fouadzadieke
31-07-2005, 04:21 PM
مقالات في آزخ
المقالة الأولى: نكبة سنة 1926
بتاريخ 10/5/1984 م طالعتُ مجلّداً من مجلّة "الحكمة" وهي مجلّة دينيّة - أدبيّة - تاريخيّة - إخباريّة. كانتْ تصدرُ مرّة واحدة في الشهر عن دير مار مرقس في أورشليم (القدس) وقد كان من جملة الأعداد التي حواها هذا المجلّد العدد الثّاني لشهر شباط 1929 م وهي السّنة الثالثة من عمر المجلّة وفي الصفحة (69) مقالاً لكاتبه إبن العبري (وبالطبع ليس هو المفريان إبن العبري المعروف) بعنوان "لمحة تاريخيّة - الطائفة السّريانيّة في عشر سنوات" وقد نشرتها المجلّة على حلقتين، الأولى في هذا العدد والثانية وهي التتمّة في العددين الثالث والرّابع لشهري آذار ونيسان سنة 1929 السنة الثالثة. وتحت بند "الطائفة في العراق" الصفحة 118 ما يلي: "ولمّا نُكبتْ آزخ وبعض قرى طور عبدين بسبب الثّورة الكردية عام 1926 فرّ مَنْ نجا مِنْ سكّانها من سيف النّقمة والتّأديب إلى جهات الموصل فهبّتْ الطائفة لإيواء اللاّجئين و إعالتهم. وتشكّلتْ في تلك الآونة جمعيّة الإحسان التي أتتْ منْ ضروب الإحسان نحو هؤلاء المنكوبين ما سطّر لها الذّكر الجميل" وتعليقاً على هذا الموضوع قلتُ (فؤاد زاديكه):
من الجدير بالذّكر القول أنّ منطقة طور عبدين عموماً وآزخ خصوصاً تعرّضتْ لتحدّيات كثيرة ومخاطر جمّة تسبّبتْ و لأكثر منْ حقبة تاريخيّة ولمرّات متعدّدة ومتكرّرة بنكبات وويلات لا حصر لها دفع ثمنها الشّعبُ الآمن الذي كان يسكنها منذ مئات السّنين دون أنْ تُروى نفوسُ القتلة من ظمأ الدماء التي جرتْ أنهاراً والأرواح التي زهقتْ ظلماً وتعسّفاً وهي تمعن في الفتك والقتل والتنكيل دون أنْ يقفَ حقدُها عند حدّ أو يُطفيء غليلها هذا الفتكُ الدّامي بالنفوس البريئة.
لقدْ تتالتْ عليها المآسي وسحقت الويلاتُ كلّ مظاهر الحياة فيها, وشاء القدرُ الغادرُ ألاّ تقف عند مرحلة الإشباع فهي ما كانتْ لتخرجُ من محنة لتباشرَ في البناء لحالة جديدة ولحلم جديد حتّى كانتْ تسقطُ تحت وطأة محنة جديدة وجسامة كابوس فظيع آخر يكونا أكثرهلعاً ممّا سبق وأعنف شراسة وأذى ووحشيّة منْ سابقاته، فالتدميرُ والتّخريبُ كانتْ نتائج لمعظم هذه المحن والنّكبات ومَنْ يسمع بخبر تلك الويلات ويقف على أحداثها المروّعة يقشعرّ بدنه، فكيف بالذين عايشوا تلك الأحداث وشاهدوها بأمّ أعينهم وعانوا من مراراتها ودفعوا الأثمان الباهظة؟
كانتْ آزخ تخرجُ من محنتها نافضةً عنْ كاهلها عبء الألم والمرارة والمعاناة فتنطلق إلى مرحلة عمرانٍ جديدة، غير أنّ أمد ذلك لم يكنْ ليطول، لأنّ محنة جديدة كانت في طريقها لتصيب البلدة وتعيد من جديد خلط الأوراق ولخبطة حالة الأمن والهدوء تبشّر بدمار جديد وفتك جديد وتدمير جديد، كان كلّه يحلّ بها ويدفعها إلى عدم الاستقرار، وما عدم الاستقرار سوى عدم المقدرة على البناء والتواصل والعمل والنهوض ومنْ ثمّ عدم الاهتمام بكتابة تاريخ البلدة أو تدوين أحداثها، لأن الجميع كان مهدّداً بالموت ومَنْ يجوع لا يقدر على الكتابة فكيف بالذي يموتُ يوميّاً أو تتعرّض حياته لخطر الإبادة في أيّة لحظة!
