المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أُمَّة تَنْتَحِر بسلاح التعصُّب,,,,,جواد البشيتي,,,,


kestantin Chamoun
08-12-2010, 02:41 PM
28-11-2010 12:14:01
http://www.alarabonline.org/empty.gif
أُمَّة تَنْتَحِر بسلاح التعصُّب




جواد البشيتي

هل تريد أنْ تَعْرِف ماهيَّتك الحقيقية، ومَنْ أنتَ حقَّاً، أو أن ترى نفسكَ على حقيقتها العارية من كل ما خلعته عليها من ثياب وأقنعة جميلة؟ الإجابة في منتهى البساطة، فإنَّكَ يكفي أن تَعرِف ما الذي يَسْتَفِزُّكَ، ويهيِّجكَ، ويُخْرِجكَ عن طورك، ويجعل لكَ عيناً لا تُبْصِر، وأُذناً لا تَسمع، ورأساً من نارٍ حامية، حتى تَعْرِف مَنْ أنتَ.

إنَّ خَدْش عصبية "تستبدُّ بكَ" أصبحت، في عالم الأمم الحيَّة المتحضِّرة، أثراً بعد عين؛ لكنَّها جَعَلَت لها منكَ "مَتْحَفَاً"، هو ما يَسْتَفِزُّكَ، وهو، من ثمَّ، المفتاح الذي به نفتح المُغْلَق منكَ، انتماءً وهويةً ووعياً وشعوراً.

إنَّنا نتزيَّن ونتبرَّج بفكرٍ وثقافةٍ، من صُنْع غيرنا، ويَكْمُن فيهما "الرَّاقي" و"الحضاري" من "الانتماء" و"الانحياز" و"الهوية"؛ لكننا، في أوقات الضِّيق والشدة، أي عندما يُسْتَفَز "الجاهلي" الكامن فينا، نُسْرِع في الارتداد إلى الميِّت، الحي أبداً في نفوسنا ومشاعرنا، وفي "الباطن"، أي الحقيقي، من وعينا.

إننَّا نظلُّ في ثقافتنا الحقيقية من أحفاد عبس وذبيان مهما تسربلنا بسرابيل "القومية" و"الليبرالية" و"العلمانية" و"اليسارية"، فكلُّ متسربلٍ بسربال منها، أو من غيرها ممَّا يشبهها، يكفي أن تَسْتَفِزَّ "الجاهلي" الكامن فيه حتى يرجع القهقرى إلى "قبيلته" و"قبليته"، وإلى ما تفرَّع منهما من دولٍ وأوطان وأحزاب..

تعصَّبوا وانحازوا؛ لكن ليس لأشياء لم تختروها اختيارا، كالقبيلة والطائفة الدينية، وإنَّما لأشياء اخترتموها بأنفسكم، كالفكر الذي تتسربلون به تسربلاً.

"العصبية القبلية" هي، على ما يَعْلَم عَرَب القرن الحادي والعشرين جميعاً، ومنهم أولئك الذين لم يتحرَّروا منها بَعْد، هي من أخصِّ خواص "الجاهلية"، أي ما كان عليه العرب من جهالة، ومن أحوال سيئة أخرى قبل الإسلام.

"العصبية"، على وجه العموم، من "العُصْبَة"، وهي "الجماعة" من الناس، أو الحيوان، أو الطير.. "إذْ قَالُوا ليُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلَى أبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أبَانَا لَفِي ضلاَلٍ مُبينٍ".

أمَّا معناها فهو تمادي ومغالاة وإفراط المرء في الميل والانحياز والانتصار لعُصْبَته، أي للجماعة البشرية التي ينتمي إليها بالدم، أو بغيره؛ وهذا "التعصُّب" هو كالتعصُّب العشائري والقبلي، والتعصُّب الديني، والتعصُّب القومي.

"التعصُّب" مذموم، ولو كان من قبيل تعصُّب المرء لأفكاره، فالمرء المتعصِّب "المتعنِّت" لأفكاره، التي هي عادة، أو على وجه العموم، ليست من صُنْعه هو، يبدي دائماً إعجاباً شديداً بها، لا يتنازل عنها ولو ثَبُت لديه بالدليل القاطع بطلانها؛ إنَّه من مدرسة "عنزة ولو طارت"!

