعْلِ ذَلِكَ، فَالشَّعْرُ شَعْرٌ، وَإِنْ قَصَصْتِهِ اليَوْمَ فَسَوْفَ يَطُولُ غَداً».
>
التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ وَالقِيمِيُّ لِلْمَوْقِفِ
إِنَّ هَذَا الجَوَابَ، الذي ارَاهُ مَوضُوعِيًّا ومَنْطِقِيًّا إلَى حَدٍّ بَعِدٍ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَبْعَادًا نَفْسِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً بَالِغَةَ العُمْقِ، لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَفِي ظِلِّ المَسَافَةِ الجُغْرَافِيَّةِ، الَّتِي كَانَتْ تَفْصِلُ بَيْنَ المَدِينَتَيْنِ. وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ هَذَا مَوْقِفِي هَذَا مِنْ خِلَالِ الدَّلَالَاتِ التَّالِيَةِ:
مَنْحُ الأَمَانِ وَالثِّقَةِ: ففِي مَرْحَلَةِ الخِطُوبَةِ، تَقَعُ كَثِيرٌ مِنَ الفَتَيَاتِ تَحْتَ وَطْأَةِ الخَوْفِ مِنْ عَدَمِ نَيْلِ رِضَا الشَّرِيكِ أَوْ إِغْضَابِهِ. وَكَانَ سُؤَالُ خَطِيْبَتِي، يَحْمِلُ رَغْبَةً ضِمْنِيَّةً فِي اسْتِكْشَافِ حُدُودِ مِسَاحَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ مَعِي. فَجَاءَ جَوَابِي لِيَمْنَحَهَا أَمَانًا نَفْسِيًّا مُطْلَقًا، مُؤَكِّدًا لَهَا أَنَّ قِيمَتَهَا الإِنْسَانِيَّةَ لَدَيّ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ مَظْهَرِيٍّ مُتَغَيِّرٍ.
انْتِصَارُ الحُرِّيَّةِ الفِكْرِيَّةِ عَلَى الأَنَانِيَّةِ العَاطِفِيَّةِ: أَنْ أتَنَازَلَ كَشَاعِرُ – بِطَبِيعَتِهِ المَفْطُورَةِ عَلَى تَقْدِيسِ الجَمَالِ الحِسِّيِّ وَالتَّعَلُّقِ بِتَفَاصِيلِهِ كَالشَّعْرِ الطَّوِيلِ– عَنْ شَرْطِي الفَنِّيِّ لِصَالِحِ "الحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ" لِشَرِيكَتِي، هُوَ انْتِصَارٌ فِكْرِيٌّ نَبِيلٌ. لَقَدْ قَدَّمْتُ احْتِرَامَ ذَاتِهَا وَاسْتِقْلَالِيَّةَ قَرَارِهَا عَلَى رَغْبَتِي الفَنِّيَّةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ.
الحِكْمَةُ وَالنَّظْرَةُ المُرِنَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ: تَعْكِسُ عِبَارَةُ "وَإِنْ قَصَصْتِهِ اليَوْمَ فَسَوْفَ يَطُولُ غَداً" بِرَأيِي فَهْمًا عَمِيقًا لِطَبِيعَةِ الحَيَاةِ وَتَحَوُّلَاتِهَا. فَالظَّوَاهِرُ المَادِّيَّةُ تَتَغَيَّرُ وَتُعَوَّضُ، أَمَّا فَرْضُ القُيُودِ وَكَسْرُ الخَوَاطِرِ فَهُوَ مَا لَا يَزُولُ أَثَرُهُ السَّيِّئُ مِنَ النَّفْسِ بَسُهُولَةٍ.
إِنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ الوَاقِعِيَّةَ تُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ عِنْدَمَا تَجِدُ الدَّعْمَ النَّفْسِيَّ وَالقَبُولَ غَيْرَ المَشْرُوطِ لِحُرِّيَّتِهَا وَلِتَغَيُّرَاتِ مَظْهَرِهَا مِنْ شَرِيكِ حَيَاتِهَا، تَزْدَادُ وُثُوقاً بِنَفْسِهَا وَبِالعَلَاقَةِ الَّتِي تَجْمَعُهُمَا. لَقَدْ تَجَلَّى مَوْقِفِي ذَاكَ بِوَصْفِهِ إِنْسَانِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَاعِرٍ يَعْشُقُ الجَمَالَ وَيَتَغَنَّى بِهِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ تَقْدِيرَ الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ هُوَ الرَّكِيزَةُ الأُولَى لِبِنَاءِ العَلَاقَاتِ الرَّاقِيَةِ، الَّتِي تَدُومُ وَتُزْهِرُ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ.
بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالشَّاعِرِ: فُؤَاد زَادِيكِي
مُقَدِّمَةٌ: المَكَانَةُ النَّفْسِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ لِشَعْرِ المَرْأَةِ
تَبْدَأُ القِرَاءَةُ السِّيكُولُوجِيَّةُ لِجَسَدِ المَرْأَةِ مِنْ نُقْطَةٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ، حَيْثُ يَحْتَلُّ الشَّعْرُ مَكَانَةً عَمِيقَةً فِي الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ وَالثَّقَافَةِ المُجْتَمَعِيَّةِ. فالشَّعْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلَايَا كِيرَاتِينِيَّةٍ تَنْمُو، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ حَيٌّ لِلْهُوِيَّةِ، وَمِرْآةٌ صَافِيَةٌ لِلْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَأَدَاةٌ تَعْبِيرِيَّةٌ صَامِتَةٌ لِلأُنُوثَةِ البَاحِثَةِ عَنْ تَجَلِّيَاتِهَا.
وَيُمْكِنُ تَفْصِيلُ هَذِهِ المَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ عَبْرَ ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ جَوْهَرِيَّةٍ:
الارْتِبَاطُ النَّفْسِيُّ وَصُورَةُ الذَّاتِ:
يُعَدُّ الشَّعْرُ تَاجَ الأُنُوثَةِ وَرَمْزَ الجَاذِبِيَّةِ، إِذِ ارْتَبَطَ تَارِيخِيًّا وَعَالَمِيًّا بِمَفَاهِيمِ الخُصُوبَةِ وَالشَّبَابِ. وَتَمْنَحُ العِنَايَةُ بِهِ المَرْأَةَ شُعُورًا بِالثِّقَةِ وَالرِّضَا النَّفْسِيِّ. كَمَا أَنَّهُ يُمَثِّلُ أَحَدَ أَجْزَاءِ الجَسَدِ القَلِيلَةِ، الَّتِي تَمْلِكُ المَرْأَةُ قُدْرَةً كَامِلَةً عَلَى التَّحَكُّمِ فِيهَا وَتَغْيِيرِهَا (بِالقَصِّ، أَوِ الصَّبْغِ، أَوِ التَّسْرِيحِ). وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي تَشْعُرُ فِيهَا المَرْأَةُ بِالضَّغْطِ النَّفْسِيِّ أَوْ فِقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى ظُرُوفِ حَيَاتِهَا، قَدْ تَلْجَأُ لِتَغْيِيرِ مَظْهَرِ شَعْرِهَا كَإِعْلَانٍ لِبِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَ المَفْهُومُ اليَوْمِيُّ لِارْتِبَاطِ المِزَاجِ بِحَالَةِ الشَّعْرِ، فَحِينَمَا يَكُونُ الشَّعْرُ مُرَتَّبًا، يَنْعَكِسُ ذَلِكَ إِيجَابًا عَلَى الطَّاقَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ.
البُعْدُ الاجْتِمَاعِيُّ وَالرَّمْزِيُّ:
الشَّعْرُ لُغَةٌ تَعْبِيرِيَّةٌ صَامِتَةٌ، يُعَبِّرُ عَنِ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ كَلَامٍ. فَالتَّسْرِيحَةُ الجَرِيئَةُ أَوِ المَأْلُوفَةُ تُوصِلُ رَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةً لِلْمُجْتَمَعِ حَوْلَ هُوِيَّةِ المَرْأَةِ وَتَوَجُّهَاتِهَا. هَذَا الإِرْثُ رَسَّخَ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ أَنَّ عِنَايَةَ المَرْأَةِ بِشَعْرِهَا هِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مَكَانَتِهَا الاجْتِمَاعِيَّةِ.
