kestantin Chamoun
09-07-2010, 05:04 PM
الخميس, 01 يوليو 2010 22:41
المتوسط اونلاين - من أنت؟ من أنا؟ أي تعريف للهويّة في عصر "المجتمع الرقمي"؟
وفرت تقنية المعلومات سبيلا لتجاوز مرحلة المقاربات الفكرية والفلسفية والسياسية إلى مفهوم رقمي بسيط.
فأسئلة الماضي لم يعد لها مكان في عصرنا لأن كل المفاهيم قد "تقننت" وتم إيداعها في معادن وخيوط وأرقام وشبكات. هكذا تخلّصنا التكنولوجيا الحديثة من عناء التفكير.
التشخيص البيومتري ميدان غريب ويستعصي فهمه على الغالبية وهذا ما يفسّر عدم الاهتمام به. فكل الخطب التي تتعلّق به والتي عادة ما تشير لجوانبه الإيجابية وفوائده تعتبر التشخيص البيومتري تطوّرا تاريخيا طبيعيا أو بالأحرى تدمجه ضمن تاريخ طبيعي للتقنيات. "فالكلّ يعلم أنّ التشخيص البيومتري قديم قدم الزمان" منذ الفترة التي أصبح فيها من الممكن تشخيص الوجه بلمح البصر. فلماذا التساؤل والحيرة؟ فما دامت التقنية ليست سوى تطوّرا طبيعيا وآليا تحكمه قوانينه الخاصة فالتشخيص البيومتري ليس سوى تطوّرا تقنيا للتشخيص.
لكن هذا الموقف يتغاضى عن التعارض بين تشخيص يستند إلى معايير ويخضع لممارسة اجتماعية في مجال محدّد وبين تشخيص يعتمد الأقيسة الرقمية لمختلف أجزاء ومكوّنات الجسم (البصمات، دائرة اليد، شبكة الأوردة، جزء من الطبقة الخارجية للبشرة، القزحية،...) ثم مطابقة آلية لهذه المعطيات ومقارنتها مع نظام معلومات وتواصل معقّد.
من بين تطبيقات البيومترية التأشيرة البيومترية التي تندرج ضمن إطار أعمّ وأشمل ويخصّ عقلنة العلاقات بين السلطة والمواطن وإدماجها في نظام معلوماتي متقدّم.
فالبيومترية تحمل معها تعريفا جديدا للهوية المدنية وتصوّرا جديدا للمجتمع لذاته. فشبكات المعلوماتية والتواصل لا تقضى على الحدود الوطنية أو تؤدّي إلى تراجع دور الدولة ولكنها تضع كل ذلك ضمن دائرة أوسع يطلق عليها البعض "النظام التقني الكليّ".
فهذا النظام التقني واحد ومشترك لكلّ الأوطان مهما تباينت.
من ناحية أخرى على كلّ بلد أن يلائم تشريعاته الوطنية بما يتماشى مع الغايات والأهداف والأولويّات المرسومة على مجال أوسع.
اقترن بروز تقنيات التشخيص العصرية مع ظهور الدولة- الأمة في البلدان الغربية وتغيّر مفهوم السيادة والناتج عن سقوط النظام السياسي القديم. فهذا الأخير كان يعتمد في عمليّة التشخيص على العلاقات بين الأشخاص الذين يقطنون مجالا محدّدا كالتجمعات القروية.
فعلاقة المواطن بالسلطة والتي ترتكز على ولاء الشخص للملك هي الأخرى تستند على نفس النمط المذكور، أي علاقة الأشخاص بعضها ببعض. في المجتمعات العصرية فقدت السلطة الطابع "المشخصن" وأصبحت الضامن لحقوق الأفراد.
ومع تطوّر المجتمعات الصناعية وتطوّر وسائل الاتّصال وسائل وشبكات النقل وما ينتج عنه من حركة للسكان (السكك الحديدية والهاتف والتلغراف، ...) نشأت علاقة اجتماعية غير مباشرة وبرزت وسائل جديدة قادرة على مراقبة هذه العلاقة.