وإيَّاكم أن تظنُّوا أنَّ "الآخر" لا وجود له حيث تسود وتزدهر "العصبية" و"التعصُّب"؛ إنَّه موجود دائماً؛ لكن على هيئة "عدوٍّ لدود"، أو "شيطان رجيم"؛ وبعض المتعصِّبين قد يوظِّفون "السماء" في "شيطنة" هذا "الآخر"، حتى يَسْهُل عليهم تحرير "الطاقة الإيمانية الدينية" لدى أتباعهم في معركة "القضاء على الآخر".

وإيَّاكم أن تظنُّوا أيضاً أنَّ مجتمعاً تستبدُّ بأبنائه عصبية عشائرية، أو قبلية، أو دينية، أو قومية، ويَنْظُر إلى "الآخر"، ويعامله، على أنَّه "عدوٌّ مبين"، أو "محتَمَل"، يمكن أن يُنْجِب أشخاصاً من أمثال القائل "قد أخالفكَ الرأي؛ لكنني لن أتردَّد في أن أدفع حياتي ثمناً لحرِّية رأيكَ"، فمجتمع كهذا لا يُنْجِب إلاَّ من هم على شاكلة القائل "مَنْ ليس مِنَّا ومعنا، فهو ضدَّنا وعلينا".

والـ "الدولة العربية الحديثة"، عباءةً ارتدت أم بنطالاً، والتي قلَّما ترى لها نظيراً لجهة كونها ثمرة اغتصاب للسلطة، هي "الانتهازية بعينها" لجهة علاقتها بـ"موروث اجتماعي وتاريخي وثقافي.."، يكفي أن يظل على قيد الحياة، وأن ترعاه الدولة وتحفظه وتصونه وتهادنه وتتصالح معه حتى يصبح "المجتمع المُنْتِج للدولة الحقيقية" ميتاً، أو شبه ميت، أو عرضة للموت، وحتى يتضاءل وزن وحجم "الدولة الحقيقية" في داخل كل دولة عربية.

وإنَّه لتناقضٌ لا نظير له لجهة سخفه وافتقاره إلى العقلانية أنْ ترى الدولة عندنا، والتي هي، في كثيرٍ من المعاني، غريبة، تزداد غربةً، عن مجتمعنا، في سعيٍ دائمٍ لتحالُفٍ زائفٍ مع كل ما يشتمل عليه مجتمعنا من مضادات لتطوُّره في اتِّجاه المجتمع الحر الديمقراطي المنفتح، والذي مع غيابه تغيب "الدولة الحقيقية"، أي الدولة في مفهومها الغربي "الأوروبي".

و"انتهازية" الدولة عندنا، وفي هذا المعنى للانتهازية، تَقْتَرِن بنهج "تنتهجه في علاقتها بالمجتمع" لا يختلف كثيراً عن "سياسة فرِّقْ تَسُدْ"، فالمجتمع الزاخِر بعصبيات وانتماءات وهويات ضدَّ تطوُّره في اتِّجاه القرن الحادي والعشرين، يجب أن يتَّحِد وينقسم، أن يستقرَّ ويضطَّرِب، أن يتصارع ويتصالح، بما يعود بالنفع والفائدة على "الدولة"، بصفة كونها فئة ضئيلة، منفصلة، بمصالحها وأهدافها الحقيقية، عن المجتمع، لا شيء يستأثر باهتمامها سوى الاحتفاظ بسلطةٍ اغتصبتها اغتصاباً، أو ورَّثتها إيَّاها قوى أجنبية!

إنَّ "الحضارة"، و"الحرِّية"، و"الديمقراطية"، هي أشياء ثلاثة تَحْضُر، وتزداد حضوراً، إذا ما غاب شيء رابع، وازداد غياباً، ألا وهو "التعصُّب" بأنواعه، وفي مقدَّمها "التعصُّب الدِّيني"، و"التعصُّب للدم"، فإنَّ هذا التعصُّب، أو ذاك، هو الذي فيه، وبه، تنمو وتقوى وتشتد "الوحشية" في البشر.

