المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثالوث الأقدس ,تميز الأقانيم


الاخ زكا
16-12-2010, 03:13 PM
الثالوث الأقدس
مما تقدم نري أن الله أعلن ذاته في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد, إلها واحدا , لا نظير له, ولا شريك; في ثلاثة أقانيم الثالوث الأقداس: الآب والابن والروح القدس. الآب هو الله, والابن هو الله, والروح القدس هو الله; لا ثلاثة آلهة بل إلها واحدا , ذاتا واحدة, جوهرا واحدا , لاهوتا واحدا . ولكن ثلاثة أقانيم متحدين بغير امتزاج, ومتميزين بغير انفصال. وكل أقنوم أزلي, أبدي, غير محدود, لا يتحيز بمكان أو زمان, كلي العلم, كلي القدرة, كلي السلطان, لأن الأقانيم ذات واحدة.
وكلمة «أقانيم» كلمة سريانية, وهي الوحيدة في كل لغات العالم التي تستطيع أن تعطي هذا المعني; أي تميزا مع عدم الانفصال أو الاستقلال. لأنه بما أن الله لا شبيه له بين كل الكائنات, وبما أن لغات البشر إنما تصف الكائنات المحدودة, فلا توجد فيها كلمة تعطينا وصفا للذات الإلهية بحسب الإعلان الإلهي. وبهذه المناسبة أقول إنه لا يجوز بالمرة تشبيه الله الواحد من جهة أقانيمه الثلاثة بتشبيهات من الكائنات كالشمس وغيرها, لأن كل الكائنات محدودة ومركبة, والله غير محدود ولا تركيب فيه وقد استعملت بعض اللغات كالانجليزية كلمة «شخص» للتعبير عن الأقنوم ولكن كل شخص كائن مركب والله لا تركيب فيه, والأشخاص المتميزون منفصلون, ومهما تماثلوا لا يمكن أن يتعادلوا تماما أو يتحدوا. أما كلمة أقانيم فتعني شخصيات متميزة, ولكن متحدة «بغير امتزاج» وهم ذات واحدة. وربما تكون أقرب كلمة عربية لمدلول الأقانيم هي كلمة «تعينات». وقد تبدو هذه الحقيقة معقدة فعلا وصعبة الاستيعاب, ولكن أليس هذا دليلا واضحا علي صحتها وعلي أن الله نفسه هو الذي أعلن ذاته بها؟ لأن الإنسان إذا أراد أن يزيف إيمانا أو يصنعه, فإنما يصنعه وفق الفطرة البشرية وفي مستوي العقل ليسهل قبوله واستيعابه. أما إذا كان الأمر خاصا بحقيقة الله غير المحدود فلابد أن يكون الإعلان كبيرا فوق الفهم الطبيعي, وأسمي من العقل ولكن لا يتعارض معه, ليكون المجال لقبول الإعلان الإلهي, للإيمان ولنور الله في القلب, كما يقول الكتاب المقدس أن «الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه (أي في ما لروح الله) روحيا » (رسالة كورنثوس الأولى 14:2) .
فالإيمان بإعلان الله عن ذاته ثالوثا , وإن كان يبدو صعبا , ولكنه معقول, بل هو المعقول, لأننا سبق أن رأينا أن الوحدانية المطلقة لا تليق بالله; لأنها تقتضي تنزيهه عن الصفات والعلاقات, ولكن بما أن الله ذات فهو يتصف بصفات وله علاقات. ولكن بما أنه وحده الأزلي فلم يكن غيره في الأزل ليمارس معه الصفات والعلاقات. وبناء عليه تكون صفاته وعلاقاته عاطلة في الأزل ثم صارت عاملة بعد خلق الكائنات, وحاشا أن يكون الأمر كذلك لأن الله منزه عن التغير, وهو مكتف بذاته, مستغن عن مخلوقاته. إذا , لابد أن الله كان يمارس علاقاته وصفاته في الأزل مع ذاته لأنه لا شريك له ولا تركيب فيه. ولابد في هذه الحالة من الاعتراف بأن وحدانيته جامعة; أي جامعة لتعينات الذات الواحدة, لأن من لا تعين له لا وجود له.