الشَّعْرُ كَجُزْءٍ ظَاهِرٍ يَعْكِسُ الأُنُوثَةَ:
يَقَعُ الشَّعْرُ فِي مِنْطَقَةِ الوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَهِيَ خَطُّ المُوَاجَهَةِ الأَوَّلِ فِي التَّوَاصُلِ البَشَرِيِّ. وَعَلَى عَكْسِ المَعَايِيرِ الجَسَدِيَّةِ الأُخْرَى الَّتِي تَخْضَعُ لِلْجِينَاتِ أَوْ تُغَطَّى بِالمَلَابِسِ، يَظَلُّ الشَّعْرُ هُوَ الإِطَارَ الحَيَّ، الَّذِي يُبْرِزُ مَلَامِحَ الوَجْهِ، وَيَعْكِسُ العِنَايَةَ بِالذَّاتِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الظَّاهِرَةِ.
ثُنَائِيَّةُ المَظْهَرِ وَالمَخْبَرِ:
شَعْرُ المَرْأَةِ فِي الشِّعْرِ العَرَبِيِّ
عِنْدَ المُقَارَبَةِ الأَدَبِيَّةِ لِهَذَا المَوْضُوعِ، نَجِدُ تَحَوُّلًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ النَّظْرَةِ الفَنِّيَّةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ وَالتَّنَاوُلِ الشِّعْرِيِّ الحَدِيثِ:
أَوَّلاً: الوَصْفُ الجَمَالِيُّ الخَارِجِيُّ فِي الشِّعْرِ الكِلَاسِيكِيِّ
لَقَدْ كَانَ الشَّاعِرُ العَرَبِيُّ القَدِيمُ ابْنَ بِيئَتِهِ الحِسِّيَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى جَمَالِ المَرْأَةِ مِنْ خِلَالِ أَدَوَاتِ الوَصْفِ المَادِّيِّ المُبَاشِرِ. فَلَمْ يَكُنْ يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ مَا يَعْنِيهِ الشَّعْرُ لِلْمَرْأَةِ نَفْسِهَا، بَلْ رَآهُ "مَوْضُوعًا لِلْجَمَالِ" الخَارِجِيِّ، وَتَمَحْوَرَ غَزَلُهُ حَوْلَ:
اللَّوْنِ وَالقَتَامَةِ: حَيْثُ شُبِّهَ سَوَادُ الشَّعْرِ بِاللَّيْلِ الدَّامِسِ، كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
الطُّولِ وَالكَثَافَةِ: إِذْ كَانَ الطُّولُ رَمْزًا لِلْوَفْرَةِ وَالصِّحَّةِ، فَتَغَنَّوْا بِالذَّوَائِبِ وَالْجَدَائِلِ المُنْسَابَةِ عَلَى الظَّهْرِ.
الحَرَكَةِ وَالرَّائِحَةِ: بِوَصْفِ تَمَوُّجِ الشَّعْرِ وَضُوعِ المِسْكِ وَالطِّيبِ مِنْهُ عِنْدَ الحَرَكَةِ.
ثَانِيًا: البُعْدُ النَّفْسِيُّ وَالرَّمْزِيُّ فِي الشِّعْرِ الحَدِيثِ
أَمَّا الشِّعْرُ العَرَبِيُّ الحَدِيثُ، فَقَدْ أَحْدَثَ ثَوْرَةً نَقْدِيَّةً، حَيْثُ تَحَوَّلَ شَعْرُ المَرْأَةِ إِلَى رَمْزٍ مُكَثَّفٍ يَعْكِسُ الحَالَةَ النَّفْسِيَّةَ، وَالسِّيَاسِيَّةَ، وَالوُجُودِيَّةَ:
مِرْآةٌ لِلْمِزَاجِ وَالعَاطِفَةِ: لَمْ يَعُدِ الشَّعْرُ لَيْلًا ثَابِثًا، بَلْ أَصْبَحَ يَحْزَنُ وَيَثُورُ. يَقُولُ نِزَار قَبَّانِي:
«شَعْرُكِ الطَّوِيلُ.. حِينَ يَلْهَثُ.. يَعْرَقُ.. يَتْعَبُ.. يَسْقُطُ خَيْبَةً عَلَى نَهْدَيْكِ..»