و"التعصُّب" يتضمَّن "الانتماء" و"الانحياز"؛ لكنَّه لا يَعْدِلهما، فكل "تعصُّب" يكمن فيه "الانتماء"، أو "الانحياز"؛ لكن ليس كل "انتماء"، أو "انحياز"، يجب أن يكمن فيه "التعصُّب"، فالمرء إذا "تعصَّب" لـ"عُصْبَتِه"، أي لجماعته، فلا بدَّ له من أن يصبح أعمى البصر والبصيرة، له عين لا تبصر، وعقل لا يعقل؛ ولا بدَّ له، أيضاً، من أن يغدو كالجاهِل لجهة عدائه لنفسه "الجاهِل عدو نفسه" ذلك لأنَّ "التعصُّب" لا يسمح له بوعي حقوقه ومصالحه الحقيقية "ومَنْ لا يعي حقوقه ومصالحه لا يمكنه أبداً الدفاع عنها" ويَزُجَّ به في كل صراعٍ أو حرب؛ لكن بصفة كونه وقوداً له أو لها، أي يجعله "هذا التعصُّب" جندياً دائماً في معارِك لا ناقة له فيها ولا جَمَل، إذا لم يكن هو نفسه الناقة أو الجَمَل.

و"سؤال الانتماء"، الذي بحسب إجابة المجيب عنه نميِّز "الانتماء الحضاري" من "نقيض هذا الانتماء"، إنَّما هو: هل أنتمي "أنا ابن القرن الحادي والعشرين بعد وليس قبل الميلاد" إلى ما لم أخْتَر، وما لم أُرِدْ، أم إلى ما أختار، وما أُريد؟

أنتَ لم تَخْتَر، ولم تُرِدْ، أن تكون من عُصْبَةٍ ما "من عشيرة أو قبيلة أو جماعة دينية.." لكن يمكنكَ أن تختار، وأن تريد، انتماءً آخر، فيه، وبه، تُحقِّق، أو تتحقَّق، ذاتكَ.

في "التعصُّب"، وبه، يرتفع "حتماً" منسوب الوحشية في علاقتنا بـ"الآخر"، أي المختلِف عنا، المخالِف لنا، في ما نتعصَّب له، فـ "الآخر" لا يَظْهَر في مرآة المتعصِّب إلاَّ على هيئة شيطان رجيم، أو على هيئة عدوٍّ مبين، نَسْتَحِلُّ، بفضل "ثقافة التعصُّب" التي رضعناها رضاعةً، حتى قتله، فنقتله وكأنَّنا نقتل حشرةً ضارةً، ونخترع لتمجيد قتله ما تطمئنُّ له نفوسنا من أخلاق وعقائد، فهذه "الثقافة" لا أهمية تُذْكَر لها إنْ هي لم تجعل أصحابها "أي ضحاياها" مؤمنين بأنَّ الخير، كل الخير، يكمن في هذا الشر الإنساني، أي في معاملة "الآخر"، وجوداً وحقوقاً، على أنَّه الشيطان الرجيم.

إنَّ عصبيتا "الدَّم" و"الدِّين"، واللتين ذُقْنا منهما الأمرَّين، لا يمكن فهمهما وتفسيرهما إلاَّ على أنَّهما "الثقافة" التي بفضلها تُلْبَس المصالح الفئوية الضيِّقة لبوس المصالح العامة الواسعة "مصالح الشعب والأمَّة" فيَسْهُل على عُصْبَة ضئيلة من الأسياد "في الاقتصاد والمال والسياسة.." زجَّ العامَّة من الناس في كل صراعٍ "أو حرب" لهم هم مصلحة حقيقية "لا وهمية" فيه، وكأنَّهما، أي العصبيتان، الأفيون للدهماء.

