fouadzadieke
03-11-2009, 03:04 PM
تعاليم آبائية
الخروف الضال
للقديس كيرلس الكبير(1 )
l «لأنه لم يُرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليَخْلُص به العالم» (يو 3: 17).
كيف كان يمكن أن يخلُص العالم وهو ممسوك في شِباك الخطية؟ هل يكون ذلك بفرض العقاب عليه، أم بالأحرى بإظهار اللطف نحوه؟ فلكون الله مترفِّقاً رحوماً، نُسِيَت خطايا الإنسان الماضية، والذين لم يكونوا يسلكون من قبل كما يليق بدأوا يحيون بسيرة طاهرة جداً. فالآن أخبرني، أيها الفرِّيسي، لماذا تتذمر لأن المسيح لم يأنف من أن يُرافق العشَّارين والخطاة، مُهيِّئاً بذلك الطريق بحكمة لأجل هدايتهم؟!
إنه لأجل هذا قد أخلى ذاته وصار مُشابهاً لنا. فهل تجرؤ أنت بعد ذلك أن تفحص حكمة الابن الوحيد؟ الأنبياء المُطوَّبون مجَّدوا حكمة السرِّ الإلهي، فداود النبي يترنَّم لأجلها قائلاً: «رنِّموا بحكمة، الله مَلَكَ على الأمم» (مز 46: 9). وحبقوق يقول: إنه «سمع خبر الله ورأى أعماله وجزع» (حبقوق 3: 2). فكيف تجرؤ أنت أن تفحص أعماله، وقد كان أحرى بك أن تُمجِّدها؟
لقد ضل جنس البشر على وجه الأرض، إذ أفلت من يد الراعي الأعظم، ومن أجل هذا أتى إلينا ذاك الذي يقوت قطعانه السماوية في العُلا. أتى ليقودنا نحن أيضاً إلى حظيرته، ولكي يوحِّدنا مع الذين لم يضلوا، وحتى يطرد الوحش المفترس فاعل الشر، ويُبطِل رباط العبودية الدنس الذي لأرواح الشر النجسة. فقد جاء باحثاً عن الواحد الذي فُقِد، وأظهر مقدار غباوة وبُطلان تذمُّرات اليهود ضده.
والآن تأملوا معي، أيها الأحباء، مدى اتساع ملكوت مخلِّصنا، وعجب حكمة مقاصده الإلهية. لأنه يقول إن عدد الخراف مائة، ويُشير بذلك إلى ملء وكمال عدد الخلائق الناطقة الخاضعة له. فالعدد مائة هو دائماً العدد الكامل الذي يجتمع من عشرة عشرات. ونحن نعلم من الأسفار الموحَى بها أنَّ «ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات تُحيط بعرشه» (دا 7: 10).
فالمائة، إذن، هو عدد خرافه، وواحدٌ منها قد ضل عن القطيع، أي جنس البشر، الذي من أجله يمضي راعي الكل الأعظم باحثاً عنه، تاركاً البقية، أي التسعة والتسعين، في البرية، أي في مكانٍ عالٍ قصيّ مملوء من السلام. أتراه، إذن، أهمل العدد الأكبر واهتم فقط بهذا الواحد؟ حاشا، فهو أبعد من أن يهملهم. فكيف يكون هذا؟ لأنهم قائمون في أمان كامل تحرسهم يمين القدير. ولكن كان لائقاً أن يحنو على الواحد الذي فُقِدَ لكي لا يكون نقصٌ في بقية الرعية. لأنه إذ يُحضِر هذا الواحد المفقود، يصير العدد مرة أخرى مائة، أي عدداً كاملاً.
دعنا نشرح ذلك بمثال آخر يُعطينا صورة أقوى للحنان المنقطع النظير الذي للمسيح مخلِّص كل البشرية.
فلنفرض أنه يوجد بأحد البيوت أشخاصٌ كثيرون، وأن واحداً منهم رقد مريضاً، فلمَن يُستدعَى الطبيب؟ أليس من أجل الواحد المريض؟ والطبيب أيضاً من أجل الضرورة والظروف التي دُعِيَ بسببها يوفِّر كل اهتمامه ومهارته للشخص المريض وحده دون أن يكون في ذلك قد أهمل الباقين.
