المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول اللغة السريانيّة ولهجتيها الشرقيّة والغربيّة


fouadzadieke
06-08-2005, 07:37 AM
· إنّه لمن الأهمّية بمكان ومن المفيد لزوّار الموقع الكرام أن نورد ما جاء في مقدّمة المطران الكلداني، مار يعقوب أوجين منّا، في قاموسه القيّم، الكلداني - العربي، و الّذي أعاد طبعه مع ملحق جديد المطران الدكتور روفائيل بيداويد، مطران بيروت على الكلدان منشورات مركز بابل - بيروت 1975م دون أن نجتزئ منها شيئاً، لما فيها من توضيح ولئلا ننقص من قيمتها لما فيها من تصريح فهي بكلّها المتماسك غير القابل للتجزيء تعطي الصورة الواضحة، وغير المشوّشة عن كيفيّة التفريق بين هاتين اللّهجتين، وعن أماكن تواجد كلّ منهما عبر العصور الغابرة وعن أسباب تباينهما وكذلك عن أقدميّة إحداهما، وهي الشّرقيّة عن تأخّر الأخرى وهي الغربيّة. و لا أظنّ أنّه سيكون فيها إطالة مملّة، بل قدر جليل من الإفادة، و فيض عظيم من الشّهادة، فمكانة المؤلف الأدبيّة، ورفعته المؤلفاتيّة، وجهوده المخلصة البنّاءة من أجل رفعة شأن اللّغة الآراميّة، إنّما مشهود لجميعها في التألق والإبداع والخلق، في زمن نحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه الإبداعات، التي تعيد إلى أمّتنا بعض أمجادها الغابرة و إلى لغتنا بعض ألقها و الّذي خبا لظروف نعرفها ويعرفها الكثيرون: "أنّ ما حملنا إلى إفراد فصلٍ خصوصيّ للمواد المذكورة حسم النزاع الواقع فيها بين كثير من الكلدان و السريان. لكون كلّ منهما يدّعي الأصالة والقدميّة لنفسه دون استنادٍ على دليلٍ راهنٍ أو برهانٍ علميّ مكين. فبياناً لحقيقة الأمرو منعاً للمشاجرات نقول إنّ جميع القبائل الساكنة قديماً في البلاد الفسيحة الواسعة المحدودة ببلاد الفرس شرقاً والبحر المتوسط غرباً و بلاد الأرمن و بلاد اليونان في آسيا الصّغرى شمالاً وحدود جزيرة العرب جنوباً كانت قاطبةً معروفةً ببني آرام أو الآراميّين. نعم إنّ بعضاً من هذه القبائل كانت تسمّى أيضاً بأسماء خصوصيّة كتسمية أهل بابل وما يجاورها بالكلدانيّين وتسمية سكّان مملكة آثور بالآثوريّين وتسمية أهل الشام بالآدوميّين ولكن مع ذلك كانت تسمية الآراميّين تشملهم جميعاً. كما أنّ الطّي مثلاً و قريش و حمير و كنانة لا تخرج هذه القبائل من كونهم عرباً. امّا كون أهل بابل وآثور آراميّين فظاهرٌ ممّا ورد في سفر دانيال عن الكلدان حيث يقال <و تكلّم الكلدانيّون أمام الملك بالآراميّة>. (4:2) و ذكر عزرا الكاتب أنّ سكّان السامرة قدموا إلى أرتحششت ملك الفرس المالك يومئذٍ في بابل عرضةً بها يشتكون على اليهود و كانت بالآراميّة، أي وكتاب الرسالة كان مكتوباً بالآراميّة و ترجمته بالآراميّة (7:3). و ذكر في سفر الملوك الثاني أنّ وزراء حزقيّآل الملك طلبوا إلى قائد سنحاريب ملك آثور أن يخاطبهم بلغته الآراميّة قائلين ما ترجمته (خاطب عبيدك بالآراميّة لأنّنا نفهم و لا تخاطبنا بالعبرانيّة أمام الشّعب الواقف على السور). فالكلدانيّون إذاً و الآثوريّون آراميّون. و إلاّ لما كانت لغة ملوكهم الرّسمية آراميّة حتّى بعد انتقال صولجان ملكهم إلى يد الغرباء. و ناهيك أنّ بلاد بابل و آثور سمّيت في جميع الأجيال حتّى بعد استيلاء العرب عليها (بيت اورومويه) أعني بلاد الآراميّين. ولا حاجة إلى إيراد الشّواهد غير المحصاة لإثبات ذلك وهو حقيقةُ يقرّ بها مذعناً من كان له أدنى إلمام بأخبار الكنيسة الشّرقيّة لأنّ كتب أجدادنا مشحونة من ذكر ذلك.