قديماً، كان ممكناً أن نرى شيئاً من الواقعية في وحدة العصبة من الناس بالدَّم؛ أمَّا الآن فتلاشت ونفدت تلك الواقعية، متحوِّلةً إلى نقيضها، وهو الوهم والخرافة، فالأعراق، صغيرها وكبيرها، اختلطت وامتزجت، حتى أصبح "النقي" منها كالعنقاء، التي هي طائر وهمي لا وجود له إلاَّ في تصوُّر الإنسان وخياله.

ومع عَوْلَمة، وتنامي عَوْلَمة، الزواج "الذي من خلال الإنجاب يمعن في "تعكير" صفو ونقاء الأعراق والدماء" ستتأكَّد، حتى للمستعبَدين أكثر من غيرهم بعصبية الدَّم، خرافة "الجماعة المتَّحِدة بالدَّم"، أي المتَّحِدة بصفاتها الوراثية.

إنَّنا نَسْتَنْفِد الجهد والوقت في معرفة "شَجَر العائلات" عندنا، أصولاً وفروعاً؛ أمَّا هُمْ فقد توصَّلوا في اكتشافهم العلمي الجديد إلى أنَّ الهرمون الأنثوي المسمَّى بروجسترون Progesterone موجودٌ، أيضاً، في الشجر "النبات" وكأنَّ شيئاً من الوحدة يوجد بين النساء والنبات.

كلتا العصبيتين إنَّما هي اجتماع "المصلحة" و"اللاعقل"، فمخترعوها، وناشروها، ومؤجِّجوها، والمتحكِّمون فيها، صعوداً وهبوطاً، إنَّما هم ذوو المصلحة الحقيقية فيها؛ أمَّا ضحاياها من الدهماء فهم الذين يخطُّون بدمائهم وآلامهم وبؤسهم حقيقة أنَّ مصالح فئوية ضيِّقة هي التي تبقي "المنافي للعقل" حيَّاً يُرْزَق، فيستمر ويتوطَّد حُكْم الأموات للأحياء!

ويكفي أن تجرى الانتخابات حتى نرى الحجوم والأوزان على حقيقتها، فكثرة الانتخابات تجتمع مع قلَّة الديمقراطية، وكثرة الناخبين والمرشَّحين تجتمع مع قلَّة المواطنين، وكثرة الصغير من الانتماء والهوية تجتمع مع قلَّة المواطنة والانتماء الأعلى والأسمى، وكثرة العشائرية والطائفية.. تجتمع مع قلَّة الحزبية، وكثرة التصويت تجتمع مع قلَّة التمثيل، وكِبَر الدائرة الانتخابية يجتمع مع صِغَر المجتمع والوطن. وفي آخر المطاف ننتخب في حرِّية تامة كل من يجتمع فيه "الإفراط في تمثيل أوهامنا" و"التفريط في تمثيل مصالحنا"!

إنَّ كل الأغاني والأناشيد والقصائد والخُطَب.. لا تؤسِّس، وحدها، للمواطَنة، فهذا الانتماء، يُزْرَع ويُغْرَس، ويضرب جذوره عميقاً في تربة الحياة الواقعية للبشر، قبل أن يغدو شعوراً ووعياً وثقافةً.. واستعداداً للتضحية بالغالي والنفيس.

"المواطَنة" لا تتحوَّل إلى قضية سياسية، في برامج وشعارات الحكومات والأحزاب والقادة السياسيين، إلاَّ حيث نقيضها، "اللا مواطَنة" بصورها وأشكالها المختلفة، يؤكِّد وجوده وحضوره القويين في حياة المجتمع، بأوجهها كافة، فلا تُفْهَم "المواطَنة"، بالتالي، إلاَّ على أنَّها صراع دائم ضد هذا النقيض، المتعدد الوجه والشكل، ينبغي لها فيه أن تُحْرِز الغلبة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ لكن من غير أن يعلِّل دعاتها وأنصارها أنفسهم بوهم القضاء المبرم على كل ما ينتمي إلى "اللا مواطَنة"؛ ذلك لأنَّ جُلَّ ما يمكن أن يتوصَّل إليه هؤلاء هو أن تسود "المواطَنة"، وتُهَيْمِن، كابحةً جماح "اللا مواطَنة".

