المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولهذا فإننا نرفض أيضا نظرية الوحي الإملائي أو الميكانيكي.


الاخ زكا
30-10-2009, 05:08 PM
ولهذا فإننا نرفض أيضا نظرية الوحي الإملائي أو الميكانيكي.
3- النظرية الموضوعية: بمعنى أن الله أوحى لأواني الوحي بالفكرة فقط، دون العبارات نفسها، إذ ترك لكل كاتب أن يختار العبارات التي تروق له دون تدخل من جانبه. ولعل الذين اقترحوا هذه النظرية أرادوا بها تفـادى أية تناقضـات في الكتاب المقدس لا يعرفون حلها، أو أى عدم دقـة تاريخية أو علمية مزعومة.
لكننا أيضـاً نرفض هذه النظرية إذ أن الكتاب ينقضها. فكما أشرنا فيما سبق هناك فارق بين الإعلان والوحي، الإعلان كان للفكرة، لكن لئلا يعجز كتبة الوحي عن توصيل أفكار الله بكل دقة، فإن الله لم يتركهم يختارون العبارات. هذا ما أكده الرسول بولس عندما قال « لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية، بل بما (مشيراً إلى الأقوال) يعلمه الروح القدس » (1كو2: 13). وأيضاً قوله عن اليهود إنهم « استؤمنوا (لا على أفكار الله، بل) على أقوال الله » (رو3: 2). وأيضاً ما قاله استفانوس عن موسى إنه « قبل من الله أقوالاً حية ليعطينـا إياها » (أع7: 38). وداود يقول « روح الرب تكلم بي، وكلمته (وليس أفكاره) على لساني » (2صم23: 2)
إننا نتفق مع المصلح الشهير لوثر الذي قال: لم يقل المسيح عن أفكاره إنها روح وحياة، بل « الكلام (أو بالحري ذات الألفاظ) الذي أكلمكم به هو روح وحياة » (يو6: 63).
4- النظرية الجزئية: وتعنى أن هناك أجزاء فى الكتاب المقدس موحى بها، وأخرى غير موحى بها. ولكي ما يثبت أحد اللاهوتيين هذه النظرية، فإنه فسر الآية الواردة في فاتحـة الرسالة إلى العبرانيين « الله … كلم الآباء قديماً بأنواع (وفى حاشية الكتاب بأجزاء أو جزئياً) وطرق كثيرة »، والمقصـود من هذه الآية أن إعـلانات العهد القديم المتنوعة والكثيرة لم تكن كاملة، وكانت تنتظر الكمال في تجسد الكلمة، ومجيء الابن الحبيب بالجسد، لكن هذا اللاهوتي فسرها بأن ليس كل الكتـاب على نفس الدرجة من الوحي والعصمة؛ فنوع من الكلام هو وحي كامـل، والبعض الآخر وحي جزئي، وأجزاء ثالثة ليست وحياً على الإطلاق. لكن هذا اللاهوتي ارتبك ولم يعرف كيف يجيب عندما سأله واحد: وكيف تعرف أن عبرانيين 1:1 الآية التي بنيت عليها نظريتك هى ضمن آيات الوحي الكامل التي يمكنك الاستناد عليها؟
كلا ، بل إننا نتفق تمامـاً مع "رينيه باش" الذي قال: سواء كان الإناء المستخدم في الوحي مقتدراً فى القول كموسى، حكيماً كدانيـآل، فاسداً كبلعام، عدواً كقيافا، مقدساً كيوحنا، بلا جسد كالصوت الذي سُمِع فوق جبل سيناء، بلا شعور كاليد الكاتبة على حائط قصر بابل. . . فإن الفكـركان من الله، والعبارة أيضاً من الله.
5- النظرية الروحية: بمعنى أن الله أعطى الوحي للروحيـات فقط، أما الأمور الأخرى التاريخية أو العلمية. . .الخ فهي تحتمل الخطأ، شأنها شأن أية كتابات أخرى في ذلك الزمان. ويقول أصحـاب هذه النظرية إن الله تكلم إلينا فعلاً عن طريق كتابه المقدس، لكن ليست نصوص الكتاب هى كلمة الله، بل فقط الرسالة الروحية التي أتت إلينا من خلال هذه الكلمات. فحادثة دانيآل في جب الأسود مثلا هي في نظرهم قصة خياليـة لكنها مع ذلك تصور لنا أهمية الصلاة! ومعجزة تكثير الخبز لم تحـدث فعلاً - هكذا هم يقولون - لكنها تعلمنا الإيثار وتقديم ما عندنا للآخرين، وهكذا. عبر عن هذه النظرية واحد عندما علق على قصة إغلاق إيليا للسماء، وإعالة الغربان له بالقول: هذه القصة من الوجهة التاريخية خاطئة، ومن الوجهة الروحية صحيحة!!