يقول الفيلسوف فيخته المنظر الأول للأمة الألمانية: "في عالم قطع مع المحاباة والامتيازات التي فرضها المجتمع القديم المبني على الهرميّة لا يمكن تطبيق قوانين الدولة-الأمّة إلاّ متى تمكّن المجتمع من تشخيص كلّ فرد بصفته شخصا مميّزا وفريدا وذلك في كل وقت وزمان ومكان". نذكر على سبيل المثال ظهور جواز السفر في فرنسا في القرن الثامن عشر لصدّ التهديدات التي تصدر عادة من خارج الحدود والتي تقف وراءها قوى المجتمع لقديم. من المعلوم أن عديد البرلمانيين قد عارضوا ذلك وندّدوا بالجانب الاعتباطي لتقنية تشخيص تثبّت عناصر مميّزة للأشخاص والحال أنّ هذه العناصر تتغيّر مع الأيام.
اليوم لم تعد الحدود مرتبطة بالمجال والجغرافيا. فهذه الحدود تتمطّط وتتمدّد وتستقلّ عن المجال وعن الحقيقة الفيزيائية للدولة الأمّة.
تعتمد البيومترية على تشخيص الفرد من خلال خاصية ثابتة في جسمه وقياسات لأجزاء من الجسم. يتحوّل هذا الجزء من الجسم إلى معلومة رقمية يقع تخزينها في قاعدة بيانات معلوماتية. يقع التشخيص من خلال المقاربة بين المعلومات المخزّنة والجزء من الجسم الذي يرتبط بها. البيومترية هي تسجيل لعلامة تدلّ على الشخص من خلال صورة وجملة من الخاصيات المشابهة يكتنزها هذا الفيض المتنقل من المعلومات.
هي إذن تتجاوز إطار المراقبة عن بعد الذي أقامته الدول المعاصرة لتندمج وتختلط مع منطق نظام تقني كلّي ويفترض كل ذلك إدارة لهذا الفيض من المعلومات. في فرنسا وقبل منح تأشيرة السفر يقع الرّجوع إلى قاعدة بيانات تعرف ب rmv2 (الشبكة العالمية لتأشيرات السّفر من النوع 2). توجد شبكات معلوماتية مختصّة تمكّن من خلال قراءة ضوئية لجواز السفر من التعرّف على كلّ أنواع الملّفات. فيمكن على سبيل المثال من خلال عملية تقنية بسيطة وتطبيق نظام الكشف على جواز السّفر التعرّف على معلومات إضافيّة: هل أنّك دفعت الأداء أو خطيّة، أو أنك مطلوب لبعض الجهات أو مدان لبنك... تتكوّن شبكات المعلومات من مفاصل اتصال تدير عملية انتقال المعلومات. في الحقيقة لقد اعتمد الإنسان منذ القدم على شبكات الاتصال. فلقد طوّر الرومان شبكة الطرقات وجعلوا في كلّ بعد مفصلا ووحدات دعم وتزويد ولكنهم كانوا يفتقدون لأداة مراقبة عن بعد بحيث يتخذ الفارس قراره بكلّ حريّة وباستقلال تام عن شبكة العلاقات.
إنّ بروز مفاصل اتصال يعني خلق مجال زمان-مكاني جديد حيث تتضاءل إمكانية الخطأ وخلق شروط لمجتمع فوق الحدود وخارج المكان ومتحرر من الضغوط المحلية والثقافية وحتى الطبيعية. السرعة تتغلّب على فرادة الموقع والمكان والزمان أصبح شكليا وخاضعا لزمان ميكانيكي، زمان كوني وعالمي. مقابل الزمان الجغرافي ينشأ تمثل وتصوّر بصري شامل ومقابل الزمان البيولوجي (صباح، مساء، سنّ، ساعة، ...) والاجتماعي (مرحلة تاريخية ما من عمر المجتمع) ينشأ مفهوم الفيض والتيار والسيل.
وتفترض إدارة هذا السيل الاستباق وتناغم وتطابق المجتمع. ويخضع السيل للسيل والمعلوماتية للمعلوماتية. لم يعد من الضروري ترويض الأجسام في مجالات جغرافية محدّدة وسجنها للتمكّن من مراقبتها بصفة لصيقة. فوسائل المراقبة لا ترتبط بموقع محدّد بحيث يمكن تشخيص الفرد في أي موقع كان وفي أي لحظة.