فَهُنَا إِسْقَاطٌ نَفْسِيٌّ لِلْخَيْبَةِ وَالتَّعَبِ عَلَى حَرَكَةِ الشَّعْرِ.
رَمْزِيَّةُ التَّحَرُّرِ وَالتَّمَرُّدِ: ارْتَبَطَ قَصُّ الشَّعْرِ أَوْ إِطْلَاقُهُ عَفْوِيًّا بِرَفْضِ القُيُودِ التَّقْلِيدِيَّةِ، فَأَصْبَحَ الشَّعْرُ المُتَطَايِرُ دَلِيلَ الحُرِّيَّةِ وَالانْعِتَاقِ.
البُعْدُ الوُجُودِيُّ وَالمَكَانِيُّ: حَوَّلَ شُعَرَاءُ مِثْلُ مَحْمُود دَرْوِيش وَبَدْر شَاكِر السَّيَّاب شَعْرَ المَرْأَةِ إِلَى "وَطَنٍ" أَوْ "مَلْجَأٍ" أَوْ "غَابَةٍ" يَضِيعُ فِيهَا الشَّاعِرُ هَرَباً مِنْ صَقِيعِ الغُرْبَةِ.
جَانِبُ الحِوَارِ: مَوْقِفٌ نَبِيلٌ وَرُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ مُعَاصِرَةٌ
فِي سِيَاقِ هَذَا الإِبْحَارِ الفِكْرِيِّ، يبْرَزَ مَوْقِفٌ شَخْصِيٌّ حَيٌّ مَثَّلَ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِفَلْسَفَةِ الحُرِّيَّةِ وَتَجَاوُزِ النَّظْرَةِ الحِسِّيَّةِ الضَّيِّقَةِ. أرْوِيهَا كشاعِرٍ تَجْرِبَةً مِنْ مَرْحَلَةِ خِطُوبَتِي لِزَوْجَتِي الحَالِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتْ تَسْكُنُ بَعِيدًا عَنّي فِي مَدِينَةِ "القَامِشْلِي" (بِمُحَافَظَةِ الحَسَكَةِ السُّورِيَّةِ)، بَيْنَمَا كُنتُ أسْكُنُ فِي مَدِينَةِ "دِيرِيك" الَّتِي تَبْعَدُ عَنْهَا نَحْوَ مِائَةِ كِيلُومِتْرٍ.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، أَرَادَتِ خَطِيبَتِي قَصَّ شَعْرِهَا، فَسَأَلَتْنِي عَنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ، وَهَلْ أُوَافِقُهَا عَلَى هَذِهِ الخُطْوَةِ أَمْ لَا؟ وَهُنَا، لَمْ تَكُنْ إِجَابَتِي كشَاعِرِ إِجَابَةً تَقْلِيدِيَّةً تَنْطَلِقُ مِنْ رَغْبَةِ الرَّجُلِ فِي فَرْضِ شُرُوطِهِ الجَمَالِيَّةِ، أَوْ رَغْبَةِ الشَّاعِرِ الَّذِي يَعْشَقُ التَّغَزُّلَ بِالشَّعْرِ الطَّوِيلِ، بَلْ نَظَرْتُ إِلَى المَسْأَلَةِ مِنْ مَنْظُورِ الحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالاحْتِرَامِ النَّفْسِيِّ الكَامِلِ، فَجَاءَ جَوَابِي الحَكِيمُ:
«أَنْتِ حُرَّةٌ فِي فِعْلِ ذَلِكَ، فَالشَّعْرُ شَعْرٌ، وَإِنْ قَصَصْتِهِ اليَوْمَ فَسَوْفَ يَطُولُ غَداً».