ينتج عن هذه النظرية الفاسدة عدم قبول ذات كلمات الكتاب باعتبارها « أقوال الله »، كما أنها تجعل القارئ حراً تماماً أن يقبل أو يرفض ما يـراه هو صحيحاً أو خطأ فى عبارات وأقوال الوحي. وعندما نرفض إعطاء السلطان لكلمات الكتاب المقدس ففيمن نثق بعد ذلك يا ترى؟ أيجوز لنا أن نجعل من أنفسنا قضاة على أقوال الله؟
ترى من الذي يقرر ما هو صحيح، وما ليس له قيمة؟ كيف يمكنك التمييز بين الحقائق والتعاليم ؟ هل نترك ذلك لتذوقنا نحن للأمور؟ إننا بذلك نكون قد وضعنا أنفسنا فوق الوحي لنحكم نحن عليه، وبذلك يفقد الوحي معناه أصلاً. ثم كيف نفصل رسالة الوحي عن الخلفية التي منها قُدِمَت لنا هذه الرسالة؟ وأين في كل الكتاب نجد هذا الفاصل المزعوم؟ أين نجد ولو إشـارة أو تلميحاً عنه؟ أين في كل الكتاب يمكننا أن نستنتج أن جزءاً من الوحي مهم وآخر غير مهم؟
الوحي اللفظي أو الكلي
قال المعلم المقتدر ف.ب.هول: نحن لسنا بحاجة أن نضع نظرية لشرح الوحي الحرفي أو اللفظي، فهذه شأنها شأن كل الحقائق الإيمانية لا نفسرها بل نقبلها بالإيمان. ونحن إذ نوافق هذا المعلم المعتبر، فإننا لن نشرح الوحي لكننا نُعرّفه كالآتي: هو تأثير إلهي مباشر يؤثر على ذهن كتبة الوحي، به تأهلوا لأن يقدموا الحق الإلهي بدون أدنى مزيج من الخطأ؛ وبناء عليه فإن الروح القدس أعطى كتبة الوحي لا الأفكار فحسب، بل قادهم قيادة ماهرة في إنشاء العبارات اللازمـة للتعبير الخالي من الخطأ عن هذه الأفكار التي أعلنها لهم.
الإدراك هنا ليس له المركز الأول؛ فقد يكون ذهن النبي مستنيراً إلى حد ما من جهة ما يكتب، أما الوحي فلا يوجد فيه شئ اسمه "إلى حد ما"، بل هو تملُّك كامل من الروح القدس لأواني الوحي، سواء أدرك النبي ما يقول أو لم يدرك. فمع أنه توجد درجات فى الإدراك، إلا أنه لا يوجد درجات في الوحي. لقد كان لدى داود بعض الإدراك، ويوحنا المعمدان كان إدراكه أكبر من داود، ورسـل العهد الجديد كان إدراكهم أكبر من يوحنا المعمدان، أما الوحـي الذي أُعطى لداود، بل وأقول أيضاً الذي أُعطى قبله لبلعام، هو وحي بنفس القدر الذي أُعطى لبولس.
والوحي يجعل النبي يتكلم بغض النظر عن حالته؛ فقد يتكلم دون توقع منه كالنبي الشيخ في بيت إيل (1مل13: 20)، أو دون دراية بما يقول كما حدث مع قيافا (يو11: 51)، أو دون رغبة منه كما حدث مع بلعام (عد23،24)، أو دون إدراك كامل لكل أبعاد ما يقول كما حدث مع معظم أنبيـاء العهد القديم (دا12: 8،9 و 1بط1: 11،12).
ومع أن الوحي عصم الأنبياء من الخطأ، لكنه لم يفقدهم شخصياتهم. إن ظهور شخصياتهم يمثل العنصر البشرى في الوحي، وحفظ الروح القدس لهم من أي خطـأ في التعبير عن أفكاره السامية يمثل العنصر الإلهي. لقد تزود كتبة الوحي بمعونة خاصة من الروح القدس حفظتهم تماماً من الخطأ، دون أن يعنى ذلك أنهم تزودوا بقدرات إدراكية فائقة، فهذه القدرات خاصة بالله مصدر الوحي، لا الأنبياء أواني الوحي.