إنّ الشّعور بالخوف من المجهول والمستقبل المظلم كان أبداً هو ما يسيطرُ على ذهن وحياة سكّان آزخ لكونها كانتْ وحيدةً في محيط ٍ من القرى الكرديّة المتكالبة على نهب خيراتها والفتك بأبنائها وسبي نسائهم وكانوا دائماً يقولون:"الذي لا يحتاط للأمر ويأخذ حذره تذهب به الظروفُ دون أنْ يستطيعَ الدّفاع وسوف لن يُدرك ذلك إلاّ بعد فوات الأوان" ويحضرني دائماً في هذا المجال المثل الشّعبي الأزخيني المأثور: " إللي ما ياخزْ حظرو... تيروحْ بلا حظرْ" أي سيذهب مغدوراً به ويُؤخذ على حين غرّة وقي غفلة من الزّمن، فالتحضير والاستعداد الذي كانتْ آزخ في أغلب الأحيان تقومُ به هو الذي جنّبها ويلات الوقوع في غفلة الزّمن ولأكثر من مرّة، ولم تكنْ في كلّ مرّة قادرة على صدّ الأعداء الغاصبين فهي كانت تقع تحت وطأة غلبة الكثرة والوحشيّة والهمجيّة المعتدية فلا تصمد وتندحر والأمثلة في تاريخها كثيرة منها غزوة تيمورلنك لها في القرن الرابع عشر وغزوات الغزّ وغزوات الميركور وغزوات العشائر الكردية والكوجر وتعدّيات الحكومة التركيّة ووحشيّة الأمراء البختيين في تعاملهم معها وغيره. جميع هذه الضغوط والممارسات الوحشيّة كانت تدمّر البلدة حتّى أنها كانتْ تبقى لسنوات كثيرة غير مسكونة يعيش أهلها في الكهوف والمغاور وفي البلدات والقرى النائية والمجاورة.
جميع هذه المعاملة الوحشيّة كانت ترتكب بحقّ شعبها الآمن والمسالم وهي القرية الوادعة التي لم تعرف أطماعاً سياسيّة لها ولا مطالب قوميّة أو غيرها بل كانتْ تعيش مع محبّة المسيح. لكنْ هيهات فإنّ الذين (وقع سمّهم "فمهم" بالدّم) كما نقول في عاميتنا لم يكونوا ليستيقظوا من أحلامهم إلاّ على صور الدّم وهم يتلذذون بساديّة قذرة في تطبيق سياسة الإبادة الجماعيّة. لماذا؟ فقط لأنّ هذه القلّة الآمنة من الناس تدين بغير الذي هم يدينون به منْ معتقد ودين, وفقط لأنّ هذه البلدة تطمح للأمن والسلام والمحبّة.
إنّ المراحل الصّعبة التي عاناها الشّعب الأزخيني في بلدته المكافحة (آزخ) إنّما لم تدعْ مجالاً للنهوض الحضاري أو الإقتصادي أو العمراني فأغلبُ بيوتها أحرق وسُحق فكان المرء مع هذا العناء لا يفكّر في تطوير أو تحسين حاله، بلْ كان يفكّر مليّاً كيف يستطيع مقاومة هذا الغزو والدفاع عن نفسه والثبات في أرضه، مقاوماً مستميتاً وجريئاً إذ ليس له بعد أن يخسر بلدته شيء آخر يدافع عنه أو يعيشُ من أجله.
كان الشّعبُ إذاً يفكّر في طريقة تكفلُ له الحياة وتضمنُ له البقاء، فالثبات في الأرض والصمود من أجل المبدأ والعقيدة إنّما شرعٌ بشريّ وقانونٌ سماويّ ليس للائم الحقّ في لومته متّى أحببنا الحياة وشئنا التشبّث بها، وليس من حقّ بشر أيّ بشر أنْ يتصرّف في الحياة التي أعطانا إياها الله ووهبتها لنا السّماء، وقد استمات الشّعبُ في آزخ واستبسل من أجل الحفاظ على مجد و كرامة الماضي وهو ماض مجيد لأنه لم يذنبْ في حقّ أحد ولم يعتد على أحد ولم يغتصبْ حقّ أحد! إنّه ماض ورّثه لنا الأجداد كريماً عزيزاً مؤمناً.
إنّ أغلب الويلات والنّكبات التي ألمّتْ بآزخ إنّما كانتْ مباشرة من
قبل الأكراد أو بدافع التحريض منهم، لقد رأى الأكراد في بلدة آزخ بلدة نصرانيّة عليها أنْ تخضع لسلطانهم ونفوذهم ليفعلوا بها ما يشاؤون، فتصبح مسحوقة الإرادة مكسورة العين وبهذا يُفسح المجال لهم في تلقين القرى النصرانيّة الأخرى ذات الدّروس، وكان لذلك أنْ هبّت العشائر الكرديّة على اختلاف تشعّباتها وفروعها وانتماءاتها إلى هذه البلدة المسالمة وأرغمتها على حرب لم تكن راغبةً فيها وكانتْ في أكثر المرّات يمنّ الله بالفرج فينهزم العدو وكان الدفاع عن النفس في كلّ مرّة ومقاومة المعتدي.
