fouadzadieke
08-01-2006, 10:08 PM
الحبُّ دواعيه وتداعياته
لستُ أوّلَ المتحدّثينَ عن الحبّ, كما لن أكونَ آخرهم, بكلّ تأكيد فقد سبقني إلى ذلك الكثيرون كاتبين عنه وعن أحوالِه وعمّا يمكن أن يصيبَ المحبوب من فرْط هذا الحبّ وشدّته, وأستطيعُ القول بتواضع العارف وعلم الخبير. أنّ الحبّ استجابةٌ مجهولةٌ لنداء يدعو القلبَ إلى رحابها تكون مصحوبةً بخفقانٍ واضح المعالم في القلب, وارتفاعٍ صريحٍ في درجةِ الحرارة لدى المحبّ وارتباكٍ وربّما تلعثمٍ غير خافيين, أو اضطرابٍ من نوعٍ معيّنٍ, والحبُّ شعورٌ فطريٌّ لدى الإنسانِ يجعلهُ يطيعُ الشّخص الذي يُحسُّ بالميلِ إليه، وحيثُ أنّه أولى درجات الحبّ أو من أوائل خطواته على ألاّ يتخلّل ذلك كذبٌ أو نفاقٌ أو تلاعبٌ بالعواطف مستغلاّ الميل مهما كانت دواعي وأسباب أو أشكالُ هذا الكذب.
ليس الحبُّ استعبادَ المرءِ لأهوائه بل هو شعورٌ عاطفيٌّ رقيقٌ وإحساسٌ وجدانيٌّ يتفاعلُ في داخلِ الإنسان المحبّ موجّهاً هذا الإحساسَ إلى ممارسةٍ وإعلانٍ صريحين حيالَ الشّخص الذي يتولّد مثلُ هذا الشّعورِ نحوه فيكون الانجذابُ إليه وتتفاعلُ الرّغبةُ في التواصلِ معهُ والاقترابِ منهُ حيثُ يرى في الرّكونِ إليه راحةً قلبيّةً ونفسيّة وعاطفيّةً مع أنّ مثل هذا الاقتراب قد يولّدُ بعض الهيجانِ, أو الشّعورِ بالارتباكِ والاضطرابِ غير الإراديّين!
والحبُّ هذا الشّعورُ بالآخر يتعمّقُ أكثرَ ويدومُ أطولَ عندما يُطعّمُ بسحرِ الجانبِ الحسّيّ – الجنسيّ والذي يجبُ أنْ يكونَ معتدلاً في حدود المعقول, لكي لا تضيعَ جوانبُ الفضولِ الجميلةِ التي تُكسبهُ حيويّةً ورونقاً من جهةٍ ومنْ جهةٍ أخرى فإنّ الحصولَ على الشّيء قد يُفقدُ الحاصل عليه الشّعورَ بالمتعةِ فيما بعد فيصيرُ الموضوعُ برمّته لديه مستهلكاً لم يعدْ فيه ما يدفعُ إلى الرّغبة في الاستمرارِ ممّا يقضي على جوانبِ الجذبِ والإثارةِ وميلِ الرّغبةِ في اكتشافِ كنهِ المجهول ذلك الذي ضاعَ بريقُهُ مع أوّل محاولة حصولٍ حسّيّةٍ عليه.وفي الوقتِ ذاته, لا يجوزُ لنا أن نعودَ بمجتمعاتنا إلى ما كانت عليه أيام آبائنا, وأجدادنا وما كان من قبلهم فيما يخصُّ طرق اختيار الزّوجة أو التعرّفِ إلى شريك الحياة المفترض وهنا يلزمُ تركُ الحرّيّةِ لكلا الطرفين دون معوّقاتٍ أو تكفيرٍ أو تخوينٍ أو إلصاق تهم عدم الشّرف وغيرها من العبارات المطّاطة والتي يمارس من خلالها وبحجّتها قهرٌ شديدٌ على المرأة, خصوصا ًلكون الرّجل محميّاً بقوانين المجتمع الأبوي, بما فيها من سيطرةٍ رجوليّة تترك المرأة تدفع الثمن دائماً وتكونُ هي الضّحيّة على الأغلب.