وكذا بلاد ما بين النهرين عُرفت دائماً بلاد آرام. ذكر في سفر التكوين (10:24) أنّ اليعازر عبد إبراهيم سافر إلى آرام نهرين إلى مدينة ناحور ليخطب زوجةً لإسحاق وفي الفصل الحادي والثلاثين يُدعى لابان الحرّاني الجزري آراميّاً وقد أثبت هذا القول المؤلفون الكنسيّون أيضاً وإن سُمُّوا أهل الجزيرة تارةً سرياناً وأخرى فرثيّين نسبةً إلى نهر الفرات إلاّ أنّهم يسمّونهم غالباً باسمهم القديم آراميّين.
قد ذكر أوسابيوس القيصري في تاريخه البيعيّ السّفر الأوّل المبحث الثالث عشرأنّ الرسالة التي بعث بها أبجر ملك الرّها إلى ربّنا إيشوع المسيح كانت محفوظةً في خزانة تلك الدّولة بالّلغة الآراميّة وكذلك جميع القيودات و الأخبار المنوطة بأعمال مملكة الرّها كانت بالآراميّة. وفي السّفر الرّابع المبحث السادس
و العشرين الّذي عنوانه في برديصان الآرامي. يقول: وبين النهرين في الرّها
برديصان الذّائع الصّيت الماهر جدّاً بالّلغة الآراميّة كتب بلغته مقالةً ضدّ أشياع مرقيون وغيرهم من الّذين يناضلون عن بدع مختلفةٍ وكتب مقالاتٍ أخرى عديدةً
وإذ كان له كثيرٌ من معارف أقوياء بالكلام فقد نقلوا مقالاته من الآراميّة إلى اليونانيّة. وقال يعقوب السّروجي في تقريظه لماري أفرام ما ترجمته هذا الّذي أضحى إكليلاً للأمّة الآراميّة جمعاء وبه نالت محاسن روحيّة. وقال عن العذارى الرّهاويّات تلميذات القدّيس أفرام مشبّهاً إيّاهنّ بالعبرانيّات، أي رتّلت العبرانيّات بدفوفهنّ وهنا تمجّد الاراميّات بمقالاتهنّ. فترى من الشّواهد الموردة وغيرها أنّ
أهل الرّها والجزيرة بأسرها كانوا آراميّين ملّة ًولغة ً.
وأمّا سكّان الشّام فالأمر فيهم أوضح من أنْ يبان وكفانا دليلاً ما جاء في سفر الملوك الثّاني (6:16) عن راصان ملك دمشق قاعدة الشّام حيث يقال: ما ترجمته في ذلك الزّمان أعاد راصان ملك آرام أيَلة إلى آرام وأخرج اليهود من أيلة فأتى الآراميّون إلى أيلة وسكنوا هناك إلى اليوم. وستأتيك شهادات المؤلفين الكنسيّين إثباتاً لذلك. فقد اتّضح إذاً أنّ جميع البلاد المعروفة اليوم بالسريانية سواءً كانت شرقيّةً أم غربيّةً كانت معروفة ً في قديم الزّمان بالآراميّة وهذه كانت تسميتها الحقيقيّة. فمتى إذاً وكيف سُمّيت بالسّريانيّة.