من المضحك انّ هذه العشائر الكرديّة التي كانت مأمورةً من قبل آغواتها كثيراً ما تتناحر فيما بينها بحثاً عن مغانم أو لخيانات كانت تقع بينها نفسها، لقد كانتْ في كلّ مرّة تتوجّه إلى آزخ متّحدة على هدف مشترك وهو إبادة هذا الشّعب ولكنْ وعندما كانت تلحق بها الهزيمة أو الخيبة سرعان ما كانتْ تعود إلى سابق عهدها فتغدرُ الواحدةُ بالأخرى وتتخاصم على تقاسم الغنائم أو هي تسرق من عشيرة أخرى ما يتسنّى لها سرقته أو توشي بها، إنّ هذه الحقائق كانتْ انعكاساً لمدى العقليّة الكردية المتقوقعة في تخلّفها و الموغلة في خيانتها، ولم يكن الهدف الرئيس المعلن عنه من جميع هذه المحاولات في الغزو والتعدّي خفيّاً بل صريحاً وواضحاً وهو استئصال جذور المسيحيّة من تلك المناطق، وكأنّ ذلك محلّل في كتبهم السماويّة علماً أن الرّسول العربي أوصى بالنصارى ووجوب حسن معاملتهم وعدم التّعدّي عليهم والحفاظ عليهم، غير أن فتاوى شيوخهم الداعية إلى التحريض والقتل العلني كانت تتغلّب على تعاليم الرّسول ودعواته التي كانوا يضربون بها عرض الحائط.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل أنّه أخذ أبعاداً أخرى بعد استلام مصطفى كمال أتاتورك السلطة في تركيا في سنة 1924 م ولإدراكه بأنّ الأكراد كانوا وراء الكثير من النكبات والويلات التي حلّتْ بالشّعب التركي فإنّه قرّر كسر شوكتهم وعلى الرّغم من الخطوات الإصلاحيّة الكثيرة التي قام بها فإنّ آزخ بشكل أو بآخر عانتْ خلال أيام حكمه، وإنّه بعدما نهض الشّيخ محمّد سعيد بثورته الكرديّة ضدّ الحكومة مطالباً بالاستقلال وإعلان الجمهوريّة الكرديّة عام 1926 فإنّ ذلك شمل أهل آزخ أيضاً وأصابهم من النكبات الشيء الكثير حيثُ أنّه في عام 1926 تمّ تجميع رجال آزخ فيما عُرف بقصّة المظبطة (سنأتي على ذكرها بالتفصيل أسباباً ونتائج في موضع آخر من هذه المقالات المتعدّدة) والبالغ عددهم حوالي 250 رجلا في دير مار يعقوب في طريق تسفيرهم إلى ديار بكر فخربوت، فآلة قمشي حيثُ كان من المقرّر إعدامهم هناك، لكونهم احتجّوا على المعاملة السيئة التي كانوا يلاقونها من عساكر الحكومة وأرادوا أن يتقدّموا بشكوى إلى الإنكليز الذين كانوا في الموصل، وهناك مَنْ يقول للصليب الأحمر الإنكليزي في الموصل.
وقد جرتْ بحقّ الأكراد في تلك الأيام والأعوام مجازر نظراً لأنّهم كانوا أغرقوا البلاد في فساد وأكثروا منْ شرورهم ومساوئهم ولكونهم أصبحوا يشكّلون خطراً قوميّاً عظيماً يتهدّد النظام الجمهوري الفتي قي تركيّا، فما كان منْ مصطفى كمال أتاتورك هذا إلاّ أنْ وجّه إلى رقابهم سيف الفتك والإبادة وكأنّما كان يقولُ لهم: "هلْ كان ذلك جميلاً عندما كنتم تصنعون هكذا بالآخرين وتفتكون بهم دون ذنب أو مبرّر؟" إنّي أرى - فيما يمكن أنْ يقوله لهم - حقّاً فكلّ ظالم لا بدّ أنْ ينتهي ظلمُه وقد حكم الأكراد سواء في جمهوريتهم مهابّاد سنة 1948 والتي لم تدم طويلاً، أو في حكمهم لإمارة بارزان أو جزيرة إبن عمر البختيّة، أو من خلال زعامات شيوخهم وآغواتهم التي كانت مترامية الأطراف في تركيّا في أيام حكم السلاطين العثمانيّة، وكان حكمهم دائماً جائراً ظالماً في حقّ الشعوب الخاضعة لهم، وهم ما كانوا ليعفّوا عن مكرمة ولا ينصفوا مظلوماً، ولئنْ وجدتْ حالات من العدل والإنصاف فإنّما تُعدّ من الحالات القليلة التي كانتْ منصفةً وإنسانيّة.
لقد عُلّقتْ مشانقهم وكان يعاون الشّيخ سعيد هذا في ثورته جماعة (جلادتْ) وهو سليل الأسرة الكرديّة التي حكمتْ جزيرة البوطان لمدة 550 سنة تقريباً بظلم عرفه العالم وقد دفعت الكنيسة في ظلّ حكمهم علماء وقدّيسين أعملتْ في أعناقهم السّيف دون رحمة أو شفقة.
وكانتْ آزخ المسالمة لا تفرّق بين الأديان فهي حمتْ الزّعيم الكردي يوسف آغا شقيق (حاجو آغا) الذي سكن قبور البيض بعد ذلك هرباً من الجيش التركي، وكان يوسف آغا فرّ من (مزيزخ) وحمته آزخ طيلة عامين من 1922 - 1924 م وتدفع آزخ هذه المرّة أيضاً بالكثير من أبنائها ثمناً لتضحية قدّموها نزولا عند رغبة عسكر الحكومة الذين كانوا ينفّذون أوامر حكومتهم في أكثر الأوقات بل في بعض الأحيان من بقايا القطعات الحميديّة الكرديّة (وحيث كانت مهمّتها الأساسيّة القضاء على نصارى تركيا تأسستْ أيام السلطان عبد الحميد) والتي ما كان قد قُضي عليها تماماً والتي تشكّلتْ منْ رغبة كرديّة في التطّوع الكردي للتنكيل الداخلي ولفرض إرادة سلطة الدولة العثمانيّة.
