الاخ زكا
11-12-2010, 09:46 AM
الرسالة السادسة
عزيزي علقم
يسرني أن أسمع أن سن مريضك ومهنته ترجّحان- وإن كانتا لا تؤكدان علي الاطلاق – أنه سيتدعي الي الخدمة العسكرية. فنحن نريد له أن يكون علي أعلي درجة من اللايقين، بحيث يزخر ذهنه بصور متضاربة عن المستقبل، كل منها تبحث الامل أو الخوف. وليس من شيء مثل الترقب والقلق يصدذهن ألآدمي عن العدوّ.فهو يريد للناس أن يعنوا بما يعملونه، في حين أن عملنا هو أن نشغل أفكارهم بما سوف يحدث لهم .
سيكون مريضك بالطبع قد أعتنق العقيدة القائلة بأن عليه أن يخضع لمشيئة عدوّنا صابراً .
وما يعنيه العدو بذلك هو في الاساس أن علي المريض أن يقبل بصبرالضيق الذي قسم له فعلاًً، أي القلق والترقب الحاضرين. ففي هذا الوقت تقريباً عليه أن يقول "لتكن مشيئتك"، ولأجل المهمة اليومية القاضية بتحمل هذا الوضع عليه أن يطلب إعطائه خبزه اليومي . فمهمتك أن تُعني بألا تفكر المريض أبداً بالخوف الحالي علي أنه صليبه المعيّن له، بل بأن يفكر فقط بالاشياء التي يخاف منها. فدعه يحسب تلك كلها صلبانه : دعه ينس أنها لا يمكن أن تحدث كلها له، بما أنّها غير متآلفة، ودعه يحاول أن يمارس الجلد والصبر حيالها كلها مسبقاً. ذلك أن الاستسلام الفعلي في الوقت عينه لكمية كبيرة من المصائر المختلفة والافتراضية يكاد يكون مستحيلاً.
والعدو لا يعين كثيراً من يحاولون القيام بذلك. إذ إن الاستسلام للمعناة لحالية والفعلية، ولو حيث يكون ما يعانيه هو الخوف، يكون أسهل، وغالباً ما يؤازره هذا التصرف المباشر .
ينطوي هذا علي مبدأ روحي هام. فقد بينت لك أنك تستطيع إضعاف صلواته بصرف اهتمامه عن العدو نفسه الي حالات ذهنه هو من جهة العدو. ومن الناحية ألأخري، تصبح السيطرة علي الخوف أسهل حين يكون ذهن المريض محوّلا الغرض الذي يخاف منه إلي الخوف ذاته، باعتباره حالة راهنة وغير مرغوب فيها من حالاته الذهنية الخاصة. وعندما يحسب الخوف صليبه المعيّن له، فلا بد أن يفكر فيه علي أنه حالة ذهنية . من ثم يغدو في وسع المرء أن يصوغ القاعدة العامة : في جميع أنشطة الذهن التي تخدم قضيتنا، شجع المريض علي ألا يكون واعياً لذاته أما في جميع الأنشطة المؤاتية للعدوّ، فاعطف ذهنه رجوعاً الي ذاته (يسعي الشيطان لجعل الانسان منكرا لذاته في سبيل الشيطان لكن منشغلا بذاته نفسها في ما يخص الله). فاجعل إهانة ما أو جسد أمرأة يركزان أهتمامه نحو الخارج بحيث لا يفكر قائلاً "ها أنا ألآن أدخل في الحالة المدعوة غضباً، أو في الحالة المسماة شهوة" وعلي العكس دع التفكير" إن مشاعري الآن تصير أكثر تقوي وورعاً، أو أكثر محبة وخيرية" يركز اهتمام هذا المريض علي داخله بحيث لا يعود يجاوز بنظره نفسه حتي يري عدّونا أو إخوانه هو(يسعى الشيطان لجعلنا نركز علي برنا وحياتنا فننسي الله والاخرين) .
أما فيما يتعلق بموقفه الأكثر عمومية تجاه الحرب، فيجب ألا تركن فوق الحد الي مشاعر البغضاء لك التي يشغف الناس كثيراً بمناقشتها في المنشورات الدورية، مسيحية كانت أو غير مسيحية. في وسعك طبعاً أن تشجع المريض، في كربه، علي الانتقام لنفسه ببعض المشاعر الثأرية الموجهة نحو الزعماء الألمان، وذلك جيد ما دام جاريا مجراه. غير أنه غالبا ما يكون نوعا من البغضة الميلودرامية (اي المتكلفة والمبالغ فيها عاطيفياً والتي يصعب تطبيقها عملياً) او الخيالية مُنصباً علي كباش مُحرقة وهميّين . فهو لم يلتق أولئك القوم قط في الحالة الواقعية: إنهم صور شكّلها حسب النموذج الذي يحصله من الصحف . وغالباً ما تكون نتائج مثل هذه البغضة مخيّبة جداً، ومن بين البشر جميعاً، يشكّل الانكليز في هذا المجال أدعي الجبناء للرثاء . فهم خلائق من ذلك النوع التعس، إذ يصرّحون علناً بأن التعذيب لأعدائهم جيّد جداً ثم يقدمون الشاي والسجائر لأول طيار ألماني جريح يظهر عند الباب الخلفي !