إنّ التعارفَ بين طرفي العلاقة المفترضين هي من أهمّ مقوّمات سبلِ إنجاح هذه العلاقة والتي ستنشأ من خلال المعرفة والتعارفِ ودراسةِ كلّ طرفٍ لأخلاق وسلوكية وأفكار الآخر والوقوفِ على ميوله ورغباته وأحلامهِ وطموحاتهِ وغير ذلك من أمورٍ هي غايةٌ في الأهمّية وهي تلعبُ دوراً خطيراً وحسّاساً في فشلِ, أو في نجاحِ أيةِ علاقة أو رابطة تقارب بين الطرفين تقودُ في النهايةِ إلى الحلمِ المنشودِ ألا وهو الزّواج القائم على المحبّة والاحترامِ المتبادل والاعترافِ بحقوقِ الآخر والعمل على إسعاده بما يتوفّر من سبلٍ تسيّسها وتقودها عملياً الرّغبة الصّادقةِ والأكيدةُ.
الحبُّ هو ذلك التعبيرُ عن الابتسامِ والفرحِ والسّرورِ, و هو عالمٌ جميلٌ يشعرُ فيه المتحابّان بأنّ كلَّ شيءٍ في الحياةِ تصبغُهُ ريشةُ الجمالِ بمسحةٍ من الهدوءِ والدّعةِ والعطف والرّقّةِ والمجاملةِ والمؤانسةِ فالحبُّ إحساسٌ غريبٌ قد لا يرى الشّخص المفعمُ بهِ تفسيراً لهُ ولا يستطيعُ التّعبيرَ عمّا ينتابُهُ من مشاعرِ البهجةِ وما يغمرُ قلبَهُ من الإحساس بالمتعةِ والرّاحةِ وللحبّ كذلك تأثيرٌ كبيرٌ على السلوكِ الأفرادِ وتصرّفاتهم وفي الذّاكرةِ البشريّة التاريخيّة قصصٌ من الحبّ وعنهُ تجعلنا نحلّقُ عالياً بأفكارنا لندركَ مدى الروحانيّات التي تتفاعلُ من خلالِ هذا التأثيرِ على السّلوك , وبرأيي فإنّ الحبَّ الصّحيحَ والصّادقَ هو ذلك الذي يخلقُ توازناً منطقيّاً بين طرفيهِ منْ طرفٍ وبين هذين الطرفين معاً من جهةٍ وبين المجتمعِ الذي يعيشان فيهِ من جهةٍ أخرى بما تسودُهُ من علاقاتٍ وأعرافٍ وعاداتٍ يؤخذُ منها الحسنُ ويهملُ منها السييّءُ الذي لا يتواصل مع الواقع الجديد الحاصلِ وتطوراته اللاحقة والتقدّمِ الذي لا بدّ منه والعمل على تشجيعهِ وتسريعِ وتيرتهِ بما يكفلُ للعمليّة النجاحَ والتقدّم والحبُّ يجبُ أن يكونَ مسؤوليّةً والتزاماً وتفاعلاً وجدانيّاً يدفعُ إلى الإخلاصِ في الإحساسِ تجاهَ الشّخص المحبّ والعملِ على توفيرِ عواملِ الاستقرارِ والثّقةِ والأمانِ ومتى اختلّ توازنُ هذا الإحساسِ فإنّ الحبّ سيتعرّضُ بكلّ تأكيدٍ إلى نكساتٍ قد تودي بهِ فتشلُّهُ وتمنعهُ من الاستمرار أو هي تحرفُهُ عن مسارِه فتكونُ الخيبةُ ويكونُ الفشلُ وتكونُ المرارةُ وهي النهايةُ المخنوقةُ تلك النهايةٌ الحزينةٌ مثلما رأينا في بعض مآسي التاريخ القصصي لمشاهير عشّاق الحبّ والذين كابدوا أعباءه أمثالِ ( قيس وليلى)و (ماجد ولين) و (ممّ وزين) و (روميو وجولييت)وغيرها من قصص الحبّ التي انتهت فصولُها الأخيرة على واقع حزنٍ مأساويّ فظيع!