في هذه الفترة ما بين الأعوام 1926 - 1929 م وما تلا ذلك هاجرت عائلات وأفراد كثيرون من آزخ لأسباب مضايقة الحكومة لها بحجة أو بأخرى فمرة لحماية الأرمن وإيوائهم في آزخ وأخرى لحماية الأكراد وتوفير الملاذ الآمن لهم وحيث تلاحقهم السلطات التركية ومرة ثالثة بحجة رفضهم تسليم أسلحتهم وهكذا وفي كل فترة كانت آزخ تتعرّض لتعدي الحكومة، وكان من الطبيعيّ - ولقاء هذه الضغوط والتعديات وسوء الأحوال المعيشيّة - أن تهرب كثير من العائلات والجماعات إلى الموصل وغير الموصل وقد ذكرت قصة هرب بعضهم إلى الموصل ووثّقت فبقيت محفوظة أما الكثير، الكثير الذي لم يحفظ ضاع ولم يعرف أحد عنه شيئاً، وحيث كانت هذه الهجرة ليس إلى الموصل فحسب بل إلى سنجار وسوريا ولبنان والأردن والقدس ومصر وغيرها من بلدان العالم الأخرى، ويدافع الأكراد (الذين يقولون عن أنفسهم أنهم تقدّميون) عن أحداث هذه الحقبة التاريخيّة قائلين: إن موقف الكرد في هذه الحقبة التاريخيّة إنما كان مدفوعاً من قبل الرجعيّة الكرديّة، فهي التي كانت وراء كل هذه النكبات (على حدّ زعمهم) أو أنّها تقصّدتْ خلقها وأن الشّعب الكردي نفسه لم ينج من هذه الأضرار فهو أيضاً دفع أثماناً باهظة وقدّم التضحيات الجسام.
وروى لي شاهد عيان وكان أحد الذين أخذتهم السلطات التركيّة أيام القفلة في سنة 1926 عن حادثة فظيعة رآها بأم عينيه حيث قال: "كنا في طريقنا من ديار بكر إلى خربوت، بعدما تمّ أخذنا من آزخ، حينما حلّ الظلام علينا بتنا في إحدى القرى وعندما قاربت الساعة الثانية عشرة ليلا قدم إليّ ثلاثةُ جنود أتراك مدججين بالسلاح فركلوني وقادوني مرغماً إلى مكان لا أدري أين هو، كما لم أكن أعرف السبب لذلك". ويقول: "شاهدتُ منظراً مرعباً حيث أنّ حفراً كثيرة كان تمّ حفرها في الأرض بحيث تسع الواحدة شخصاً واحداً فقط، تمّ طمرُ جماعات كرديّة فيها وهم أحياء، ولم يكن يبدو منهم سوى رؤوسهم وهي فوق سطح الأرض، كانت هذه الرؤوس مزروعة في تلك الحفر على امتداد هذه المساحة من الأرض المستوية، وطلب منّي أن أقوم بتنظيف هذه القطعة من الأرض المستوية من الحجارة الصغيرة أو الكتل الطينيّة التي قد تعيق حركة جري الأحصنة (وهذا ما عرفته بعد انتهاء مهمتي) والتي كان من المقرّر - كما شاهدتُ - أن تجري جيئة وذهاباً بين هذه الرؤوس حتى يتمّ تحطيمها وسحقها" وقال: "رأيتُ ما لا أستطيع أن أذكره فقد هبط قلبي من الخوف والشفقة على هذه الجماعة، لقد كان منظراً فظيعاً وعملا شنيعاً" ويتابع القول: "تذكرتُ ما عملوه بنا وكيف كانوا يفقؤون عيون الأطفال ويبقرون بطون الحوامل ويغتصبون النساء والفتيات ويتلذذون في طرق قتل الرجال بأساليب قذرة وغير أخلاقيّة أو إنسانيّة، وقلتُ في نفسي إنهم يدفعون الثمن، لكني على الرغم من كلّ ما تراءى لي مما فعلوه بنا، فإني أشفقتُ على هؤلاء الناس الذين لم يكن لهم حيلة أو قوة" إنّ محدّثي كان على حقّ فبالرغم من أنه عانى شخصيّاً من ظلم أولئك الناس، تلك الجماعات الكرديّة، التي عندما ترى فرصتها المواتية تضرب بقوة دون رحمة أو هوادة، إلاّ أنّه رأى في هذه الأعمال وحشيّة وبربريّة غير معقولة أو مبررّة وتمنى لو تمكن الناس من العيش سوية بأمن ومحبة وسلام.
لم تكن هذه النكبة في 1926 في تاريخ آزخ هي الوحيدة فكانت هناك مجموعة من النكبات والمحن سنأتي على درسها والتحقيق فيها على شكل مقالات منفصلة تتناول كل مقالة حدثاً أو جانباً أو معاناة لنخرج في النهاية ببحث مطوّل نستجمع من خلاله تاريخ هذه البلدة الذي شابه الغموض، وهذا أحد فصول هذه المسرحية المأساويّة التي لم تبق على شيء من آزخ الأمس، وقد مثّلها الشعب الأزخيني عقلا وروحاً وجسداً.