قد اختلفت آراء العلماء في أصل لفظة سوريا التي منها سُمّي السّريان أيَّ اختلاف. فلقد ذهب البعض منهم لاسيّما الإفرنج أنّ لفظة سوريا مشتقّةٌ من آثور أو آشور اشتقّها اليونانيّون بعد استيلاء ملوك الآثوريّين على الديار الشّاميّة. قال المعلّم المشهور رينان الفرنساوي في تاريخ الّلغات السّاميّة <أخيراً أنّ اسم آرام بُدِّل في زمان الملوك السلوقيّين في المشرق باسم سوريا التي ليست إلاّ اختصار آسوريا (أعني آثور أو آثوريا حسب الّلفظ اليوناني) وهو اسم عامّ كان يطلق عند اليونانيّين على آسيا الداخلة كلّها. لكن مع ذلك لم يفقد اسم آرام من بلاد المشرق بالكلّية بل اختصّ بالآراميّين الذين لم يعتنقوا الديانة المسيحيّة كالنبط وأهل مدينة حرّان ولهذا السّبب جُعِلَتْ لفظة الآرامي عند علماء الّلغة السريانيّة مرادفةً للفظة الصّابئ والوثني وقال غيرهم أنّ سوريا متأتية ٌمن مدينة صور قاعدة بلاد فونيقية أو من لفظة خارو المصريّة لأنّ المصريّين كانوا يسمّون جميع البلاد الواقعة إلى سواحل البحر المتوسّط خارو ثمّ بُدّلتْ بشارو ثمّ بسارو أو سوريا لمقاربة الّلفظ. امّا المؤلّفون السّريانيّون من الشّرقيّين والغربيّين فيزعمون أنّ لفظة سوريا متأتية من سوروس رجل من الجنس الآرامي بنى على زعمهم مدينة إنطاكية واستولى على بلاد سوريا وما بين النهرين ومنه سُمّيتْ هذه البلاد سوريا وأهلها سريانيّين كما يسمّى اليوم جميع سكّان المملكة العثمانيّة عثمانيّين. قال إبن علي صاحب القاموس الشّهير، ما ترجمته، يراد بسوريا كلّ البلاد الممتدّة من إنطاكية إلى الرّها وإنّما دُعيتْ سوريّا نسبةً إلى سوروس الّذي قتل أخاه وملك بلاد بين النهرين. وقال حسن إبن بهلول في قاموسه ما ترجمته إنّ سوريا مشتقّة من سوروس سواءً كان حيّاً أم ميتاً وهذا سوروس كان قد قتل أخاه وملك بين النّهرين فسمّيت مملكته كلّها سوريا فإنّ السّريان قديماً كانوا يُسَمّونْ آراميّين وإذ ملك منهم فيهم سوروس فحينئذٍ سُمّوا سرياناً. وقال إبن الصّليبي في كتابه المسمّى (آروعوتو) في الفصل الرّابع عشر ضدّ اليونانيّين ما ترجمته، لكنّهم (أعني اليونانيّين) يسمّوننا تعبيراً لنا عوض السّريان يعاقبة ونحن نردّهم قائلين أنّ اسم السريان الّذي سلبتموه عنّا ليس عندنا من الأسماء الشّريفة لكونه متأتياً من اسم سوروس الّذي ملك في إنطاكية فدعيت باسمه سوريَّا... أمّا نحن فإنّنا من بني آرام وباسمه كنّا نُسمّى يوماً آراميّين. وقال في موضعٍ آخر من كتابه ما ترجمته، وسُمّينا سرياناً من اسم سوروس الّذي عمّر إنطاكية والبلاد المجاورة لها فسمّيت باسمه سوريَّا. وكذلك قال صاحب كتاب جنّة النّعيم، وهو كتاب نفيس تُشرح فيه فصول الكتب المقدّسة مرتّبةً لمدار السّنة حسب طقس المشارقة. غير أنّه مهما كان من صحّة الآراء المذكورة وبطلانها فلا ريب في النتائج الآتية وهي: أولاً إنّ السريان عموماً شرقيّين كانوا أم غربيّين لم يكونوا في قديم الزّمان يُسمّون سرياناً بل آراميّين نسبةً إلى جدّهم آرام بن سام بن نوح. ثانياً: أنّ اسم السّريان لايمكن أن يرتقي عهده عندهم إلى أكثر من أربعمائة او خمس مائة سنة قبل التاريخ المسيحي خلافاً لمن يحاول أن يجعل اسم السّريان قديماً أصيلاً للآراميّين. لأنّه لو كان الأمر كذلك لذُكِرَ عند القدماء وورد ولو مرّةً واحدةً في العهد القديم كلّه. ولا يعترض علينا بأنّ الكتاب المقدّس لا يعنيه ذكر أسماء القبائل وهو لم يذكر الكرد والترك مع وجودهم من قديم الزّمان. نعم لم تكن غاية كتاب الله ذكر القبائل ولا تصدّى لتسمية شعوب لم يكن لهاعلاقة وخلطة مع الشّعب الإسرائيلي كما كان الكرد والترك ولكن من المحال القول أنّ الكتاب المقدّس لم يقصد أن يذكر ولو مرّةً واحدةً اسم أقوام شنّوا غاراتٍ متّصلةً في بلاد فلسطين وصارت لهم علاقات ومعطيات غير منقطّعةٍ مع اليهود كما كان حال السّريان. ثالثاً: أنّ اسم السّريان لم يدخل على الآراميّين الشّرقيّين أي الكلدان والآثوريّين إلاّ بعد المسيح على يد الرّسل الّذين تلمذوا هذه الدّيار لأنّهم كانوا جميعاً من سورية فلسطين وذلك إذ كان أجدادنا الأولّون المتنصّرون شديدي التّمسّك بالدّين المسيحي الحقّ أحبّوا أن يُسمّوا باسم مبشّريهم فتركوا اسمهم القديم واتّخذوا اسم السّريان ليمتازوا عن بني جنسهم الآراميّين الوثنيّين ولذا أضحت لفظة الآرامي (آرومويه) مرادفةً للفظة الصّابئ والوثني ولفظة السّرياني مرادفة للفظة المسيحي والنّصراني اليوم.