فالله، إذن، الذي يحكم كل شيء، كان ينبغي أن يمدَّ يد الخلاص للخروف الضال، والذي قد فداه الآن بالحقيقة الراعي الأعظم؛ إذ أنه فتَّش عنه حيث كان ضالاً وبعيداً، وجعله في مأمن من اللصوص والوحوش المفترسة، إذ وضعه في حظيرة آمنة، وأعني بذلك كنيسته. فلنمجِّده من أجل ذلك مع النبي ونقول: «صهيون مدينة قوتنا، يجعل فيها خلاصاً وسروراً ومِترسة» (إش 26: 1).
والمَثَل الذي يلي ذلك يحمل نفس المعنى. مَثَل المرأة التي كان لها عشرة قطع فضة وفقدت منها درهما واحداً، ومن أجل ذلك أوقدت سراجاً، وفرحت كثيراً حين وجدت الدرهم المفقود. وهذا الفرح يُقارنه بفرح السماء العظيم.
فمِن المثل السابق الذي كان فيه الخروف الضال يرمز إلى الجنس البشري الأرضي، نتعلَّم أننا خليقة الإله العلي الذي خلق الأشياء التي لم تكن موجودة من قبل، «هو صنعنا وليس نحن» (مز 99: 3)، كالمكتوب: «وهو الرب إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده» (مز 95: 7).
أما في المَثَل الثاني، الذي فيه يُشبِّه الشيء المفقود بقطعة الفضة حيث كان يوجد عشرة منها، أي عدد كامل، فالواحد الذي فُقِد يُتمِّم العدد ويجعله كاملاً (لأن العدد عشرة هو عدد كامل يبدأ من الواحد فما فوق)؛ يُظهِر لنا بوضوح أننا قد خُلقنا مُطابقين لصورة الملك وعلى مثالها، أي صورة الإله العلي. فالدرهم، أي قطعة الفضة، هي عملة انطبعت عليها الصورة الملكية. فمَن ذا الذي يشك أننا قد سقطنا وفُقدنا، وأن المسيح وجدنا، وبنعمته جُعلنا مرة أخرى مُشابهين له؟
والمغبوط بولس يكتب عن هذا قائلاً: «ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما بروح الله» (2كو 3: 18). وفي رسالته إلى غلاطية يكتب أيضاً: «يا أولادي الذين أتمخَّض بكم إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم» (غل 4: 19).
فالمرأة أوقدت السراج، وصار بحثٌ عن الشيء الذي فُقِدَ، لأننا قد وُجدنا بمقتضى حكمة الله الآب، التي هي ابنه، الذي أوقد فينا - مرة أخرى - نور كوكب الصبح العقلي الإلهي، حين أشرقت شمس البر وطلع النهار، كالمكتوب (2بط 1: 19).
وفي مكانٍ آخر يقول أحد الأنبياء القديسين عن المسيح مخلِّص جميع البشر: «سريعاً يقترب برِّي، وحالاً تُعرف رحمتي، وخلاصي كمصباح يُضاء» (إش 62: 1).
وعن نفسه يقول (الرب): «أنا هو نور العالم»، وأيضاً: «مَن يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يو 8: 12).
لذلك، أليس أنه في النور قد خلص مَن كان مفقوداً، وهذا ملأ القوات السمائية فرحاً، لأنهم يفرحون من أجل خاطئ واحد يتوب، كما يقول لنا الرب العالِم بكل الأشياء.
فإذا كانت هذه الخلائق السمائية يطلبون دائماً تحقيق الإرادة الإلهية، مُقدِّمين التمجيد الدائم بغير توقُّف، للتعطُّف الإلهي المملوء رأفة وحنوّاً، وهم يفرحون من أجل خاطئ واحد يخلص؛ فماذا عسانا أن نقول عن فرحهم بخلاص العالم كله بدعوته لمعرفة الحق بالإيمان بالمسيح، الذي له مع الآب والروح القدس، كل مجد وكرامة إلى أبد الأبد، آمين.