تتبع المقالة الثانية...
المقالة الأولى: نكبة سنة 1926
بتاريخ 10/5/1984 م طالعتُ مجلّداً من مجلّة "الحكمة" وهي مجلّة دينيّة - أدبيّة - تاريخيّة - إخباريّة. كانتْ تصدرُ مرّة واحدة في الشهر عن دير مار مرقس في أورشليم (القدس) وقد كان من جملة الأعداد التي حواها هذا المجلّد العدد الثّاني لشهر شباط 1929 م وهي السّنة الثالثة من عمر المجلّة وفي الصفحة (69) مقالاً لكاتبه إبن العبري (وبالطبع ليس هو المفريان إبن العبري المعروف) بعنوان "لمحة تاريخيّة - الطائفة السّريانيّة في عشر سنوات" وقد نشرتها المجلّة على حلقتين، الأولى في هذا العدد والثانية وهي التتمّة في العددين الثالث والرّابع لشهري آذار ونيسان سنة 1929 السنة الثالثة. وتحت بند "الطائفة في العراق" الصفحة 118 ما يلي: "ولمّا نُكبتْ آزخ وبعض قرى طور عبدين بسبب الثّورة الكردية عام 1926 فرّ مَنْ نجا مِنْ سكّانها من سيف النّقمة والتّأديب إلى جهات الموصل فهبّتْ الطائفة لإيواء اللاّجئين و إعالتهم. وتشكّلتْ في تلك الآونة جمعيّة الإحسان التي أتتْ منْ ضروب الإحسان نحو هؤلاء المنكوبين ما سطّر لها الذّكر الجميل" وتعليقاً على هذا الموضوع قلتُ (فؤاد زاديكه):
من الجدير بالذّكر القول أنّ منطقة طور عبدين عموماً وآزخ خصوصاً تعرّضتْ لتحدّيات كثيرة ومخاطر جمّة تسبّبتْ و لأكثر منْ حقبة تاريخيّة ولمرّات متعدّدة ومتكرّرة بنكبات وويلات لا حصر لها دفع ثمنها الشّعبُ الآمن الذي كان يسكنها منذ مئات السّنين دون أنْ تُروى نفوسُ القتلة من ظمأ الدماء التي جرتْ أنهاراً والأرواح التي زهقتْ ظلماً وتعسّفاً وهي تمعن في الفتك والقتل والتنكيل دون أنْ يقفَ حقدُها عند حدّ أو يُطفيء غليلها هذا الفتكُ الدّامي بالنفوس البريئة.
لقدْ تتالتْ عليها المآسي وسحقت الويلاتُ كلّ مظاهر الحياة فيها, وشاء القدرُ الغادرُ ألاّ تقف عند مرحلة الإشباع فهي ما كانتْ لتخرجُ من محنة لتباشرَ في البناء لحالة جديدة ولحلم جديد حتّى كانتْ تسقطُ تحت وطأة محنة جديدة وجسامة كابوس فظيع آخر يكونا أكثرهلعاً ممّا سبق وأعنف شراسة وأذى ووحشيّة منْ سابقاته، فالتدميرُ والتّخريبُ كانتْ نتائج لمعظم هذه المحن والنّكبات ومَنْ يسمع بخبر تلك الويلات ويقف على أحداثها المروّعة يقشعرّ بدنه، فكيف بالذين عايشوا تلك الأحداث وشاهدوها بأمّ أعينهم وعانوا من مراراتها ودفعوا الأثمان الباهظة؟
كانتْ آزخ تخرجُ من محنتها نافضةً عنْ كاهلها عبء الألم والمرارة والمعاناة فتنطلق إلى مرحلة عمرانٍ جديدة، غير أنّ أمد ذلك لم يكنْ ليطول، لأنّ محنة جديدة كانت في طريقها لتصيب البلدة وتعيد من جديد خلط الأوراق ولخبطة حالة الأمن والهدوء تبشّر بدمار جديد وفتك جديد وتدمير جديد، كان كلّه يحلّ بها ويدفعها إلى عدم الاستقرار، وما عدم الاستقرار سوى عدم المقدرة على البناء والتواصل والعمل والنهوض ومنْ ثمّ عدم الاهتمام بكتابة تاريخ البلدة أو تدوين أحداثها، لأن الجميع كان مهدّداً بالموت ومَنْ يجوع لا يقدر على الكتابة فكيف بالذي يموتُ يوميّاً أو تتعرّض حياته لخطر الإبادة في أيّة لحظة!