ولئن فعلت ما شئت، فسوف يكون في نفس مريضك شيء من الخيرية وحب الاحسان، وشيء من الحقد أيضاً . فالأمر العظيم هو أن توجه الحقد نحو أخوانه الأقربين الذين يلتقيهم كل يوم، وأن تدفع خيريته بعيداً الي المحيط الأنأي، الي أشخاص لا يعرفهم. وهكذا يصير الحقد حقيقيا علي نحو كليّ، والخيرية وهمية الي أبعد حد. فلا خير البتة في إضرام حقده علي الالمان، إذا كانت في الوقت عينه عادة ممارسة الخير المهلكة تترسّخ بينه وبين أمّه، ورب عمله، والرجل الذي يلتقيه في القطار.
فكر في زبونك كما لو كان سلسلة من الدوائر المتراكزة، أعمقها إرادته، وتالُتها عقله، وألأخيرة تصوره الخيالي . فانك لا تكاد ترجو في الحال أن تقصي من جميع الدوائر كل ما تفوح منه رائحة العدو، ولكن عليك أن تواصل دفع جميع الفضائل نحو الخارج حتي تستقر أخيرا في دائرة الخيال الجامح، ودفع جميع الصفات المرغوبة نحو الداخل، الي الادارة. فلا تكون الفضائل مهلكة لنا حقا الا بمقدار ما تتجسد في عادات تمارس، وذلك عند بلوغها دائرة الارادة.(طبعا لست أعني ما يحسبه المريض إراده مخطئاً، اي استشاطة الغضب والغيظ إذ يقرر قراراته وأسنانه مطبقة باحكام، بل المركز الحقيقي: ما يسميه عدونا القلب) فجميع أنواع الفضائل الي يرسمها الخيال الجامح، أو التي يقرها العقل، بل أيضاً- الي حدً ما- يهواها ويرغب فيها، لن تبعد الانسان عن بيت ابينا، وانما بالحقيقة قد تجعله أكثر إضحاكا وإمتاعاً حين يصل الي هناك .
عمك المحب
خربر
عزيزي علقم
يسرني أن أسمع أن سن مريضك ومهنته ترجّحان- وإن كانتا لا تؤكدان علي الاطلاق – أنه سيتدعي الي الخدمة العسكرية. فنحن نريد له أن يكون علي أعلي درجة من اللايقين، بحيث يزخر ذهنه بصور متضاربة عن المستقبل، كل منها تبحث الامل أو الخوف. وليس من شيء مثل الترقب والقلق يصدذهن ألآدمي عن العدوّ.فهو يريد للناس أن يعنوا بما يعملونه، في حين أن عملنا هو أن نشغل أفكارهم بما سوف يحدث لهم .
سيكون مريضك بالطبع قد أعتنق العقيدة القائلة بأن عليه أن يخضع لمشيئة عدوّنا صابراً .
وما يعنيه العدو بذلك هو في الاساس أن علي المريض أن يقبل بصبرالضيق الذي قسم له فعلاًً، أي القلق والترقب الحاضرين. ففي هذا الوقت تقريباً عليه أن يقول "لتكن مشيئتك"، ولأجل المهمة اليومية القاضية بتحمل هذا الوضع عليه أن يطلب إعطائه خبزه اليومي . فمهمتك أن تُعني بألا تفكر المريض أبداً بالخوف الحالي علي أنه صليبه المعيّن له، بل بأن يفكر فقط بالاشياء التي يخاف منها. فدعه يحسب تلك كلها صلبانه : دعه ينس أنها لا يمكن أن تحدث كلها له، بما أنّها غير متآلفة، ودعه يحاول أن يمارس الجلد والصبر حيالها كلها مسبقاً. ذلك أن الاستسلام الفعلي في الوقت عينه لكمية كبيرة من المصائر المختلفة والافتراضية يكاد يكون مستحيلاً.
والعدو لا يعين كثيراً من يحاولون القيام بذلك. إذ إن الاستسلام للمعناة لحالية والفعلية، ولو حيث يكون ما يعانيه هو الخوف، يكون أسهل، وغالباً ما يؤازره هذا التصرف المباشر .
ينطوي هذا علي مبدأ روحي هام. فقد بينت لك أنك تستطيع إضعاف صلواته بصرف اهتمامه عن العدو نفسه الي حالات ذهنه هو من جهة العدو. ومن الناحية ألأخري، تصبح السيطرة علي الخوف أسهل حين يكون ذهن المريض محوّلا الغرض الذي يخاف منه إلي الخوف ذاته، باعتباره حالة راهنة وغير مرغوب فيها من حالاته الذهنية الخاصة. وعندما يحسب الخوف صليبه المعيّن له، فلا بد أن يفكر فيه علي أنه حالة ذهنية . من ثم يغدو في وسع المرء أن يصوغ القاعدة العامة : في جميع أنشطة الذهن التي تخدم قضيتنا، شجع المريض علي ألا يكون واعياً لذاته أما في جميع الأنشطة المؤاتية للعدوّ، فاعطف ذهنه رجوعاً الي ذاته (يسعي الشيطان لجعل الانسان منكرا لذاته في سبيل الشيطان لكن منشغلا بذاته نفسها في ما يخص الله). فاجعل إهانة ما أو جسد أمرأة يركزان أهتمامه نحو الخارج بحيث لا يفكر قائلاً "ها أنا ألآن أدخل في الحالة المدعوة غضباً، أو في الحالة المسماة شهوة" وعلي العكس دع التفكير" إن مشاعري الآن تصير أكثر تقوي وورعاً، أو أكثر محبة وخيرية" يركز اهتمام هذا المريض علي داخله بحيث لا يعود يجاوز بنظره نفسه حتي يري عدّونا أو إخوانه هو(يسعى الشيطان لجعلنا نركز علي برنا وحياتنا فننسي الله والاخرين) .
أما فيما يتعلق بموقفه الأكثر عمومية تجاه الحرب، فيجب ألا تركن فوق الحد الي مشاعر البغضاء لك التي يشغف الناس كثيراً بمناقشتها في المنشورات الدورية، مسيحية كانت أو غير مسيحية. في وسعك طبعاً أن تشجع المريض، في كربه، علي الانتقام لنفسه ببعض المشاعر الثأرية الموجهة نحو الزعماء الألمان، وذلك جيد ما دام جاريا مجراه. غير أنه غالبا ما يكون نوعا من البغضة الميلودرامية (اي المتكلفة والمبالغ فيها عاطيفياً والتي يصعب تطبيقها عملياً) او الخيالية مُنصباً علي كباش مُحرقة وهميّين . فهو لم يلتق أولئك القوم قط في الحالة الواقعية: إنهم صور شكّلها حسب النموذج الذي يحصله من الصحف . وغالباً ما تكون نتائج مثل هذه البغضة مخيّبة جداً، ومن بين البشر جميعاً، يشكّل الانكليز في هذا المجال أدعي الجبناء للرثاء . فهم خلائق من ذلك النوع التعس، إذ يصرّحون علناً بأن التعذيب لأعدائهم جيّد جداً ثم يقدمون الشاي والسجائر لأول طيار ألماني جريح يظهر عند الباب الخلفي !
ولئن فعلت ما شئت، فسوف يكون في نفس مريضك شيء من الخيرية وحب الاحسان، وشيء من الحقد أيضاً . فالأمر العظيم هو أن توجه الحقد نحو أخوانه الأقربين الذين يلتقيهم كل يوم، وأن تدفع خيريته بعيداً الي المحيط الأنأي، الي أشخاص لا يعرفهم. وهكذا يصير الحقد حقيقيا علي نحو كليّ، والخيرية وهمية الي أبعد حد. فلا خير البتة في إضرام حقده علي الالمان، إذا كانت في الوقت عينه عادة ممارسة الخير المهلكة تترسّخ بينه وبين أمّه، ورب عمله، والرجل الذي يلتقيه في القطار.
فكر في زبونك كما لو كان سلسلة من الدوائر المتراكزة، أعمقها إرادته، وتالُتها عقله، وألأخيرة تصوره الخيالي . فانك لا تكاد ترجو في الحال أن تقصي من جميع الدوائر كل ما تفوح منه رائحة العدو، ولكن عليك أن تواصل دفع جميع الفضائل نحو الخارج حتي تستقر أخيرا في دائرة الخيال الجامح، ودفع جميع الصفات المرغوبة نحو الداخل، الي الادارة. فلا تكون الفضائل مهلكة لنا حقا الا بمقدار ما تتجسد في عادات تمارس، وذلك عند بلوغها دائرة الارادة.(طبعا لست أعني ما يحسبه المريض إراده مخطئاً، اي استشاطة الغضب والغيظ إذ يقرر قراراته وأسنانه مطبقة باحكام، بل المركز الحقيقي: ما يسميه عدونا القلب) فجميع أنواع الفضائل الي يرسمها الخيال الجامح، أو التي يقرها العقل، بل أيضاً- الي حدً ما- يهواها ويرغب فيها، لن تبعد الانسان عن بيت ابينا، وانما بالحقيقة قد تجعله أكثر إضحاكا وإمتاعاً حين يصل الي هناك .
عمك المحب
خربر