المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حنان وعطف الأب .


الياس زاديكه
02-04-2006, 11:15 AM
"الأجنحة المتكسرة "

تبدأ الحصة الأولى .. وميثاء في طريقها إلى مقعدها ، تجلس في آخر الصف ، بانتظار شرح معلمتها للدرس ، يوم جديد بدأ في حياة ميثاء ، ذات العاشرة من العمر، وفجأة تسرح ميثاء ، وتعود بفكرها إلى البيت . وتقول في قرارة نفسها ، في حوار مع والدها : " أبي أنا لم أراك يوم أمس ، ... ، أبي أحب أن تكون معنا باستمرار ."
عبدالله والد ميثاء تاجر معروف في السوق العقاري ، دائم الإنشغال بالعمل ، له زوجتان ، والزوجة الثانية هي نورة والدة ميثاء ، معظم وقته في عمله وبيته الثاني ، وإذا سنحت له الفرصة يذهب إلى نورة وابنائه منها كالضيف ربع ساعة وإن زادت نصف ساعة ، تاركا أما وحيدة مع ابنائها الستة ( أربع بنات وولدان ) .
ميثاء أصغر البنات ، ولكنها شديدة الذكاء فهي تستوعب أمورا أكبر من سنها ، تتحمل المسؤولية ، وهي حساسة . ميثاء تمر بأزمة نفسية تكاد تكون مستديمة ، فهي تحب والدها كثيرا ، وتريده دائما بقربها ، يهتم بها ويدللها ويوصلها يوميا إلى المدرسة .
تنادي المعلمة : " ميثاء .. ميثاء ، أين سرحتي "؟! ...
ميثاء :" آسفة يا معلمتي ، أنا تعبة اليوم" .
المعلمة :" انتبهي يا ميثاء أنت الآن في المدرسة وليس في البيت" .
انتهى الدوام المدرسي وتعود ميثاء إلى المنزل راكبة حافلة المدرسة ، تصل إلى البيت ترى والدتها وهي تنتظرهم فردا فردا ، تقول الأم لميثاء : ماذا بك يا حبيبتي ؟ هل أنت بخير ؟ ...
تبكي ميثاء وتقول :" أمي ، لماذا أبي دائما مشغول عنا ؟ لماذا لايكون معنا في البيت ؟ ويجلس معنا ويسألنا ماذا فعلتم في المدرسة" ؟!
تآهت الأم في لحظات من الألم والحزن ، وهي تحتضن ابنتها وتشعر بحرقة ألمها ... ميثاء ... تلك الطفلة وما تحمله من حزن دفين سببه غيابك يا عبدالله، أي أب أنت يا رجل ، تهب هؤلاء الأبناء الحياه ومن ثم ننتزع منهم الحياة ، ببعدك عنهم وعدم اهتمامك بهم ، فأنت أهم جزء في هذا الهرم البنائي الذي يعتمد عليه الأطفال كليا في بنائهم الروحي والاجتماعي ، فأنت الجزء الاساسي في التكوين ، فكيف إن غاب هذا الجزء الذي يمثل قاعدة البناء ، فالنتيجة أكيد سوف تكون الانهيار ، تتسآل الأم ماذا أفعل ؟؟ ماذا تفعل هذه المسكينة ، فهي في دوامة لها

عدة أوجه ، وجه يحمل في طياته كونها إمرأة وحيدة تحتاج إلى من يرعاها ويهتم بها ويشاركها حياتها من سعادة وحزن وتربية براعمها الصغار وخصوصا في هذا
الزمن الغابر الذي يتميز بعدم الأمان ، والوجه الآخر زوج غائب طيلة الوقت ومدى تأثيره على الأبناء ، ووجه آخر أكثر هذه الأوجه صعوبه على النفس لما تولده من ضغط وخصوصا على الأم في حالة غياب الأب وهي تربية الأبناء بكل رعاية وحنان مع الرقابة الغير مباشرة حتى لا تحسسهم بعدم المسؤولية والضغط .
يد واحدة لا تصفق ، فكرت الأم مليا ورأت أن ليس لها حل سوى تكثيف المجهود من الرعاية والاهتمام ، وها هي تتقدم لطلب رخصة سياقة ، حتى تقضي مشاغلها هي وابنائها وتأخذهم من المدرسة ، ولا تحس ميثاء بالنقص عن بقية أقرانها .
دخل عبدالله وكله غضب .." ما هذه الدرجات ؟ ليلى ، دانه ، وفاء ، وحتى انتي يا ميثاء .... سعود درجاتك في المتوسط وانت يا فارس الأفضل أصغركم هو الأفضل . لماذا ؟ هل هذا جزائي لقد وفرت لكم كل شئ قبل ان تقولوا أريد كذا أو كذا"... وترد ليلى :" ينقصنا الكثير .. نحن نحتاج دعما معنويا وليس ماديا ، نحن نحتاج وجودك يا أبي ، نريد أن نعيش كبقية الناس أب وأم تحت سقف واحد ، ويملؤنا الحنان والحب من جميع الجهات ، تعرف يا أبي أنني أذاكر ولكن من دون فائدة أسهر الليل وأعاني حتى انتهي من كمية الامتحان ، وما إن أصل إلى القاعه حتى أرى أن معلوماتي ذهبت طي النسيان لا استطيع التركيز ، هناك شيئ ما ينقصني ، أتعرف ما هو اهتمام أب عطوف يسألني ما هو تخصصي وهل أنا أحبه ، ولماذا اخترته ، وما الذي يضايقني ، وما الذي يسعدني .... ؟؟؟؟ وتنهار بكاء وتذهب إلى غرفتها علها تجد السلوى ..
يقف الأب مذهولا وكأنه لا يعي حجم مصيبته هذه ، ليلى إبنتي الكبرى ، يا إلهي ما الذي يحدث ، أكل هذا الحزن مدفون بها ومنذ متى ؟؟ ... يخرج الأب مخذولا مصدوما لما جرى .. يقود سيارته وهو يحس بتأنيب الضمير ، شيئ ما يعتصر قلبه ، لم يكن يعي حجم الحزن الذي زرعه في أبنائه ، ويحدث نفسه ... صحيح لماذا أعاتبهم وأنا لا أعلم أيهم حزين وأيهم مسرور ، أنا غير موجود في حياتهم ، أنا شخص أناني ، ما الذي جنته يداي ، جعلت منهم عصافير ذوي أجنحة متكسرة متهشمة ، قضيت على كل ذرة طموح في داخلهم ،يجب أن أتخذ قرارا سريعا لأكفر عن أخطائي في حق هؤلاء البراعم الصغار حتى يندفعوا بقوة نحو النجاح ، لأنهم أولادي فلائذ كبدي، وساعدني يالله وسامحني بانشغالي عنهم .. فالمادة ليست كل شيئ ، بل الانسان يأتي بكل شيئ .

منقول