عن هذا الوحي اللفظي والكامل قال أمير الوعاظ سبرجون: إننا نناضـل لأجل كل كلمة في الكتاب المقدس، ونؤمن بالوحي الحرفـي واللفظي لكل كلمة من كلماته، بل إننا نعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك وحي للكتـاب إذا لم يكن الوحي حرفياً، فلو ضاعت الكلمات فإن المعاني نفسها تضيع.
وقال الأسقف رايل: إن الإيمان بالوحـي الحرفي اللفظي، رغم كل ما فيه من صعوبات، هو أفضل عندي من الشكوك والحيرة. فإني أقبل هذه الصعوبات وأنتظر باتضاع حلها، لكن طوال فترة انتظاري فإني أقف على الصخرة.
أمثلة لتوضيح «الوحي اللفظي»
والقصد من تسميته بالوحي اللفظي أن نبرز أهمية الألفاظ، فالألفاظ هامة جداً للتعبير الدقيق عن الفكر، وهي مختارة اختياراً إلهياً لهذا القصد. وهاك بعض الأمثلة التي توضح ذلك.
1- زمن الفعل: ففي محاورة للرب يسوع مع فريق من الصدوقيين (أحد الفرق الدينية على أيام المسيح) الذين ينكرون أمر القيامة، أوضح أن القيامة أمر متضمَّن في الكتب استناداً على قول الله لموسى « أنـا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب ». لقد بنى المسيح تعليمه في هذه الآية على زمن الفعل. فمن قول الرب « أنا إله » بصيغة الحاضر - وليس "أنا كنت إله" (I am, not I was) هذا معناه أنهم أحياء عنده، لأن الله ليس إله أموات (مت22: 31-33). ونفس هذا الأمر نجده أيضاً عندما أعلن الرب يسوع أمام اليهود قائلاً « قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (وليس أنا كنت) » (يو8: 58). وهذا معناه أنه الله الواجب الوجود.
2- ضمير الملكية (حرف الياء): إذ يسأل الرب يسـوع الفريسيين قائلاً « المسيح ابن من هو؟ » ثم يستطرد قائلاً « فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلا قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟» (مت 22: 43- 45).
3- المفرد وليس الجمع: يؤكد الرسول بولس تعليماً مبنياً علي لفظ واحد مكتوب بالمفرد لا بالجمع في قوله « أما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفى نسله (بالفرد لا الجمع. ثم يوضح قائلاً) لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد (وفي نسلك) الذي هو المسيح » (غل3: 16)
4- كلمة واحدة فقط عليها التركيز: فكلمة واحدة فقط يكون لها مدلول هام يؤثر بقوة في المعنى، وهو ما نجده فى الرسالـة إلى العبرانيين إذ يقتبس الرسول من نبوة حجى 2: 6 ويقول « أما الآن فقد وعـد قائلاً إني مرة أيضاً أزلزل لا الأرض فقط بل السماء أيضاً». ثم يعلق قائلاً « فقوله مرة أيضاً يدل على تغيير الأشياء المتزعزعة كمصنوعة » (عب12: 26،27). ومرة أخرى يقول المسيح لليهود « أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت إنكـم آلهة. ثم يعلـق قائلاً « إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن يُنقَض المكتوب » (يو 10: 34،35).
من هذا كله يتضح لنـا دقة تعبيرات الكتاب المقدس، بل وأهمية حروفه. وليس الحروف فقط بل النقط أيضاً، ولذلك قال المسيح « لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (مت5: 18).
«العنصر البشري»
لقد استخدم الله العنصر البشري في الكتاب المقدس. فالله استخدم لغة البشر لكي يخاطبنا بها، كما استخدم أيضاً عقول كتبة الوحي وأذهانهم وذاكرتهم وعلمهم واختباراتهم ومشاعرهم والظروف المحيطة بهم. ومن هذا الامتزاج بين العنصرين الإلهي والبشري معاً تكونت كلمة الله كما يقول داود « روح الرب تكلم بي وكلمته علي لساني » (2صم23: 2). لقد سيطر الله علي العنصر البشري للكاتب مما سمح بظهور الطابع الشخصي لا الخطأ الشخصي.
هذا الأمر نجده واضحاً في فاتحة إنجيل لوقا. فلوقا جمع الوثائق المعتمـدة من شهود العيان وتحقق بنفسه من صحتها، وكان هذا هو العنصر البشرى في المؤرخ المدقق. لكنه عندما قام بالكتابة فإنه لم يكتب من ذاته دون أن يستلم الروح القدس كيانه بأسلوب فائق كيما يختار الحقائق التي يذكرها وتلك التي لا يذكرها، ولكي يرتبها في نسق معين كيما يخرج منها باستدلالاته واستنتاجاته.