قبل البيومترية كان لا بدّ للتشخيص أن يقع من خلال شخص ثاني فلا يمكن الحصول على بطاقة هوية أو مضمون ولادة دون شهادة يوفّرها موظف البلدية على سبيل المثال.
البيومترية هي تجاوز لهذا التوسّط. إذن لقد انفصلت الهوية المدنية عن الهوية الشخصية والاجتماعية واختزلت في خاصيات بيولوجية. لم يعد مفهوم الهوية مرتبطا بالوجود الفعلي والتجربة المعاشة. نحن أمام تعريف تقني صرف يخضع لمعايير كونية.
مجتمع السيل هو مجتمع يتمثل ويصور ذاته كنظام فيزيائي مبهم ومجرّد ووحدة قابلة للوجود بمعزل عن الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي والبيئي.
في مثل هذا المجتمع تتجسّد مهمّة تعريف ما يجمع الناس بعضها البعض ويوجّه قواعد الحياة الجماعية في آليات "موضوعية" لا ترتبط بأي صورة بإرادة والتزام شخصي أو اتفاق جماعي بل تخضع لحركة ذاتية وطبيعية وآلية تحكمها قوى خفية.
يبقى أن تشخيص المجتمع الحقيقي في فيض وسيل من المعلومات والعلامات يسقط في وهم التحكّم المطلق وفي اختزال الأفراد والمجتمع في جملة هذه المؤشرات والبيانات التي يراد لها أن تجسّد ديناميكية المجتمع التي تختفي في الواقع خلف هذا الحجاب من المعطيات المتطابقة. فقد تتطوّر وسائل المراقبة وتزيد نجاعة وقوّة وتوسّعا لكنها تظلّ محدودة لأنها تستند لمعلومات ثابتة والحال أن المجتمع يتحرّك وينشط. فكما لا يمكن اختزال الكينونة في أي خاصية بيولوجية أو نفسية بحتة لا يمكن للبيومترية أن تحفّ بكل الخاصيات. فحدودها مرتبطة بحدود الفكرة المسبّقة التي اعتمدت عليها وأسّست لها.
المتوسط اونلاين - من أنت؟ من أنا؟ أي تعريف للهويّة في عصر "المجتمع الرقمي"؟
وفرت تقنية المعلومات سبيلا لتجاوز مرحلة المقاربات الفكرية والفلسفية والسياسية إلى مفهوم رقمي بسيط.
فأسئلة الماضي لم يعد لها مكان في عصرنا لأن كل المفاهيم قد "تقننت" وتم إيداعها في معادن وخيوط وأرقام وشبكات. هكذا تخلّصنا التكنولوجيا الحديثة من عناء التفكير.
التشخيص البيومتري ميدان غريب ويستعصي فهمه على الغالبية وهذا ما يفسّر عدم الاهتمام به. فكل الخطب التي تتعلّق به والتي عادة ما تشير لجوانبه الإيجابية وفوائده تعتبر التشخيص البيومتري تطوّرا تاريخيا طبيعيا أو بالأحرى تدمجه ضمن تاريخ طبيعي للتقنيات. "فالكلّ يعلم أنّ التشخيص البيومتري قديم قدم الزمان" منذ الفترة التي أصبح فيها من الممكن تشخيص الوجه بلمح البصر. فلماذا التساؤل والحيرة؟ فما دامت التقنية ليست سوى تطوّرا طبيعيا وآليا تحكمه قوانينه الخاصة فالتشخيص البيومتري ليس سوى تطوّرا تقنيا للتشخيص.
لكن هذا الموقف يتغاضى عن التعارض بين تشخيص يستند إلى معايير ويخضع لممارسة اجتماعية في مجال محدّد وبين تشخيص يعتمد الأقيسة الرقمية لمختلف أجزاء ومكوّنات الجسم (البصمات، دائرة اليد، شبكة الأوردة، جزء من الطبقة الخارجية للبشرة، القزحية،...) ثم مطابقة آلية لهذه المعطيات ومقارنتها مع نظام معلومات وتواصل معقّد.