الخروف الضال
للقديس كيرلس الكبير(1 )
l «لأنه لم يُرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليَخْلُص به العالم» (يو 3: 17).
كيف كان يمكن أن يخلُص العالم وهو ممسوك في شِباك الخطية؟ هل يكون ذلك بفرض العقاب عليه، أم بالأحرى بإظهار اللطف نحوه؟ فلكون الله مترفِّقاً رحوماً، نُسِيَت خطايا الإنسان الماضية، والذين لم يكونوا يسلكون من قبل كما يليق بدأوا يحيون بسيرة طاهرة جداً. فالآن أخبرني، أيها الفرِّيسي، لماذا تتذمر لأن المسيح لم يأنف من أن يُرافق العشَّارين والخطاة، مُهيِّئاً بذلك الطريق بحكمة لأجل هدايتهم؟!
إنه لأجل هذا قد أخلى ذاته وصار مُشابهاً لنا. فهل تجرؤ أنت بعد ذلك أن تفحص حكمة الابن الوحيد؟ الأنبياء المُطوَّبون مجَّدوا حكمة السرِّ الإلهي، فداود النبي يترنَّم لأجلها قائلاً: «رنِّموا بحكمة، الله مَلَكَ على الأمم» (مز 46: 9). وحبقوق يقول: إنه «سمع خبر الله ورأى أعماله وجزع» (حبقوق 3: 2). فكيف تجرؤ أنت أن تفحص أعماله، وقد كان أحرى بك أن تُمجِّدها؟
لقد ضل جنس البشر على وجه الأرض، إذ أفلت من يد الراعي الأعظم، ومن أجل هذا أتى إلينا ذاك الذي يقوت قطعانه السماوية في العُلا. أتى ليقودنا نحن أيضاً إلى حظيرته، ولكي يوحِّدنا مع الذين لم يضلوا، وحتى يطرد الوحش المفترس فاعل الشر، ويُبطِل رباط العبودية الدنس الذي لأرواح الشر النجسة. فقد جاء باحثاً عن الواحد الذي فُقِد، وأظهر مقدار غباوة وبُطلان تذمُّرات اليهود ضده.
والآن تأملوا معي، أيها الأحباء، مدى اتساع ملكوت مخلِّصنا، وعجب حكمة مقاصده الإلهية. لأنه يقول إن عدد الخراف مائة، ويُشير بذلك إلى ملء وكمال عدد الخلائق الناطقة الخاضعة له. فالعدد مائة هو دائماً العدد الكامل الذي يجتمع من عشرة عشرات. ونحن نعلم من الأسفار الموحَى بها أنَّ «ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات تُحيط بعرشه» (دا 7: 10).
فالمائة، إذن، هو عدد خرافه، وواحدٌ منها قد ضل عن القطيع، أي جنس البشر، الذي من أجله يمضي راعي الكل الأعظم باحثاً عنه، تاركاً البقية، أي التسعة والتسعين، في البرية، أي في مكانٍ عالٍ قصيّ مملوء من السلام. أتراه، إذن، أهمل العدد الأكبر واهتم فقط بهذا الواحد؟ حاشا، فهو أبعد من أن يهملهم. فكيف يكون هذا؟ لأنهم قائمون في أمان كامل تحرسهم يمين القدير. ولكن كان لائقاً أن يحنو على الواحد الذي فُقِدَ لكي لا يكون نقصٌ في بقية الرعية. لأنه إذ يُحضِر هذا الواحد المفقود، يصير العدد مرة أخرى مائة، أي عدداً كاملاً.
دعنا نشرح ذلك بمثال آخر يُعطينا صورة أقوى للحنان المنقطع النظير الذي للمسيح مخلِّص كل البشرية.
فلنفرض أنه يوجد بأحد البيوت أشخاصٌ كثيرون، وأن واحداً منهم رقد مريضاً، فلمَن يُستدعَى الطبيب؟ أليس من أجل الواحد المريض؟ والطبيب أيضاً من أجل الضرورة والظروف التي دُعِيَ بسببها يوفِّر كل اهتمامه ومهارته للشخص المريض وحده دون أن يكون في ذلك قد أهمل الباقين.