ولا تناقض بين الوحدانية والتعينات, لأن الله واحد في جوهره وجامع في تعيناته, لأنه يمارس صفاته وعلاقاته مع ذاته بالفعل منذ الأزل, مع تعيناته وليس مع صفاته لأن الصفات معان وليست تعينات عاقلة يمكن التعامل معها. فلا يقال مثلا إن الله كان في الأزل يكلم صفاته ويسمعها ويبصرها ويحبها, أو إن صفاته كانت تكلمه وتبصره وتحبه, ولكن نقرأ في الكتاب المقدس أن الابن يحب الآب, والآب يحب الابن, قبل إنشاء العالم, والروح القدس هو «روح المحبة». وكانت هناك مشورة في الأزل بين الأقانيم الثلاثة.
ولابد من الإقرار بتعينات الله وإلا جعلناه جوهرآ غامضا لا يمكن الاتصال به أو معرفة شيء عنه بينما يتفق الجميع علي أنه تكلم مع موسى ومع إبراهيم وأظهر ذاته للأنبياء. ووجود التعينات في الله لا يمس وحدانيته كما قلنا لأن التعينات هم ذات الله وليسوا أجزاء من ذاته, حاشا. بل هم ذات واحدة, جوهر واحد, لاهوت واحد.
لا شك أن هذه الحقيقة فوق الإدراك البشري لأنه لا شبيه لهذه الوحدانية في الكائنات المنظورة, ولكن هذه الحقيقة لا تتعارض مع العقل ولا يرفضها المنطق, كيف نستصعب أن ندرك أن الله واحد ولكنه مثلث الأقانيم بينما نقبل بسهولة أن الإنسان واحد وهو مثلث الكيان, روح ونفس وجسد, روح تعقل ونفس تحس وتشعر وجسد يتحرك, أما الحيوان فليس له الروح العاقل فهو نفس وجسد فقط ونفسه في دمه ويتلاشى بموته (لاويين 11:17) , أما نفس الإنسان فهي خالدة. قال الرب يسوع لتلاميذه لكي يشجعهم علي الشهادة والاستشهاد من أجله «لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها» (متى 28:10) . فالإنسان لا يستطيع أن يقتل النفس لحظة واحدة, وحتى الجسد الذي قتله لا يستطيع أن يمنعه من القيامة.
عقيدة الثالوث ليست مقتبسة من الوثنية
يقول البعض - إما عن عدم درس وفهم أو عن سوء نية بغرض التضليل - يقولون إن عقيدة الثالوث كانت موجودة عند الوثنيين في الهند, وكانوا يطلقون علي إلههم المثلث: براهما, وفشنو, وسيفا. ويقولون إن البوذيين كانوا يعتقدون أن بوذا ذو ثلاثة أقانيم: الأول والوسط والآخر. وإن قدماء المصريين كانوا يعتقدون بآلهة ثلاثية: الأولى أمون, وكونس, وموت; والثانية:أوزوريس, وايزيس, وحورس; والثالثة:خنوم, وساتيت, وعنقت. وإن الأول من كل مجموعة هو الآب والثاني هو الابن والثالث هو الروح القدس كما هو الحال عند المسيحيين. ويقولون إن البابليين والفرس والصينيين كانوا يعتنقون مثل هذه العقيدة.
والواقع أن كل هذه الأقوال هراء في هراء وليس لها أي نصيب من الصحة. وهي تقال لتضليل غير الدارسين. ولكن بالدرس الدقيق لتلك الديانات يتضح أن براهما وفشنو وسيفا عند الهنود ثلاثة آلهة مختلفون عن بعضهم تماما . أما بوذا فكان رجلا عاديا عاش في الهند حوالي سنة 500 قبل الميلاد وكانت له تعاليم معينة. أما آلهة المصريين فهي لا تنص علي أن كل مجموعة من آلهتهم إله واحد بل ثلاثة آلهة مختلفون عن بعضهم تماما فكانوا يمثلون أمون برجل وكونس (أو خنسو) بالقمر, وموت بأنثي النسر, وأوزوريس برجل, وايزيس بأمرأة, وحورس بالصقر, وخنوم بالكبش, وساتيت بامرأة هي زوجته الأولى, وعنقت زوجته الثانية. ولا مجال هنا للكلام عن الأوثان الأخرى عند البابليين والفرس وغيرهم.