يفترضُ في الحبّ أن يقومَ على أسس صحيحةٍ وواضحةٍ ومتينةٍ لا تهدمها أوّلُ أزمةٍ تنشبُ بين المحبّين أو تهوي في مواجهةِ أولى العقباتِ التي قد تعترضُ حياتهما العمليّةِ وهي بالتأكيد عقباتٌ ومعوّقاتٌ ستكونُ غيرَ قليلةٍ يقولُ (الطنطاوي) عن الحبّ:"الحبُّ عالمٌ من العواطفِ,ودنيا من الشّعورِ,عجيبٍ وغريبٍ"فمتى أحسّ المرءُ بالحبّ فلا حرجَ عليه في ذلك ولا ملامةَ إنْ هو عبّرَ عن هذا الحبّ بممارسةٍ صحيحةٍ تهدفُ إلى نتيجةٍ مؤمّلةٍ وعلاقةٍ مقدّسةٍ لا تقومُ على فكرةٍ مؤقتةٍ أو وفقَ رغبةٍ آنيةٍ زائلةٍ!إذ ليس الكلامُ في الحبّ حراماً أو محرّماً بل هو من أجمل الكلامِ وأصدقِ إعلانٍ عن المشاعر.
الحبُّ شعورٌ دافيءٌ يحملُ معانياً كبيرةً وكثيرةً تجعلنا أشخاصاً أكثرَ صدقاً مع ذواتنا ومع منْ نحبّهم والحبُّ له بالطّبعِ أنواعُهُ المتعدّدةُ وحالاتُهُ المختلفةُ ونحنُ لسنا هنا في مجالِ التحدّث عن هذه الحالات ولكن نلقي بالضوء على هذا العالمِ الجميلِ من العواطفِ الجيّاشةِ, والتي قلّما يستطيعُ أحدُنا قهرها في حضرةِ مَنْ يُحبُّ الحبُّ هذا المفهومُ العامُّ لا يكادُ يمرُّ يومٌ منْ دون أن تسمعَ مفرداتِه وعباراته التي تدلّ عليهاو تلحظ ممارساتٍ تشيرُ إليه وتعبّرُ عنه وللحبّ دلائلُ لا تُخفى على أحدٍ فلا يستطيعُ المحبّ أن يكتمَ مشاعرَه ويكبتها أمامَ محبوبِه وتلمسُ بوضوحٍ دلائل عن هذا الحبّ كالنظراتِ المتبادلةِ والابتساماتِ الهادئةِ أو العميقةِ على حياءٍ يخفي وراءَهُ أكواماً من أحاسيسِ الشّعورِ بالجماليّاتِ والصّور الممتلئةِ بالخيالِ والرّغبةِ والشوقِ والوجدِ والهيامِ والشّعورِ بالمتعةِ ممّا تستطيعُ وبجلاءٍ لا يحتاجُ كشفُه إلى قوّةٍ خارقةٍ في الذكاء فهذان الشّخصان يوصلُ بينهما شعورٌ من نوعٍ ما, يدلُّ على اهتمامٍ ورغبةٍ في التقرّبِ كلّ من الآخرِ وتلعبُ العاطفةُ دوراً أساساً في إشعالِ نار الحبّ هذه فهي وقودُها وهي التي تؤجّجُ الرّغبةَ لدى الطرفين فيما بعد. ويدركُ الشّخصُ مدى المتعةِ التي يُحدثُها تحدّثُ الحبيبِ عن محبوبه وإليه, وكيفَ يصفُ ذلك المحبوب ويختارُ لهذه الأوصافِ أجملَ العباراتِ والألفاظِ والمعاني والتشبيهاتِ والكناياتِ والاستعاراتِ وكلّ ذلك يدفعُه الإحساسُ الداخليّ العميقُ للمحبّةِ أو للحبّ ويكون الرّجلُ على الدّوامِ هو الأجرأ وهو الأفصحُ في طرقِ الإعلانِ عن الحبُّ وعن مشاعرِه والتسويقِ لها فيما المرأةُ وبحكمِ شعورِها بالخجلِ وفكرةِ وجوب التزامها بالقيمِ السائدةِ والأعرافِ المعمولِ بهاوخضوعها لطقوس هائلة مفروضة عليها كقيود غير معقولةِ تخشى من الإعلان عمّا تحسّ به وتعبّر عمّا بداخلها إلا ما ندر.