فالله، إذن، الذي يحكم كل شيء، كان ينبغي أن يمدَّ يد الخلاص للخروف الضال، والذي قد فداه الآن بالحقيقة الراعي الأعظم؛ إذ أنه فتَّش عنه حيث كان ضالاً وبعيداً، وجعله في مأمن من اللصوص والوحوش المفترسة، إذ وضعه في حظيرة آمنة، وأعني بذلك كنيسته. فلنمجِّده من أجل ذلك مع النبي ونقول: «صهيون مدينة قوتنا، يجعل فيها خلاصاً وسروراً ومِترسة» (إش 26: 1).
والمَثَل الذي يلي ذلك يحمل نفس المعنى. مَثَل المرأة التي كان لها عشرة قطع فضة وفقدت منها درهما واحداً، ومن أجل ذلك أوقدت سراجاً، وفرحت كثيراً حين وجدت الدرهم المفقود. وهذا الفرح يُقارنه بفرح السماء العظيم.
فمِن المثل السابق الذي كان فيه الخروف الضال يرمز إلى الجنس البشري الأرضي، نتعلَّم أننا خليقة الإله العلي الذي خلق الأشياء التي لم تكن موجودة من قبل، «هو صنعنا وليس نحن» (مز 99: 3)، كالمكتوب: «وهو الرب إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده» (مز 95: 7).
أما في المَثَل الثاني، الذي فيه يُشبِّه الشيء المفقود بقطعة الفضة حيث كان يوجد عشرة منها، أي عدد كامل، فالواحد الذي فُقِد يُتمِّم العدد ويجعله كاملاً (لأن العدد عشرة هو عدد كامل يبدأ من الواحد فما فوق)؛ يُظهِر لنا بوضوح أننا قد خُلقنا مُطابقين لصورة الملك وعلى مثالها، أي صورة الإله العلي. فالدرهم، أي قطعة الفضة، هي عملة انطبعت عليها الصورة الملكية. فمَن ذا الذي يشك أننا قد سقطنا وفُقدنا، وأن المسيح وجدنا، وبنعمته جُعلنا مرة أخرى مُشابهين له؟
والمغبوط بولس يكتب عن هذا قائلاً: «ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما بروح الله» (2كو 3: 18). وفي رسالته إلى غلاطية يكتب أيضاً: «يا أولادي الذين أتمخَّض بكم إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم» (غل 4: 19).
فالمرأة أوقدت السراج، وصار بحثٌ عن الشيء الذي فُقِدَ، لأننا قد وُجدنا بمقتضى حكمة الله الآب، التي هي ابنه، الذي أوقد فينا - مرة أخرى - نور كوكب الصبح العقلي الإلهي، حين أشرقت شمس البر وطلع النهار، كالمكتوب (2بط 1: 19).
وفي مكانٍ آخر يقول أحد الأنبياء القديسين عن المسيح مخلِّص جميع البشر: «سريعاً يقترب برِّي، وحالاً تُعرف رحمتي، وخلاصي كمصباح يُضاء» (إش 62: 1).
وعن نفسه يقول (الرب): «أنا هو نور العالم»، وأيضاً: «مَن يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يو 8: 12).
لذلك، أليس أنه في النور قد خلص مَن كان مفقوداً، وهذا ملأ القوات السمائية فرحاً، لأنهم يفرحون من أجل خاطئ واحد يتوب، كما يقول لنا الرب العالِم بكل الأشياء.
فإذا كانت هذه الخلائق السمائية يطلبون دائماً تحقيق الإرادة الإلهية، مُقدِّمين التمجيد الدائم بغير توقُّف، للتعطُّف الإلهي المملوء رأفة وحنوّاً، وهم يفرحون من أجل خاطئ واحد يخلص؛ فماذا عسانا أن نقول عن فرحهم بخلاص العالم كله بدعوته لمعرفة الحق بالإيمان بالمسيح، الذي له مع الآب والروح القدس، كل مجد وكرامة إلى أبد الأبد، آمين.