يمكننا تشبيه هذا الامتزاج بين العنصرين الإلهي والبشري بالفنان الذي يعزف علي عدة آلات موسيقية فنسمع أصواتاً مختلفة ولو أن العازف واحد، ومع عظمة العازف فإنه سيتحرك في حدود قدرات الآلة التي بين يديه. هكذا فإن الله الذي كوّن الإنسان وشكّل ظروف بيئته، جهز أيضاً كل واحد من كتبة الوحي، أفـرزه من بطن أمه ودعـاه بنعمته (غل1: 15) ليعزف بواسطته مقطوعته الرائعة. وإني أتساءل: هل كان ممكناً لشخص آخر غير سليمان أن يكتب لنا عن خواء العالم وبطله كما فعل هو في سفر الجامعة؟ إنه لم يكن ناقماً علي العالم إذ لم يُحرَم من شيء مما تحت الشمس، بل تمتع بلذائذ الحياة كلها دون أن يفقد الحكمة؛ وأخيراً سجل لنا اختباره « باطل الأباطيل الكل باطل »، لكن كتابته كانت بالوحي. ومن مثل بولس كان يمكنه أن يكتب لنا عن عدم امتلاك البر الإلهي بالأعمـال الناموسية؟ فمن مِن البشر كان لـه من الامتيازات نظيره حتى قال « إن ظن واحد آخر أن يتكل علي الجسد فأنا بالأولىَ» (في3: 4)، لكنه اعتبر هذا كله من أجل المسيح خسارة!! لكن ما كتبه أيضاً كـان بالوحي. وأنت إذ تقرأ كتابات لوقا تشعر إزاء اللمحات الطبية فيها* أن كاتبها طبيب؛ وهذا لا يتعارض مع كون الروح القدس أملاه ما كتب.
مشكلة واعتراض
هذه المشكلة هى كيف نسمي الكتاب المقدس «كلمة الله» رغم أنه يحتوي علي أقوال الشيطان وأقوال الأشرار، أو علي الأقل أقوال بعض القديسين الخاطئة في لحظات فشلهم وضعفهم (انظر جا2: 24)؟ والإجابة البسيطة علي ذلك هي أن الأمر بتسجيل هذه الأقوال هو الذي كان بالوحي لا الكلمات ذاتها.
في آيات مثل متى 12: 24، 26: 69،70 وتكوين3: 4 وغيرها، نحن عندنا تسجيل صحيح لأقوال خاطئة، أو بالحري التسجيل كان بالوحي، رغم أن الأقوال نفسها ليست موحى بها.
إذاً فالتعليم بالوحي الحرفي أو اللفظي لا يعلم بأن كل أقوال الوحي هي على ذات القدر من الأهمية، بل إنها كلها سجلت في الكتاب بالوحي.
ولقد أوضح بولس هذا الأمر عندما ميز آراءه الخاصة في مسائل خاصة بالزواج موضحاً بصريح العبارة أن هذا رأيه هو وحُكمه الروحي في الأمر وليس « وصايا الرب » (1كو7).
ويعترض البعض على هذه النظرية بقولهم إننا بهذه النظريـة عن الوحي اللفظيوالحرفي نؤلِّه النص، أما هم فيفضلون أن يضعـوا الرب وليس الوحي سيداً عليهم. ولقد أصاب د. لويد جونز في رده عليهم بالقـول: كيف تعرف الرب؟ ما الذي يمكنك أن تعرفه عنه خارج الكتاب المقدس؟ وكيف تتأكد أن ما تعرفه بالاختبار عنه ليس وهماً مستمدَاً من خيالك؟ أو أنه ليس من نتاج حالـة نفسية غير مستقرة؟ أو أنه ليس أحد تخاريف العبادات السرية الشيطانية التي انتشرت فى هذه الأيام؟ أولئك الذين يقولون نحن نتمسك بالرب وحده، أو الذين يقولون إننا نذهب إلى الرب مباشرة عليهم أن يجيبوا على هذه الأسئلة أولاً.
وإذا كان بوسع المرء أن يحكم على التعليم من الثمار التي تنشأ عنه؛ فما أمر ثمار إنكار الوحي الحرفي للكتاب المقدس.. فليس بمستغرب أن يتبنى كثير من لاهوتيِّ القرن العشرين الانحلال الجنسي بل والشذوذ الجنسي والطلاق، رغم تحذير الكتاب الصريح من هذه الشرور.
قديماً قال الجاهل في قلبه ليس إله، ففسدوا ورجسوا بأفعالهم (مز14: 1)، واليوم قالوا ليس وحي من عند الله وكانت نفس النتيجة من الفساد والرجاسة الكاتب يوسف رياض