من بين تطبيقات البيومترية التأشيرة البيومترية التي تندرج ضمن إطار أعمّ وأشمل ويخصّ عقلنة العلاقات بين السلطة والمواطن وإدماجها في نظام معلوماتي متقدّم.
فالبيومترية تحمل معها تعريفا جديدا للهوية المدنية وتصوّرا جديدا للمجتمع لذاته. فشبكات المعلوماتية والتواصل لا تقضى على الحدود الوطنية أو تؤدّي إلى تراجع دور الدولة ولكنها تضع كل ذلك ضمن دائرة أوسع يطلق عليها البعض "النظام التقني الكليّ".
فهذا النظام التقني واحد ومشترك لكلّ الأوطان مهما تباينت.
من ناحية أخرى على كلّ بلد أن يلائم تشريعاته الوطنية بما يتماشى مع الغايات والأهداف والأولويّات المرسومة على مجال أوسع.
اقترن بروز تقنيات التشخيص العصرية مع ظهور الدولة- الأمة في البلدان الغربية وتغيّر مفهوم السيادة والناتج عن سقوط النظام السياسي القديم. فهذا الأخير كان يعتمد في عمليّة التشخيص على العلاقات بين الأشخاص الذين يقطنون مجالا محدّدا كالتجمعات القروية.
فعلاقة المواطن بالسلطة والتي ترتكز على ولاء الشخص للملك هي الأخرى تستند على نفس النمط المذكور، أي علاقة الأشخاص بعضها ببعض. في المجتمعات العصرية فقدت السلطة الطابع "المشخصن" وأصبحت الضامن لحقوق الأفراد.
ومع تطوّر المجتمعات الصناعية وتطوّر وسائل الاتّصال وسائل وشبكات النقل وما ينتج عنه من حركة للسكان (السكك الحديدية والهاتف والتلغراف، ...) نشأت علاقة اجتماعية غير مباشرة وبرزت وسائل جديدة قادرة على مراقبة هذه العلاقة.
يقول الفيلسوف فيخته المنظر الأول للأمة الألمانية: "في عالم قطع مع المحاباة والامتيازات التي فرضها المجتمع القديم المبني على الهرميّة لا يمكن تطبيق قوانين الدولة-الأمّة إلاّ متى تمكّن المجتمع من تشخيص كلّ فرد بصفته شخصا مميّزا وفريدا وذلك في كل وقت وزمان ومكان". نذكر على سبيل المثال ظهور جواز السفر في فرنسا في القرن الثامن عشر لصدّ التهديدات التي تصدر عادة من خارج الحدود والتي تقف وراءها قوى المجتمع لقديم. من المعلوم أن عديد البرلمانيين قد عارضوا ذلك وندّدوا بالجانب الاعتباطي لتقنية تشخيص تثبّت عناصر مميّزة للأشخاص والحال أنّ هذه العناصر تتغيّر مع الأيام.
اليوم لم تعد الحدود مرتبطة بالمجال والجغرافيا. فهذه الحدود تتمطّط وتتمدّد وتستقلّ عن المجال وعن الحقيقة الفيزيائية للدولة الأمّة.
تعتمد البيومترية على تشخيص الفرد من خلال خاصية ثابتة في جسمه وقياسات لأجزاء من الجسم. يتحوّل هذا الجزء من الجسم إلى معلومة رقمية يقع تخزينها في قاعدة بيانات معلوماتية. يقع التشخيص من خلال المقاربة بين المعلومات المخزّنة والجزء من الجسم الذي يرتبط بها. البيومترية هي تسجيل لعلامة تدلّ على الشخص من خلال صورة وجملة من الخاصيات المشابهة يكتنزها هذا الفيض المتنقل من المعلومات.