وهذا الذي قُلْنا، ونقول به، هو ما يفسِّر ظاهرة سياسية وثقافية وفكرية جديدة في عالمنا العربي، ودولنا ومجتمعاتنا العربية، هي اشتداد الحاجة لدى الحكومات والأحزاب والقوى السياسية "وغير السياسية" إلى الحديث عن أهمية وضرورة "المواطَنة"، لجهة جعلها حقيقة واقعة، فهي ما زالت أقرب إلى عالم المُثُل الأفلاطوني منها إلى الواقع، الذي فيه من القوى "الموضوعية والذاتية" المضادة لـ"المواطَنة" ما يَحُول بين مجتمعاتنا العربية وبين التطوُّر بما يُوافِق "المواطَنة".

وإنَّها دول وحكومات لا تستطيع العيش إلاَّ في إسار تناقُض، أحد طرفيه هو تغذية كل ما يُضْعِف وينفي "المواطَنة"، أي تعزيز وتقوية قوى وبُنى "اللا مواطَنة"، دفاعاً عن مصالحها الفئوية الضيِّقة، فإذا تمخَّض هذا النهج عن نتائج تَذْهب، أو توشِك أن تذهب، بما أرادته، ورغبت فيه، انتقلت إلى الطرف الآخر من التناقض وهو الانحياز إلى "المواطَنة" ضدَّ "اللا مواطَنة"، والتسلُّح بسلاح "المواطَنة"، توصُّلاً إلى الغاية نفسها!

إذا كان حضور "الحرية" و"الديمقراطية" ممكناً في غياب "الأحرار" و"الديمقراطييين"، أو ضآلة وجودهم وعددهم، فإنَّ حضور "المواطَنة" ممكناً في غياب "المواطنين"، أو ضآلة وجودهم وعددهم. و"المواطِن" إنَّما هو شيء يُصْنَع صُنْعاً، فالمرء لا يُوْلَد "مواطِناً"، إنَّما "يصبح" مواطناً. ولن يصبح "مواطِناً" إلاَّ إذا نال من "المواطَنة" حقوقه كافَّة، ومن "الديمقراطية" حقوقه كافَّة، ومن "الإنسانية" حقوقه كافَّة، فـ "الوطن" يعطي أبناءه قبل، ومن أجل، أن يأخذ منهم.

يعطيهم ما هو في الأصل حقٌّ لهم عليه؛ فحيث ينتشر الفقر والجوع والبطالة، ويزدهر الاستبداد، وتُغْتَصَب حقوق المواطَنة، والحقوق الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتتلاشى في الحكومات صفة التمثيل للحقوق والمصالح والقضايا القومية لشعوبها، تختفي حتماً ثلاثة أشياء: الوطن، والمواطِن، والمواطَنة.

قديماً، أي في العصر الذهبي للثقافة والوعي السياسيين العربيين، كُنَّا نتحدَّث عن أهمية وضرورة وحتمية ومزايا الوحدة القومية العربية، وعن صلتها بخيار آخر هو "الاشتراكية"، فخيار "الديمقراطية" لم يكن بالأهمية "الجدلية" التي هو عليها الآن؛ وكان الخلاف بين النُخَب السياسية والفكرية اليسارية العربية "أكانت قومية أم شيوعية وماركسية" يتركَّز في إجابة سؤال "عَبْر الوحدة نحو الاشتراكية أم عَبْر الاشتراكية نحو الوحدة؟".

لقد هُزِمَت "القومية العربية"، فكراً واتِّجاهاً وهدفاً وشعاراً، شرَّ هزيمة، إذ هُزِم بطلها وزعيمها جمال عبد الناصر في الخامس من حزيران 1967؛ وسرعان ما خرجت من رحم هذه الهزيمة قوى سياسية عربية جديدة، تُغَلِّب، في فكرها وبرنامجها وشعارها، "الوطن الصغير" على "الوطن الكبير"، و"الانتماء دون القومي" على "الانتماء القومي"؛ ثمَّ مني اليسار العربي، مع خياره الاشتراكي، بهزيمته التاريخية إذ انهار وتفكَّك على حين غرة الاتحاد السوفياتي؛ ثمَّ غزت الولايات المتحدة واحتلت العراق، فدشَّن سقوط بغداد عصر تجزئة المجزَّأ، فبعد تجزئة "الوطن الكبير" بدأت تجزئة "الأوطان الصغيرة"؛ وكانت "قوى اللا مواطَنة"، على اختلافها، والمتسربلة بـ"الديمقراطية" ومشتقَّاتها، هي "المقص" في أيدي أحفاد سايكس وبيكو.