إنّ الشّعور بالخوف من المجهول والمستقبل المظلم كان أبداً هو ما يسيطرُ على ذهن وحياة سكّان آزخ لكونها كانتْ وحيدةً في محيط ٍ من القرى الكرديّة المتكالبة على نهب خيراتها والفتك بأبنائها وسبي نسائهم وكانوا دائماً يقولون:"الذي لا يحتاط للأمر ويأخذ حذره تذهب به الظروفُ دون أنْ يستطيعَ الدّفاع وسوف لن يُدرك ذلك إلاّ بعد فوات الأوان" ويحضرني دائماً في هذا المجال المثل الشّعبي الأزخيني المأثور: " إللي ما ياخزْ حظرو... تيروحْ بلا حظرْ" أي سيذهب مغدوراً به ويُؤخذ على حين غرّة وقي غفلة من الزّمن، فالتحضير والاستعداد الذي كانتْ آزخ في أغلب الأحيان تقومُ به هو الذي جنّبها ويلات الوقوع في غفلة الزّمن ولأكثر من مرّة، ولم تكنْ في كلّ مرّة قادرة على صدّ الأعداء الغاصبين فهي كانت تقع تحت وطأة غلبة الكثرة والوحشيّة والهمجيّة المعتدية فلا تصمد وتندحر والأمثلة في تاريخها كثيرة منها غزوة تيمورلنك لها في القرن الرابع عشر وغزوات الغزّ وغزوات الميركور وغزوات العشائر الكردية والكوجر وتعدّيات الحكومة التركيّة ووحشيّة الأمراء البختيين في تعاملهم معها وغيره. جميع هذه الضغوط والممارسات الوحشيّة كانت تدمّر البلدة حتّى أنها كانتْ تبقى لسنوات كثيرة غير مسكونة يعيش أهلها في الكهوف والمغاور وفي البلدات والقرى النائية والمجاورة.
جميع هذه المعاملة الوحشيّة كانت ترتكب بحقّ شعبها الآمن والمسالم وهي القرية الوادعة التي لم تعرف أطماعاً سياسيّة لها ولا مطالب قوميّة أو غيرها بل كانتْ تعيش مع محبّة المسيح. لكنْ هيهات فإنّ الذين (وقع سمّهم "فمهم" بالدّم) كما نقول في عاميتنا لم يكونوا ليستيقظوا من أحلامهم إلاّ على صور الدّم وهم يتلذذون بساديّة قذرة في تطبيق سياسة الإبادة الجماعيّة. لماذا؟ فقط لأنّ هذه القلّة الآمنة من الناس تدين بغير الذي هم يدينون به منْ معتقد ودين, وفقط لأنّ هذه البلدة تطمح للأمن والسلام والمحبّة.
إنّ المراحل الصّعبة التي عاناها الشّعب الأزخيني في بلدته المكافحة (آزخ) إنّما لم تدعْ مجالاً للنهوض الحضاري أو الإقتصادي أو العمراني فأغلبُ بيوتها أحرق وسُحق فكان المرء مع هذا العناء لا يفكّر في تطوير أو تحسين حاله، بلْ كان يفكّر مليّاً كيف يستطيع مقاومة هذا الغزو والدفاع عن نفسه والثبات في أرضه، مقاوماً مستميتاً وجريئاً إذ ليس له بعد أن يخسر بلدته شيء آخر يدافع عنه أو يعيشُ من أجله.
كان الشّعبُ إذاً يفكّر في طريقة تكفلُ له الحياة وتضمنُ له البقاء، فالثبات في الأرض والصمود من أجل المبدأ والعقيدة إنّما شرعٌ بشريّ وقانونٌ سماويّ ليس للائم الحقّ في لومته متّى أحببنا الحياة وشئنا التشبّث بها، وليس من حقّ بشر أيّ بشر أنْ يتصرّف في الحياة التي أعطانا إياها الله ووهبتها لنا السّماء، وقد استمات الشّعبُ في آزخ واستبسل من أجل الحفاظ على مجد و كرامة الماضي وهو ماض مجيد لأنه لم يذنبْ في حقّ أحد ولم يعتد على أحد ولم يغتصبْ حقّ أحد! إنّه ماض ورّثه لنا الأجداد كريماً عزيزاً مؤمناً.
إنّ أغلب الويلات والنّكبات التي ألمّتْ بآزخ إنّما كانتْ مباشرة من
قبل الأكراد أو بدافع التحريض منهم، لقد رأى الأكراد في بلدة آزخ بلدة نصرانيّة عليها أنْ تخضع لسلطانهم ونفوذهم ليفعلوا بها ما يشاؤون، فتصبح مسحوقة الإرادة مكسورة العين وبهذا يُفسح المجال لهم في تلقين القرى النصرانيّة الأخرى ذات الدّروس، وكان لذلك أنْ هبّت العشائر الكرديّة على اختلاف تشعّباتها وفروعها وانتماءاتها إلى هذه البلدة المسالمة وأرغمتها على حرب لم تكن راغبةً فيها وكانتْ في أكثر المرّات يمنّ الله بالفرج فينهزم العدو وكان الدفاع عن النفس في كلّ مرّة ومقاومة المعتدي.