هي إذن تتجاوز إطار المراقبة عن بعد الذي أقامته الدول المعاصرة لتندمج وتختلط مع منطق نظام تقني كلّي ويفترض كل ذلك إدارة لهذا الفيض من المعلومات. في فرنسا وقبل منح تأشيرة السفر يقع الرّجوع إلى قاعدة بيانات تعرف ب rmv2 (الشبكة العالمية لتأشيرات السّفر من النوع 2). توجد شبكات معلوماتية مختصّة تمكّن من خلال قراءة ضوئية لجواز السفر من التعرّف على كلّ أنواع الملّفات. فيمكن على سبيل المثال من خلال عملية تقنية بسيطة وتطبيق نظام الكشف على جواز السّفر التعرّف على معلومات إضافيّة: هل أنّك دفعت الأداء أو خطيّة، أو أنك مطلوب لبعض الجهات أو مدان لبنك... تتكوّن شبكات المعلومات من مفاصل اتصال تدير عملية انتقال المعلومات. في الحقيقة لقد اعتمد الإنسان منذ القدم على شبكات الاتصال. فلقد طوّر الرومان شبكة الطرقات وجعلوا في كلّ بعد مفصلا ووحدات دعم وتزويد ولكنهم كانوا يفتقدون لأداة مراقبة عن بعد بحيث يتخذ الفارس قراره بكلّ حريّة وباستقلال تام عن شبكة العلاقات.
إنّ بروز مفاصل اتصال يعني خلق مجال زمان-مكاني جديد حيث تتضاءل إمكانية الخطأ وخلق شروط لمجتمع فوق الحدود وخارج المكان ومتحرر من الضغوط المحلية والثقافية وحتى الطبيعية. السرعة تتغلّب على فرادة الموقع والمكان والزمان أصبح شكليا وخاضعا لزمان ميكانيكي، زمان كوني وعالمي. مقابل الزمان الجغرافي ينشأ تمثل وتصوّر بصري شامل ومقابل الزمان البيولوجي (صباح، مساء، سنّ، ساعة، ...) والاجتماعي (مرحلة تاريخية ما من عمر المجتمع) ينشأ مفهوم الفيض والتيار والسيل.
وتفترض إدارة هذا السيل الاستباق وتناغم وتطابق المجتمع. ويخضع السيل للسيل والمعلوماتية للمعلوماتية. لم يعد من الضروري ترويض الأجسام في مجالات جغرافية محدّدة وسجنها للتمكّن من مراقبتها بصفة لصيقة. فوسائل المراقبة لا ترتبط بموقع محدّد بحيث يمكن تشخيص الفرد في أي موقع كان وفي أي لحظة.
قبل البيومترية كان لا بدّ للتشخيص أن يقع من خلال شخص ثاني فلا يمكن الحصول على بطاقة هوية أو مضمون ولادة دون شهادة يوفّرها موظف البلدية على سبيل المثال.
البيومترية هي تجاوز لهذا التوسّط. إذن لقد انفصلت الهوية المدنية عن الهوية الشخصية والاجتماعية واختزلت في خاصيات بيولوجية. لم يعد مفهوم الهوية مرتبطا بالوجود الفعلي والتجربة المعاشة. نحن أمام تعريف تقني صرف يخضع لمعايير كونية.
مجتمع السيل هو مجتمع يتمثل ويصور ذاته كنظام فيزيائي مبهم ومجرّد ووحدة قابلة للوجود بمعزل عن الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي والبيئي.
في مثل هذا المجتمع تتجسّد مهمّة تعريف ما يجمع الناس بعضها البعض ويوجّه قواعد الحياة الجماعية في آليات "موضوعية" لا ترتبط بأي صورة بإرادة والتزام شخصي أو اتفاق جماعي بل تخضع لحركة ذاتية وطبيعية وآلية تحكمها قوى خفية.
يبقى أن تشخيص المجتمع الحقيقي في فيض وسيل من المعلومات والعلامات يسقط في وهم التحكّم المطلق وفي اختزال الأفراد والمجتمع في جملة هذه المؤشرات والبيانات التي يراد لها أن تجسّد ديناميكية المجتمع التي تختفي في الواقع خلف هذا الحجاب من المعطيات المتطابقة. فقد تتطوّر وسائل المراقبة وتزيد نجاعة وقوّة وتوسّعا لكنها تظلّ محدودة لأنها تستند لمعلومات ثابتة والحال أن المجتمع يتحرّك وينشط. فكما لا يمكن اختزال الكينونة في أي خاصية بيولوجية أو نفسية بحتة لا يمكن للبيومترية أن تحفّ بكل الخاصيات. فحدودها مرتبطة بحدود الفكرة المسبّقة التي اعتمدت عليها وأسّست لها.