والبلاد السّريانيّة تقسم إلى قسمين عظيمين شرقيّ وغربيّ وهذه القسمة يمكن اعتبارها على ثلاثة أوجه أي طبيعيّة ومدنيّة وكنسيّة فالبلاد السريانيّة الشّرقيّة بالقسمة الطبيعيّة تشتمل على جميع البلاد المحدودة بنهر الفرات غرباً وبلاد الأرمن شمالاً ومملكة العجم شرقاً والخليج الفارسي وجزيرة العرب جنوباً وهذا أمرٌ واضحٌ لايتجرأ على إنكاره إلاّ من جهل التواريخ القديمة والحديثة جملةً. لأنّه من المعلوم الّذي لايشوبه أدنى ريب أنّ البلاد الأصليّة في مملكة الكلدان سواءً كانت بابليّةً أم آثوريّة كانت البلاد المذكورة أعلاه ولذا فقد سمّيت في التواريخ الحديثة بسورية الخارجة. امّا البلاد السّريانية الغربيّة فتشتمل بحصر الكلام على ما وراء نهر الفرات إلى البحر المتوسّط أي على البلاد المعروفة اليوم أيضاً بسوريا ولذلك دعيت سوريا على وجه الإطلاق أو سوريا الدّاخلة، وإذا لاحظنا القسمة المدنيّة فالبلاد السّريانيّة الشّرقيّة كانت تمتدّ أينما امتدّت الدّولة الفارسيّة. والبلاد السّريانيّة الغربيّة كانت محصورةً في حدود المملكة الرّومانيّة. والقسمة الكنسيّة تكاد لاتخالف القسمة المدنيّة فإنّ سلطة بطركيّة بابل كانت تشمل القسم الشّرقي من بلاد الجزيرة أي نصيبين ولواحقها، وقسماً من بلاد أرمينية وآثور ومادي وفارس وبلاد العرب والقطريين والهند والصّين أيضاً. وأمّا البطريركيّة الأنطاكيّة إذا اعتبرناها سريانيّةً فلم تكن مستولية إلاّ على سريان القسم الغربي من الجزيرة وسوريّا الدّاخلة فقط.
أمّا لغة هذه البلاد فتقسم اليوم إلى لهجتين شرقيّة وغربيّة أمّا الشّرقيّة فهي لغة الكلدان الكاثوليك والنساطرة أينما كانوا فهي الّلغة الآراميّة الًصّحيحة القديمة المستعملة يوماً في مملكتي بابل ونينوى العظيمتين والجزيرة والشّام ولبنان وما يجاور هذه البلاد كما يقرّ بذلك الخبيرون من الموارنة خاصّةً وكما قد أثبته العلاّمة السّيّد المطران اقليميس يوسف داود في مقدّمة نحوه السّرياني العربي ببراهين قاطعة وحجج دامغة ضدّ ابن العبري وغيره من الغربيّين المتأخّرين. وأمّا الّلغة الغربيّة المعروفة في زماننا بالسّريانيّة بلا قيد فهي لغة الموارنة والسريان الكاثوليك واليعاقبة حيث وجدوا وهذه لا نجد أثراً لاستعمالها في جميع البلاد الآراميّة ماخلا جبال طور عبدين في قرب ماردين وهذا أيضاً قد بيّنه جليّاً المثلّث الرّحمة المطران يوسف داود في مقدّمة نحوه المذكور الساعة. فلذا لامانع أن نتّخذها لغةً جبليّةً متولّدةً من فساد الّلغة الآراميّة الفصيحة قد نشرها متأخّراً بعض علماء اليعاقبة وجعلوها عامّةً في الطقس اليعقوبي كي يمتازوا عن النساطرة لشدّة العداوة الدّينيّة الكائنة بينهم ومن اليعاقبة اتّصلت إلى الموارنة لأنّ الأوّلين من الشرقيّين والغربيّين لم يذكروا أبداً هذا الفرق الموجود اليوم بين الّلهجتين وزد على ذلك أنّ أهل الجزيرة حتّى الرّها التي إليها ينسب الغربيّون المتأخّرون لغتهم لم يكونوا يلفظون الّلغة الآراميّة لفظ الغربيّين بل لفظ الشّرقيّين وهذا أمر مؤكّد كلّ التأكيد والأدلّة على ذلك كثيرة أولً ما نقل