تميز الأقانيم
أقانيم اللاهوت الثلاثة متحدون في الجوهر واللاهوت, ولكل أقنوم كامل صفات اللاهوت, أي أزلي وأبدي وغير محدود وكلي القدرة والعلم والسلطان والقداسة, ولكن الأقانيم متميزون, أي أن لكل أقنوم بعض أعمال خاصة لا نستطيع أن ننسبها إلي الأقنومين الأخرين, فهناك تميز واتحاد, ولكن ليس هناك امتزاج; أي لا نستطيع أن نقول أن الابن هو الآب ولا الآب هو الابن, مع أن الابن والآب واحد.
وواضح جدا من الكتاب أن أقنوم الابن هو الذي جاء إلي العالم متجسدا م رس لا من الآب ليتمم عمل الفداء بموته الكفاري علي الصليب, فمكتوب «في هذا هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا» (1يوحنا 10:4) و«هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 16:3) «ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة» (غلاطية 4:4) . والابن يقول «خرجت من عند الآب, وقد أتيت إلي العالم, وأيضاً أترك العالم وأذهب إلي الآب» (يوحنا 28:16) . فالآب هو الذي أرسل الابن, وهو الذي بذله لأجلنا وهو الذي قدمه كفارة عن خطايانا. والابن هو الذي خرج مولودا من عذراء, وهو الذي مات علي الصليب حاملا قصاص خطايانا. ولا نستطيع أن ننسب إلي الابن ما اختص به الآب. ولا ننسب إلي الآب ما اختص به الابن فنقول مثلا إن الآب تجسد وأتي إلي العالم مولودا ومات علي الصليب. هذا خطأ محض لأن الذي تجسد هو أقنوم الابن فقط. ولا يجوز أن نقع في هذا الخلط في الكلام أو في الصلاة.
والروح القدس جاء إلي العالم في يوم الخمسين مرسلا من الآب والابن, جاء غير متجسد ليشهد للابن وليسكن في جميع المؤمنين - بعد أن ولدهم ولادة ثانية - في كل الأجيال وفي كل مكان في العالم, وهذا دليل علي لاهوته غير المحدود الذي لا يتحيز بمكان أو زمان.
ومن اختصاص الابن أيضاً أن يدين الأشرار, الأحياء والأموات لأنه هو الذي أكمل الفداء علي الصليب. ومما يبين هذا التميز بوضوح قول الوحي «الآب لا يدين أحدا بل قد أعطي كل الدينونة للابن لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب» (يوحنا 22:5) .
ومن سخف القول أن هذا التميز يعني انقساما أو تجزيئا في اللاهوت, وسبق أن أوضحنا الرد علي هذا الاعتراض لأن اللاهوت واحد غير محدود لا يد رك ولا ينقسم لأنه لا تركيب فيه. ولكن التميز هو في الأقانيم أو تعينات الله المتحدة في الجوهر بغير انقسام أو امتزاج.
ومن سخف القول أيضاً إنه إذا كان الله قد تجسد ونزل من السماء إلي هذا العالم فهل كانت السماء خالية في مدة التجسد؟ ومن الذي كان يدير الكون في تلك المدة؟ فواضح أن الذي تجسد هو أقنوم الابن الذي شهد عنه الآب من السماء أكثر من مرة قائلا «هذا هو ابني الحبيب» (متى 17:3, 5:17) وحتى بالنسبة لأقنوم الابن الذي تجسد فإنه بلاهوته لم يترك السماء, ولم يكن يخلو منه مكان كقوله لنيقوديموس «وليس أحد صعد إلي السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يوحنا 13:3) . ومن الخطأ تطبيق ما للكائنات المحدودة, التي تقع تحت حس نا وبصرنا, علي الله غير المحدود الذي لا يتحيز بمكان أو زمان من الأزل وإلي الأبد, وبتطبيق أقيسة المحدود علي الله غير المحدود.