من المضحك انّ هذه العشائر الكرديّة التي كانت مأمورةً من قبل آغواتها كثيراً ما تتناحر فيما بينها بحثاً عن مغانم أو لخيانات كانت تقع بينها نفسها، لقد كانتْ في كلّ مرّة تتوجّه إلى آزخ متّحدة على هدف مشترك وهو إبادة هذا الشّعب ولكنْ وعندما كانت تلحق بها الهزيمة أو الخيبة سرعان ما كانتْ تعود إلى سابق عهدها فتغدرُ الواحدةُ بالأخرى وتتخاصم على تقاسم الغنائم أو هي تسرق من عشيرة أخرى ما يتسنّى لها سرقته أو توشي بها، إنّ هذه الحقائق كانتْ انعكاساً لمدى العقليّة الكردية المتقوقعة في تخلّفها و الموغلة في خيانتها، ولم يكن الهدف الرئيس المعلن عنه من جميع هذه المحاولات في الغزو والتعدّي خفيّاً بل صريحاً وواضحاً وهو استئصال جذور المسيحيّة من تلك المناطق، وكأنّ ذلك محلّل في كتبهم السماويّة علماً أن الرّسول العربي أوصى بالنصارى ووجوب حسن معاملتهم وعدم التّعدّي عليهم والحفاظ عليهم، غير أن فتاوى شيوخهم الداعية إلى التحريض والقتل العلني كانت تتغلّب على تعاليم الرّسول ودعواته التي كانوا يضربون بها عرض الحائط.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل أنّه أخذ أبعاداً أخرى بعد استلام مصطفى كمال أتاتورك السلطة في تركيا في سنة 1924 م ولإدراكه بأنّ الأكراد كانوا وراء الكثير من النكبات والويلات التي حلّتْ بالشّعب التركي فإنّه قرّر كسر شوكتهم وعلى الرّغم من الخطوات الإصلاحيّة الكثيرة التي قام بها فإنّ آزخ بشكل أو بآخر عانتْ خلال أيام حكمه، وإنّه بعدما نهض الشّيخ محمّد سعيد بثورته الكرديّة ضدّ الحكومة مطالباً بالاستقلال وإعلان الجمهوريّة الكرديّة عام 1926 فإنّ ذلك شمل أهل آزخ أيضاً وأصابهم من النكبات الشيء الكثير حيثُ أنّه في عام 1926 تمّ تجميع رجال آزخ فيما عُرف بقصّة المظبطة (سنأتي على ذكرها بالتفصيل أسباباً ونتائج في موضع آخر من هذه المقالات المتعدّدة) والبالغ عددهم حوالي 250 رجلا في دير مار يعقوب في طريق تسفيرهم إلى ديار بكر فخربوت، فآلة قمشي حيثُ كان من المقرّر إعدامهم هناك، لكونهم احتجّوا على المعاملة السيئة التي كانوا يلاقونها من عساكر الحكومة وأرادوا أن يتقدّموا بشكوى إلى الإنكليز الذين كانوا في الموصل، وهناك مَنْ يقول للصليب الأحمر الإنكليزي في الموصل.
وقد جرتْ بحقّ الأكراد في تلك الأيام والأعوام مجازر نظراً لأنّهم كانوا أغرقوا البلاد في فساد وأكثروا منْ شرورهم ومساوئهم ولكونهم أصبحوا يشكّلون خطراً قوميّاً عظيماً يتهدّد النظام الجمهوري الفتي قي تركيّا، فما كان منْ مصطفى كمال أتاتورك هذا إلاّ أنْ وجّه إلى رقابهم سيف الفتك والإبادة وكأنّما كان يقولُ لهم: "هلْ كان ذلك جميلاً عندما كنتم تصنعون هكذا بالآخرين وتفتكون بهم دون ذنب أو مبرّر؟" إنّي أرى - فيما يمكن أنْ يقوله لهم - حقّاً فكلّ ظالم لا بدّ أنْ ينتهي ظلمُه وقد حكم الأكراد سواء في جمهوريتهم مهابّاد سنة 1948 والتي لم تدم طويلاً، أو في حكمهم لإمارة بارزان أو جزيرة إبن عمر البختيّة، أو من خلال زعامات شيوخهم وآغواتهم التي كانت مترامية الأطراف في تركيّا في أيام حكم السلاطين العثمانيّة، وكان حكمهم دائماً جائراً ظالماً في حقّ الشعوب الخاضعة لهم، وهم ما كانوا ليعفّوا عن مكرمة ولا ينصفوا مظلوماً، ولئنْ وجدتْ حالات من العدل والإنصاف فإنّما تُعدّ من الحالات القليلة التي كانتْ منصفةً وإنسانيّة.
لقد عُلّقتْ مشانقهم وكان يعاون الشّيخ سعيد هذا في ثورته جماعة (جلادتْ) وهو سليل الأسرة الكرديّة التي حكمتْ جزيرة البوطان لمدة 550 سنة تقريباً بظلم عرفه العالم وقد دفعت الكنيسة في ظلّ حكمهم علماء وقدّيسين أعملتْ في أعناقهم السّيف دون رحمة أو شفقة.
وكانتْ آزخ المسالمة لا تفرّق بين الأديان فهي حمتْ الزّعيم الكردي يوسف آغا شقيق (حاجو آغا) الذي سكن قبور البيض بعد ذلك هرباً من الجيش التركي، وكان يوسف آغا فرّ من (مزيزخ) وحمته آزخ طيلة عامين من 1922 - 1924 م وتدفع آزخ هذه المرّة أيضاً بالكثير من أبنائها ثمناً لتضحية قدّموها نزولا عند رغبة عسكر الحكومة الذين كانوا ينفّذون أوامر حكومتهم في أكثر الأوقات بل في بعض الأحيان من بقايا القطعات الحميديّة الكرديّة (وحيث كانت مهمّتها الأساسيّة القضاء على نصارى تركيا تأسستْ أيام السلطان عبد الحميد) والتي ما كان قد قُضي عليها تماماً والتي تشكّلتْ منْ رغبة كرديّة في التطّوع الكردي للتنكيل الداخلي ولفرض إرادة سلطة الدولة العثمانيّة.
في هذه الفترة ما بين الأعوام 1926 - 1929 م وما تلا ذلك هاجرت عائلات وأفراد كثيرون من آزخ لأسباب مضايقة الحكومة لها بحجة أو بأخرى فمرة لحماية الأرمن وإيوائهم في آزخ وأخرى لحماية الأكراد وتوفير الملاذ الآمن لهم وحيث تلاحقهم السلطات التركية ومرة ثالثة بحجة رفضهم تسليم أسلحتهم وهكذا وفي كل فترة كانت آزخ تتعرّض لتعدي الحكومة، وكان من الطبيعيّ - ولقاء هذه الضغوط والتعديات وسوء الأحوال المعيشيّة - أن تهرب كثير من العائلات والجماعات إلى الموصل وغير الموصل وقد ذكرت قصة هرب بعضهم إلى الموصل ووثّقت فبقيت محفوظة أما الكثير، الكثير الذي لم يحفظ ضاع ولم يعرف أحد عنه شيئاً، وحيث كانت هذه الهجرة ليس إلى الموصل فحسب بل إلى سنجار وسوريا ولبنان والأردن والقدس ومصر وغيرها من بلدان العالم الأخرى، ويدافع الأكراد (الذين يقولون عن أنفسهم أنهم تقدّميون) عن أحداث هذه الحقبة التاريخيّة قائلين: إن موقف الكرد في هذه الحقبة التاريخيّة إنما كان مدفوعاً من قبل الرجعيّة الكرديّة، فهي التي كانت وراء كل هذه النكبات (على حدّ زعمهم) أو أنّها تقصّدتْ خلقها وأن الشّعب الكردي نفسه لم ينج من هذه الأضرار فهو أيضاً دفع أثماناً باهظة وقدّم التضحيات الجسام.
وروى لي شاهد عيان وكان أحد الذين أخذتهم السلطات التركيّة أيام القفلة في سنة 1926 عن حادثة فظيعة رآها بأم عينيه حيث قال: "كنا في طريقنا من ديار بكر إلى خربوت، بعدما تمّ أخذنا من آزخ، حينما حلّ الظلام علينا بتنا في إحدى القرى وعندما قاربت الساعة الثانية عشرة ليلا قدم إليّ ثلاثةُ جنود أتراك مدججين بالسلاح فركلوني وقادوني مرغماً إلى مكان لا أدري أين هو، كما لم أكن أعرف السبب لذلك". ويقول: "شاهدتُ منظراً مرعباً حيث أنّ حفراً كثيرة كان تمّ حفرها في الأرض بحيث تسع الواحدة شخصاً واحداً فقط، تمّ طمرُ جماعات كرديّة فيها وهم أحياء، ولم يكن يبدو منهم سوى رؤوسهم وهي فوق سطح الأرض، كانت هذه الرؤوس مزروعة في تلك الحفر على امتداد هذه المساحة من الأرض المستوية، وطلب منّي أن أقوم بتنظيف هذه القطعة من الأرض المستوية من الحجارة الصغيرة أو الكتل الطينيّة التي قد تعيق حركة جري الأحصنة (وهذا ما عرفته بعد انتهاء مهمتي) والتي كان من المقرّر - كما شاهدتُ - أن تجري جيئة وذهاباً بين هذه الرؤوس حتى يتمّ تحطيمها وسحقها" وقال: "رأيتُ ما لا أستطيع أن أذكره فقد هبط قلبي من الخوف والشفقة على هذه الجماعة، لقد كان منظراً فظيعاً وعملا شنيعاً" ويتابع القول: "تذكرتُ ما عملوه بنا وكيف كانوا يفقؤون عيون الأطفال ويبقرون بطون الحوامل ويغتصبون النساء والفتيات ويتلذذون في طرق قتل الرجال بأساليب قذرة وغير أخلاقيّة أو إنسانيّة، وقلتُ في نفسي إنهم يدفعون الثمن، لكني على الرغم من كلّ ما تراءى لي مما فعلوه بنا، فإني أشفقتُ على هؤلاء الناس الذين لم يكن لهم حيلة أو قوة" إنّ محدّثي كان على حقّ فبالرغم من أنه عانى شخصيّاً من ظلم أولئك الناس، تلك الجماعات الكرديّة، التي عندما ترى فرصتها المواتية تضرب بقوة دون رحمة أو هوادة، إلاّ أنّه رأى في هذه الأعمال وحشيّة وبربريّة غير معقولة أو مبررّة وتمنى لو تمكن الناس من العيش سوية بأمن ومحبة وسلام.
لم تكن هذه النكبة في 1926 في تاريخ آزخ هي الوحيدة فكانت هناك مجموعة من النكبات والمحن سنأتي على درسها والتحقيق فيها على شكل مقالات منفصلة تتناول كل مقالة حدثاً أو جانباً أو معاناة لنخرج في النهاية ببحث مطوّل نستجمع من خلاله تاريخ هذه البلدة الذي شابه الغموض، وهذا أحد فصول هذه المسرحية المأساويّة التي لم تبق على شيء من آزخ الأمس، وقد مثّلها الشعب الأزخيني عقلا وروحاً وجسداً.
تتبع المقالة الثانية...