المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السادية والانسحاق والفجيعة في "المرأة والقطة",, جورج جحا


kestantin Chamoun
18-10-2010, 05:37 PM
18-10-2010 8:22:56
http://www.alarabonline.org/data/2010/10/10-18/437p.jpg
غلاف رواية ليلى العثمان
السادية والانسحاق والفجيعة في "المرأة والقطة"




بيروت- جورج جحا

رواية "المرأة والقطة" للكاتبة الكويتية ليلى العثمان تشكل -في كليتها- درسا في بعض أشكال السادية أو حب إلحاق العذاب بالاخرين تنفيسا عن مشكلات في نفس مرتكب ذلك أو مجرد تجسيد لبعض سمات هذه المشكلات وكذلك في مشكلات نفسية أخرى.

إلا أن ليلى العثمان الروائية والقصصية ذات الخبرة والنتاج المتعدد لم تقع في دوامة الوعظ والتحليل غير الضروريين اللذين قد يحولان العمل الروائي الى سرد بارد لنظريات علمية ومن شأن هذا أن يقضي على العنصر الأدبي الفني فيه.

إنها تصوّر لنا لا حالة واحدة فقط بل ما لا يقل عن ثلاث حالات من خلال أخذنا الى المشاعر والتصرفات البشرية وجعلنا نعيش في أجوائها التي قد تكون رهيبة حينا ومقرفة حينا آخر.

القارىء من خلال هذه الرحلة التي تأخذنا اليها رواية "المرأة والقطة" وعبر أحداثها وأجوائها يستنتج خلاصات تلك النظريات التي قرأها او قرأ عنها في عالم علم النفس دون أن تدفع الكاتبة أيا منها في وجهه بل دون أن تلفظ اسم أية واحدة منها فهي تترك العمل يفعل فعله دون حاجة الى "ترصيع" هذا العمل بكلام وبنظرية أو أكثر.

إنها تضعنا من خلال الأحداث والحوار والمشاعر التي يجري التعبير عنها في الرواية في أتون التجربة البشرية وأزماتها بما يذكرنا بنفوس عرفنا أو سمعنا شيئا عنها في الحياة. ليلى العثمان تستمد "موادها الخام" في عملها الروائي هذا من الحياة وقصصها المفجعة الكثيرة.

تتناول الكاتبة في الرواية شخصية العمة التي يبدو أنها حرمت من الحب فانقلبت الى رمز للحقد على كل أشكاله وصوره. ولكن حذار أن يتوهم القارىء أن منابع هذا العمل هي فقط تلك النماذج العديدة في مجالات من حياة بعض الناس.. إنها كذلك وأكثر بكثير فالكاتبة دون شك مشبعة بدراسات نفسية بشكل أاو بآخر لكنها من خلال مهارة "الصنعة" لديها تلقي بنا في خضم تجارب أشخاصها لا في خضم النظريات والتحليلات إلا حيث يقتضي العمل الروائي كأن يأتي -مثلا- شيء من التحليل أو التفسير في صورة خاطرة أو خواطر عند أحد أشخاصها وحتى ذلك فهو قليل لأنها تترك لنا كقراء مجال الاستنتاج بل متعة الاستنتاج فلا تفسدها علينا.

تنقلنا الكاتبة الى الحرمان الذي يتحول الى حقد كأنها تشير مداورة الى صبا هذه العمة أو طفولتها والى تسلمها دور قيادة لم تعد تريد او لم تعد تستطيع التخلي عنه.

ومن ناحية أخرى تتناول فكرة التعويض عند البعض ممن إذا فقدوا أمرا ما حاولوا التعويض عنه بأمر آخر. هذا الفتى المسكين الذي طردت عمته أامه وجعلت والده يطلقها لم يعد له من تعويض سوى تلك القطة التي عادت العمة فقتلتها فكأنها بذلك قتلت شيئا فيه.

وضع من هذا النوع قد ينقل القارىء الى بعض نتاج حمود تيمور القديم عن الخادمة الصغيرة التي لا تجد في وحشة ليلها الطويل رفيقا سوى فأرة اصبحت شريكتها في عالمها.

وتناولت ليلى العثمان موضوعا نفسيا آخر هو تأثير محبة الأم والتعلق بها أو فقدانها في نفسية الولد إذ يتحول تقديسه لها خاصة في ظل أب ضعيف خانع او غائب الى تقديس عروسه فتتحول الزوجة الى صورة الأم كما رأينا عند كامل رؤبة لاظ في رواية السراب لنجيب محفوظ وفي غيرها من الأعمال الأجنبية والعربية. الكاتبة لا تتحدث عن عقدة أوديب أو غيرها بل تقدم لنا نماذج روائية.

وسواء أحب القارىء هذا النوع من الروايات ذات الآلام المكثفة ام لم يحبه فالعمل في حد ذاته جدي بل شديد الجدية بشكل ضاغط احيانا.

وردت الرواية في 87 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت وعن "منشورات الاختلاف" في الجزائر العاصمة.

إنها قصة ولد لم يعد له - في البداية- من مخلوق يتعاطف معه إلا قطة أصبحت تعوضه عن أم فقدها إذ هجرها ظلم عمته القاسية التي تستبد بالبيت كله وضعف أبيه الخانع. بعد ذلك وصل التحكم الى الفتى إذ زوجته العمة من انتقتها له دون اعتبار لرأيه أو أيّ رأي آخر.

وما لبثت أن ثارت على الفتى و عروسه بعد أن رأت كم يحب الواحد منهما الآخر.
ويبقى ظل العمة المستبدة طاغيا على الجميع حتى قتل العروس بعد أن أبلغ الفتى أباه عجزه عن ممارسة الجنس التام مع زوجته ومع ذلك فقد حملت. اتهم أباه بأنه الفاعل وأبلغ الأب شقيقته الطاغية.

وعندما اكتشف الشاب أن الفتاة بريئة وأنها ما زالت عذراء تحوّل غضبه الى مزيد من الحب لها وعادت إليه ثقته بنفسه واستطاع القيام بممارسة جنسية كاملة فض فيها بكارة عروسه الحامل منه بطريقة غريبة.

الا أن يديّ عمته وأبيه سبقتاه فأثناء غياب قصير له قتلاها ولما عاد حاملا إليها أطايب الطعام واجه الفاجعة وصار في حالة ذهول وغياب وشبه جنون. تبدأ الرواية في مستشفى وهو في غرفة وسط حراسة لاتهامه بقتل زوجته. وبعد عذاب وضياع تبدأ الحقائق بالانكشاف وسط عذاب هذا الشاب البريء وانهيار عالمه.

ثمّة أمر هنا قد يبدو غير مقنع نوعا ما وهو خنوع هذا الأب أمام شقيقته وقسوتها بل خوفه منها. تبرير ذلك بانها تولت دور الأم والأب بالنسبة إليه وتولت أمر عائلته لاحقا لا يكفي للإقناع. فالإنسان قد يثور على والديه نتيجة ظلم كهذا. ألم يستفق الابن الضعيف في لحظة ويثر على أبيه وعمته بشراسة بعد اكتشافه رجولته معوضا عن أيام الضعف؟.

كان باستطاعة ليلى العثمان أن تطور شخصية الأب بافضل من هذا إذ بدت لنا شخصية باهتة جيء بها لتخدم غاية واحدة هي أن يمثل لنا صورة الضعف. وكذلك كان بإمكانها أن تطوّر شخصية العمة وإن الى حد أقل من شخصية الأب. "رويترز"


Alarab Online