إلى الّلغات الأجنبيّة من أسماء الأعلام المستعملة في الرّها ونواحيها فإنّها كلّها على لفظ الشّرقيّين لاعلى لفظ الغربيّين فمن ذلك رُها. برديصان. أدّى. عبشلاما. برسميا. عبدا. حبيب. كوريا. شَمونا. سابا. رَبولا. نوحاما. (لآروهو. برديصون. آدى. عَبْشلومو. برسميو. عبدو. حابيب. كوريو. شمونو. سوبو. رابولو. نوحومو). كما يلفظها الغربيّون اليوم. ثانياً: ما نصّ عليه من مبادىء الجيل السابع يعقوب الرّهاوي الشّهير في نحوه إذ عدّ حركات الّلغة الآراميّة سبعاً كما عند الشّرقيّين وحصرها بهذه الجملة (بنيحو تحّين أورهه إمّين) والحال أنّ الحركات اليوم لدى الغربيّين خمسٌ. ومن أمعن النّظر متدقّقاً في الجملة المذكورة يتأكّد أنّ قائلها نطق بها على طريقة الشّرقيّين أي: بنيحو تِحِّان أُرهاي إِمَّن. لاكما يلفظها الغربيّون: بنيحو تيحان اورهوي آمان. وإلآّ لاختلطت حركة النون في نيحو مع حركة التاء في تحّين وحركة الحاء في نيحو مع حركة الهمزة في أورهاي وحركة الهمزة مع حركة الهاء في أورهوي. ثالثاً: أنّ القدّيس أفرام ألّف تسبحةً جعل أوّل كلّ بيت منها حرفاً من أحرف اسم يسوع المسيح الكريم (ييشوع مشيحو) فالبيت الأوّل بدأه بالياء والثّاني بالألف أو الهمزة والثّالث بالشّين وهلمّ جرّاً. وهذا دليل صريح على أنّ القدّيس أفرام المعظّم كان يلفظ ويكتب اسم يسوع المسجود له كالشرقّيّين أي يَشوع بألف دقيقة على الياء لا يِشوع كالغربيّين وإلاّ لما جعل البيت الثّاني مبتدئاً بالألف. وهذه التسبحة محفوظة في طقس الكلدان والموارنة وهي: نوهرو دناح لزاديقه. والدّليل الرّابع القاطع الّذي يرفع كلّ شبهة ما ورد في سفر التّكوين الفصل الحادي والثلاثين العدد السابع والأربعين وهو أنّ لابان الحرّاني وابن اخته يعقوب أبا الأسباط أقاما رجمةً من حجارة تكون شهادةً على عهد ضرباه بينهما فسمّاها لابان بلغته الآراميّة الكلدانيّة (يْغَر ساهْدوثا) وسمّاها يعقوب بلغته العبرانيّة جلعاد أو جلعد فهذه الجملة الّتي نطق بها لابان الجزري الحرّاني بنحو ألفٍ وخمس مائة سنة قبل المسيح هي آراميّة شرقيّة أي كلدانيّة لأنّها ملفوظة بالعبرانيّة والعربيّة وغيرهما: يْغَر ساهْدوثا. كالشرقيّين لا يْغَر سوهدوثو كالغربيّين. فقد اتّضح إذاً أنّ لغة أهل الرّها والجزيرة بأسرها كانت دائماً لغة الشّرقيّين بعينها لا لغة الغربيّين. ومن ذلك يظهر غلط من ادّعى أنّ القدّيس أفرام السّرياني غربيّاً لأنّنا إنْ لاحظنا وطنه ومنشأه فهو شرقيّ لكون مسقط رأسه مدينة نصيبين التي كانت من أعظم مطرانيّات الكلدان وأشرفهنّ وان اعتبرنا البلدة التي قضى فيها جانباً من حياته وفيها انتقل إلى جوار ربّه فهي الرّها التي وإنْ كانت تحت حكم ملوك الرّوم إلاّ أنّها كانت حقّاً مدينةً شرقيّة وناهيك أنّ مدرستها العظيمة الشهيرة أنشأها القدّيس أفرام للشّرقيّين خصوصاً ولذا سُمّيت مدرسة الفرس".
أرجو أن يكون الأخوة قد استفادوا من هذا الموضوع القيّم وصارلديهم تصوّر واضح حول أوجه الخلاف والأقدمية (على الأقل من قبل أشقائنا الكلدان من خلال وجهة نظرهم) من أجل زيادة المعرفة.