>
التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ وَالقِيمِيُّ لِلْمَوْقِفِ
إِنَّ هَذَا الجَوَابَ، الذي ارَاهُ مَوضُوعِيًّا ومَنْطِقِيًّا إلَى حَدٍّ بَعِدٍ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَبْعَادًا نَفْسِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً بَالِغَةَ العُمْقِ، لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَفِي ظِلِّ المَسَافَةِ الجُغْرَافِيَّةِ، الَّتِي كَانَتْ تَفْصِلُ بَيْنَ المَدِينَتَيْنِ. وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ هَذَا مَوْقِفِي هَذَا مِنْ خِلَالِ الدَّلَالَاتِ التَّالِيَةِ:
مَنْحُ الأَمَانِ وَالثِّقَةِ: ففِي مَرْحَلَةِ الخِطُوبَةِ، تَقَعُ كَثِيرٌ مِنَ الفَتَيَاتِ تَحْتَ وَطْأَةِ الخَوْفِ مِنْ عَدَمِ نَيْلِ رِضَا الشَّرِيكِ أَوْ إِغْضَابِهِ. وَكَانَ سُؤَالُ خَطِيْبَتِي، يَحْمِلُ رَغْبَةً ضِمْنِيَّةً فِي اسْتِكْشَافِ حُدُودِ مِسَاحَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ مَعِي. فَجَاءَ جَوَابِي لِيَمْنَحَهَا أَمَانًا نَفْسِيًّا مُطْلَقًا، مُؤَكِّدًا لَهَا أَنَّ قِيمَتَهَا الإِنْسَانِيَّةَ لَدَيّ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ مَظْهَرِيٍّ مُتَغَيِّرٍ.
انْتِصَارُ الحُرِّيَّةِ الفِكْرِيَّةِ عَلَى الأَنَانِيَّةِ العَاطِفِيَّةِ: أَنْ أتَنَازَلَ كَشَاعِرُ – بِطَبِيعَتِهِ المَفْطُورَةِ عَلَى تَقْدِيسِ الجَمَالِ الحِسِّيِّ وَالتَّعَلُّقِ بِتَفَاصِيلِهِ كَالشَّعْرِ الطَّوِيلِ– عَنْ شَرْطِي الفَنِّيِّ لِصَالِحِ "الحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ" لِشَرِيكَتِي، هُوَ انْتِصَارٌ فِكْرِيٌّ نَبِيلٌ. لَقَدْ قَدَّمْتُ احْتِرَامَ ذَاتِهَا وَاسْتِقْلَالِيَّةَ قَرَارِهَا عَلَى رَغْبَتِي الفَنِّيَّةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ.
الحِكْمَةُ وَالنَّظْرَةُ المُرِنَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ: تَعْكِسُ عِبَارَةُ "وَإِنْ قَصَصْتِهِ اليَوْمَ فَسَوْفَ يَطُولُ غَداً" بِرَأيِي فَهْمًا عَمِيقًا لِطَبِيعَةِ الحَيَاةِ وَتَحَوُّلَاتِهَا. فَالظَّوَاهِرُ المَادِّيَّةُ تَتَغَيَّرُ وَتُعَوَّضُ، أَمَّا فَرْضُ القُيُودِ وَكَسْرُ الخَوَاطِرِ فَهُوَ مَا لَا يَزُولُ أَثَرُهُ السَّيِّئُ مِنَ النَّفْسِ بَسُهُولَةٍ.
إِنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ الوَاقِعِيَّةَ تُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ عِنْدَمَا تَجِدُ الدَّعْمَ النَّفْسِيَّ وَالقَبُولَ غَيْرَ المَشْرُوطِ لِحُرِّيَّتِهَا وَلِتَغَيُّرَاتِ مَظْهَرِهَا مِنْ شَرِيكِ حَيَاتِهَا، تَزْدَادُ وُثُوقاً بِنَفْسِهَا وَبِالعَلَاقَةِ الَّتِي تَجْمَعُهُمَا. لَقَدْ تَجَلَّى مَوْقِفِي ذَاكَ بِوَصْفِهِ إِنْسَانِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَاعِرٍ يَعْشُقُ الجَمَالَ وَيَتَغَنَّى بِهِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ تَقْدِيرَ الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ هُوَ الرَّكِيزَةُ الأُولَى لِبِنَاءِ العَلَاقَاتِ الرَّاقِيَةِ، الَّتِي تَدُومُ وَتُزْهِرُ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ.