fouadzadieke
23-03-2026, 12:24 AM
ملحق طفولتنا
مَلْحَمَةُ الشَّتَاتِ وَالظِّلُّ القَاسِي
حِينَ أَبْصَرْتُ النُّورَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، كَانَتْ خُطَى وَالِدَيَّ قَدْ تَرَكَتْ خَلْفَهَا أَثَاراً غَائِرَةً عَلَى تُرَابِ قَرْيَةِ «بَرِهْ بَيْت» (خَان يُونِس)، بَعْدَمَا أَلْجَأَهُمَا فَقْرٌ مُدْقِعٌ إِلَى هِجْرَةٍ قَسْرِيَّةٍ، رَغْمَ أَنَّ شَجَرَةَ العَائِلَةِ كَانَتْ تضربُ جُذُورَهَا فِي ثَرَاءٍ عَرِيضٍ. كَانَ جَدِّي «إِلْيَاس» رَجُلاً تُشِيرُ إِلَيْهِ بَنَانُ القَرْيَةِ بِاليُسْرِ وَالغِنَى، حَتَّى إِنَّ صُرَر لَيَرَاتِهِ الذَّهَبِيَّةِ كَانَتْ المَلَاذَ لِلآخَرِينَ؛ فَقَدْ أَدَانَ الأَخَوَيْنِ «حَنَّا وَگُورْگِيس رَشْكُو» عِشْرِينَ لِيرَةً ذَهَبِيَّةً لِيَسُدَّا بِهَا ثَمَنَ شِرَائِهِمَا لِقَرْيَةِ «قَسَر دِيب» المُجَاوِرَةِ، فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ لِلذَّهَبِ رَنِينُ السُّلْطَةِ وَالبَقَاءِ.
لَكِنَّ هَذَا الثَّرَاءَ الفَاحِشَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ عَتَبَةِ دَارِهِ مَشْلُولاً، فَقَدْ جَمَعَ الجَدُّ بَيْنَ الوَفْرَةِ وَالشُّحِّ فِي مُفَارَقَةٍ مُؤْلِمَةٍ. لَمْ يَكُنْ بَخِيلاً بِمَالِهِ فَحَسْبُ عَلَى أَبْنَائِهِ «گَبْرُو» وَ**«حَنَّا»** وَ**«اسْطِيفُو»** وَابْنَتِهِ «إِيلِي»، بَلْ كَانَ بَخِيلاً حَتَّى فِي عَوَاطِفِهِ، مُسْتَعِيضاً عَنْ لِينِ الأُبُوَّةِ بِقَسْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، وَجَفَاءٍ غَلِيظٍ مَزَّقَ حِبَالَ المَوَدَّةِ فِي قُلُوبِهِمْ. بَلَغَتِ الجَفْوَةُ مَدَاهَا حَتَّى صَارَ ذِكْرُهُ حِمْلاً ثَقِيلاً عَلَى الأَرْوَاحِ، وَأَمْعَنُوا فِي مَحْوِ أَثَرِهِ مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ، لِدَرَجَةِ أَنَّ أَحَداً مِنْهُمْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الِاحْتِفَاظِ وَلَوْ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ تُعِيدُ مَلَامِحَ ذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي غَيَّبَهُ المَوْتُ وَأَنْكَرَتْهُ الحَيَاةُ.
وَأَمَامَ هَذَا الضَّيَاعِ بَيْنَ فَقْرِ الحَالِ وَقَسْوَةِ الرَّحِمِ، اتَّحَدَ الإِصْرَارُ فِي نُفُوسِ أَبِي «گَبْرُو» وَأُمِّي «حَانَة» وَعَمِّي «حَنَّا»؛ فَحَزَمُوا أَمْرَهُمْ عَلَى الرَّحِيلِ نَحْوَ مَدِينَةِ «القَامِشْلِي»، تِلْكَ الحَاضِرَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَلُوحُ فِي أُفُقِهِمْ كَمَلَاذٍ لِلأَمَلِ، وَمَيْدَانٍ رَحْبٍ لِلعَمَلِ، بَحْثاً عَنْ حَيَاةٍ تُكْرِمُ إِنسَانِيَّتَهُمْ بَعْدَمَا عَزَّتْ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِ الأَهْلِ.
