المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشاركتي على برنامج بوح الصورة إعداد و تقديم الاستاذة سميرة علاونة في ملتقى نبض الروح


fouadzadieke
14-05-2025, 12:43 PM
مشاركتي على برنامج بوح الصورة إعداد و تقديم الاستاذة سميرة علاونة في ملتقى نبض الروح للشعر و الأدب العربي

حنايا البوحِ وا ختلاجُ الأرواحِ

بقلم: فؤاد زاديكي

فِي زَوَايَا الصَّمْتِ المَنسِيِّ، وَ خَلْفَ سُتُورِ الزَّمَنِ المُمَزَّقِ، تَسْكُنُ حَنَايَا البَوْحِ كَجَمْرَةٍ تَتَوَقَّدُ فِي قَلْبِ اللَّيْلِ. هُنَاكَ، تَكْتُمُ الأَرْوَاحُ زَفِيرَهَا، وَ تَرْتَجِفُ فِي صَدْرِ التَّوْقِ كَنَبْضِ وَجْدٍ مُتَأَرْجِحٍ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَ الخَوْفِ.

يَا أَيُّهَا البَوْحُ، مَا أَكْثَرَ مَا جَرَحْتَ مِنْ قَلْبٍ، وَ مَا أَعْذَبَ مَا لَمَسْتَ مِنْ رُوحٍ! أَأَنْتَ نَجَاةٌ أَمْ هَلَاكٌ؟ أَصَوْتُ صَدْرٍ مُعَذَّبٍ أَمْ نَغْمَةُ خَلَاصٍ فِي مَتَاهَاتِ الغِيَابِ؟

فِي كُلِّ اخْتِلَاجٍ مِنْ تِلْكَ الأَرْوَاحِ، تُسَافِرُ كَلِمَةٌ، تُرَافِقُهَا عَبْرَ الطَّرِيقِ دَمْعَةٌ، وَ نَظْرَةٌ، وَ صَدًى يَتَرَدَّدُ فِي أَرْجَاءِ الذِّكْرَى. كَأَنَّهَا تُنَاجِي غَائِبًا، أَوْ تَبْتَهِلُ لِعَوْدَةِ وَجْهٍ تَبَخَّرَ فِي فَجْرِ الرَّحِيلِ.

كَمْ مِنْ صَوْتٍ كُتِمَ! وَ كَمْ مِنْ صُورَةٍ تَشَقَّقَتْ فِي مِرْآةِ الوَجْدِ! فَالبَوْحُ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُنْطَقُ، بَلْ جُرْحٌ يُفْتَحُ، وَ دَمٌ يَنْزِفُ مِنْ مَسَامِّ الأَحْلَامِ.

فِي حَنَايَاهُ، تَتَوَارَى صَفَحَاتُ العُمْرِ، وَ تَتَلَوَّنُ بِأَحْبَارٍ خَفِيَّةٍ؛ مَرَّةً بِاللَّهْفَةِ، وَ مَرَّةً بِالنَّدَمِ، وَ كَثِيرًا مَا تَحْمِلُ عِطْرَ مَا لَمْ يُقَلْ، وَ جُمَلَ مَا لَمْ تُكْتَبْ.

هُنَاكَ، فِي ظِلِّ قَمَرٍ وَحِيدٍ، يَجْتَمِعُ الاخْتِلَاجُ وَ البَوْحُ، يَتَنَازَعَانِ فِي جَسَدِ الرُّوحِ كَعَاشِقَيْنِ ضَلَّا الطَّرِيقَ؛ فَلَا هُمَا افْتَرَقَا، وَ لَا اجْتَمَعَا.

يَتَفَجَّرُ البَوْحُ أَحْيَانًا كَسَيْلٍ جَارِفٍ لَا يَذَرُ مَا أَمَامَهُ، يُدَمِّرُ جُدْرَانَ الكِبْرِ، وَ يَكْشِفُ عَنِ الوَهَنِ، وَ فِي كُلِّ نَفَسٍ مِنْهُ وُعُودٌ قَدِيمَةٌ، وَ أَحْلَامٌ انْتَحَرَتْ عَلَى أَعْتَابِ الخُذْلَانِ.

يَا حَنَايَا البَوْحِ، كَمْ تَسَعِينَ مِنْ وَجْدٍ؟ وَ كَمْ تُخْفِينَ مِنْ أَلَمٍ؟ أَأَنْتِ مَلْجَأُ المُتَأَلِّمِينَ أَمْ مَرَافِئُ الشُّعَرَاءِ؟ أَأَنْتِ لِلسُّكُوتِ مَأْوًى، أَمْ لِلقَوْلِ مَثْوًى؟

إِنَّ الاخْتِلَاجَ، الَّذِي يَهُزُّ الأَرْوَاحَ عِنْدَ الطَّفْرَةِ الأُولَى لِلبَوْحِ، هُوَ وَلِيدُ الحَقِيقَةِ، وَ هَزِيمُ الكِبْرِ، وَ صَوْتُ الإِنسَانِ الَّذِي أَخْفَى نَفْسَهُ طَوَالَ دُرُوبِ الصَّمْتِ.

وَ فِي نِهَايَةِ الحَكْيِ، يَبْقَى البَوْحُ رِسَالَةَ رُوحٍ أَرَادَتْ أَنْ تُرَى، وَ اخْتِلَاجًا نَابِضًا يَقُولُ: "كُنْتُ هُنَا، وَ مَا زِلْتُ أَتَنَفَّسُ."