"القومية الواحدة"، وبما يتَّفِق مع مصالح القوى النفطية الغربية، والمصالح الإستراتيجية للدولة اليهودية، قُصْقِصَت، وسُدَّت الطريق إلى "الدولة القومية"، عربياً، والتي كانت طريق الأوروبيين إلى القِمَم في كل شيء، وابْتُني من أشلائها أكثر من عشرين دولة؛ ثمَّ شرعوا يضربون كل جزء من أجزاء "القومية العربية"، فكل جماعة قومية غير عربية، في كل دولة عربية، أصبح لها الحق في أن تنفصل وتستقل، أو في أن تحكم نفسها بنفسها؛ لكن بما يجعلها، واقعياً، دولة ضِمْن دولة؛ أمَّا ذلك الجزء من الجماعة القومية العربية، كعرب العراق، فأمعنوا في تجزئته بقوى التعصُّب دون القومي، متِّخِذين من "صندوق الاقتراع الديمقراطي" مقَصَّاً جديداً يقصقصون به كل جزء من "القومية العربية"، فالانتماء دون القومي هو الذي ينبغي له أن يغلب الانتماء القومي لدى العربي في كل دولة عربية.

وفي مناخ عالمي وإقليمي يتعذَّر فيه أن تنمو وتزدهر الروح القومية العربية، أصبح لـ"غير العربي"، في كل دولة عربية، من "الحقوق القومية" ما يَعْدِل، أو ما يكاد يَعْدِل، "الأطماع القومية"، التي فيها تكمن مصالح لقوى دولية وإقليمية تناصب "القومية العربية" عداءً تاريخياً؛ أمَّا العربي "في كل دولة عربية" فتضاءل شعوره بالانتماء القومي؛ بل تلاشى، وأصبحت "الهوية دون القومية" هي هويته التي دفاعاً عنها يضحِّي بالغالي والنفيس.

إنَّ "الأوطان العربية الصغيرة"، والتي بعضها من الصِّغَر، بمعانية كافَّة، ما يجعله مَسْخَاً لمفاهيم "الوطن" و"المجتمع" و"الدولة"، هي التي تكتشف الآن أهمية وضرورة أن تتسلَّح بسلاح "المواطَنة"، فإذا كانت "القومية العربية" مع "الوطن العربي الكبير"، هي عدوها القديم، فإنَّ تجزئة المجزَّأ بقوى التعصب من "النمط العراقي" هي عدوها الجديد.

إنَّني مع "المواطَنة" في كل دولة عربية، أي في كل "الأوطان العربية الصغيرة"، و"المتناهية في الصِغَر"، على أن تتحقَّق وتنمو وتزدهر بما يشحن "الانتماء القومي العربي" بمزيد من الطاقة والقوَّة، فـ"الأوطان الصغيرة"، ومهما بدت لنا جميلة، تظل كالنقد المزوَّر الذي لولا وجود النقد الحقيقي "وهو كناية عن الوطن العربي الكبير" لَمَا وُجِد، وعلى أن تكون الدول والحكومات نفسها مثلاً أعلى لشعوبها ومجتمعاتها ورعاياها في "المواطَنة"، فإنَّها ما زالت بخواص سياسية تجعلها متخلِّفة عن مواطنيها في "المواطَنة الحقَّة". إنَّها، والحقُّ يقال، دول وحكومات لا تعيش إلاَّ بـ "اللا مواطَنة"، وفيها، فكيف لفاقِد الشيء أن يعطيه؟!.


http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=\2010\11\11-28\837.htm&dismode=x&ts=28-11-2010 12:14:01