مَلْحَمَةُ الشَّتَاتِ وَالظِّلُّ القَاسِي
حِينَ أَبْصَرْتُ النُّورَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، كَانَتْ خُطَى وَالِدَيَّ قَدْ تَرَكَتْ خَلْفَهَا أَثَاراً غَائِرَةً عَلَى تُرَابِ قَرْيَةِ «بَرِهْ بَيْت» (خَان يُونِس)، بَعْدَمَا أَلْجَأَهُمَا فَقْرٌ مُدْقِعٌ إِلَى هِجْرَةٍ قَسْرِيَّةٍ، رَغْمَ أَنَّ شَجَرَةَ العَائِلَةِ كَانَتْ تضربُ جُذُورَهَا فِي ثَرَاءٍ عَرِيضٍ. كَانَ جَدِّي «إِلْيَاس» رَجُلاً تُشِيرُ إِلَيْهِ بَنَانُ القَرْيَةِ بِاليُسْرِ وَالغِنَى، حَتَّى إِنَّ صُرَر لَيَرَاتِهِ الذَّهَبِيَّةِ كَانَتْ المَلَاذَ لِلآخَرِينَ؛ فَقَدْ أَدَانَ الأَخَوَيْنِ «حَنَّا وَگُورْگِيس رَشْكُو» عِشْرِينَ لِيرَةً ذَهَبِيَّةً لِيَسُدَّا بِهَا ثَمَنَ شِرَائِهِمَا لِقَرْيَةِ «قَسَر دِيب» المُجَاوِرَةِ، فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ لِلذَّهَبِ رَنِينُ السُّلْطَةِ وَالبَقَاءِ.
لَكِنَّ هَذَا الثَّرَاءَ الفَاحِشَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ عَتَبَةِ دَارِهِ مَشْلُولاً، فَقَدْ جَمَعَ الجَدُّ بَيْنَ الوَفْرَةِ وَالشُّحِّ فِي مُفَارَقَةٍ مُؤْلِمَةٍ. لَمْ يَكُنْ بَخِيلاً بِمَالِهِ فَحَسْبُ عَلَى أَبْنَائِهِ «گَبْرُو» وَ**«حَنَّا»** وَ**«اسْطِيفُو»** وَابْنَتِهِ «إِيلِي»، بَلْ كَانَ بَخِيلاً حَتَّى فِي عَوَاطِفِهِ، مُسْتَعِيضاً عَنْ لِينِ الأُبُوَّةِ بِقَسْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، وَجَفَاءٍ غَلِيظٍ مَزَّقَ حِبَالَ المَوَدَّةِ فِي قُلُوبِهِمْ. بَلَغَتِ الجَفْوَةُ مَدَاهَا حَتَّى صَارَ ذِكْرُهُ حِمْلاً ثَقِيلاً عَلَى الأَرْوَاحِ، وَأَمْعَنُوا فِي مَحْوِ أَثَرِهِ مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ، لِدَرَجَةِ أَنَّ أَحَداً مِنْهُمْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الِاحْتِفَاظِ وَلَوْ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ تُعِيدُ مَلَامِحَ ذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي غَيَّبَهُ المَوْتُ وَأَنْكَرَتْهُ الحَيَاةُ.
وَأَمَامَ هَذَا الضَّيَاعِ بَيْنَ فَقْرِ الحَالِ وَقَسْوَةِ الرَّحِمِ، اتَّحَدَ الإِصْرَارُ فِي نُفُوسِ أَبِي «گَبْرُو» وَأُمِّي «حَانَة» وَعَمِّي «حَنَّا»؛ فَحَزَمُوا أَمْرَهُمْ عَلَى الرَّحِيلِ نَحْوَ مَدِينَةِ «القَامِشْلِي»، تِلْكَ الحَاضِرَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَلُوحُ فِي أُفُقِهِمْ كَمَلَاذٍ لِلأَمَلِ، وَمَيْدَانٍ رَحْبٍ لِلعَمَلِ، بَحْثاً عَنْ حَيَاةٍ تُكْرِمُ إِنسَانِيَّتَهُمْ بَعْدَمَا عَزَّتْ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِ الأَهْلِ.