إنّ الحبّ كمفهومٍ لم يتغيّر منذ فجر التاريخ ولغاية اليوم لكنّ نوعيته شملها تطوّرٌ من نوعٍ ما يتمّ التعبيرُ عنها بحسبِ الظروفِ والوقائع ولا يجوزُ الفصلُ بين الحبّ وبين الجمالِ فهما توءمان متلازمان وقد لا يكونُ الحبيبُ على درجةٍ عاليةٍ من الجمال أو قد لا يكون جميلاً على الإطلاقِ إلاّ أنّه بنظرِ محبّه من أجمل ما خلقَ الله ولذا قيلَ "الحبُّ أعمى" ولا أعتقدُ أنّ أحداً يستطيعُ خوضَ تجربةِ الحبّ والاكتواءِ بنارِها ما لم يتمتّعْ بالتذوّقِ الجماليّ لفنّ الجمالِ وما لم يكنْ متفهّماً وبوعي لمثل هذا الشعور ويكون ذلك التمتّعُ بمقدارِ ما هو عليهِ من تذوّقٍ رفيعٍ يسمو بصاحبهِ, أومن تذوّقٍ جسديّ وضيعٍ ينحدرُ بصاحبِه وبالحبّ إلى درك منبوذٍ وللحبّ درجاتٌ كما له أسماءٌ لسنا في مجالِ ذكرِها, ويكون الغزلُ على الأغلبِ أحدَ مظاهرِ التعبيرِ عن هذا الحبّ والتغزّلُ بالمحبوب ووصف خصاله وما هو عليه من نعومةٍ ورقّةٍ وجمالٍ وخلقٍ إنّما كان مسيرَ الكثيرِ من شعراءِ العشقِ وطلاّبِه, ومهواهم, وقد يكونُ غزلا عفيفاً أو غزلاً إباحيّاً غير مقبولٍ كما حدثَ في الجاهليّة وفي بعض العصورِ الإسلاميّة.
وكخاتمةِ قولٍ أستطيعُ القولَ, وبوضوحٍ : أنّ الحبّ نعمةٌ من نعمِ الحياة وهو إحدى عطايا الخلق الإلهي والشخصُ الذي يحبُّ بصدقٍ ليسَ بمقدورِه أن يجحدَ هذه النعمةَ والعطيّةَ. أمّا الدلائل عن الحبّ ووجودِه فمنها: النّظراتُ والتفكيرُ في المحبوب والتأملّ فيه والحلمُ به ومشاهدته في المنامِ والتحدّث عنه ومدحِهِ وتقديمِ الهدايا لهُ وإشعارُهُ بالأهميّةِ واللّهفةِ إلى مشاهدتِهِ والرّغبة الجامحةِ في البقاءِ بقربِه أطولَ مدّة ممكنة والغيرةِ عليه شريطةَ ألا تتعدّى حدودها العاديّة والمسموحِ بها لئلا تغدو حالةً مرضيّةً فالغيرة الشديدة هي معولُ الهدمِ الأكيدُ لبنيانِ هذه العلاقة ويشترطُ على الأغلبِ في الحبيبِ أنْ تتوفّرَ فيه إلى جانب تمتّعِه بالجمالِ صفاتٌ أخرى منها: الجاذبيّةُ والذكاءُ والحضورُ المقبولُ ومحبّةُ الناسِ له وغيرها.
لستُ أوّلَ المتحدّثينَ عن الحبّ, كما لن أكونَ آخرهم, بكلّ تأكيد فقد سبقني إلى ذلك الكثيرون كاتبين عنه وعن أحوالِه وعمّا يمكن أن يصيبَ المحبوب من فرْط هذا الحبّ وشدّته, وأستطيعُ القول بتواضع العارف وعلم الخبير. أنّ الحبّ استجابةٌ مجهولةٌ لنداء يدعو القلبَ إلى رحابها تكون مصحوبةً بخفقانٍ واضح المعالم في القلب, وارتفاعٍ صريحٍ في درجةِ الحرارة لدى المحبّ وارتباكٍ وربّما تلعثمٍ غير خافيين, أو اضطرابٍ من نوعٍ معيّنٍ, والحبُّ شعورٌ فطريٌّ لدى الإنسانِ يجعلهُ يطيعُ الشّخص الذي يُحسُّ بالميلِ إليه، وحيثُ أنّه أولى درجات الحبّ أو من أوائل خطواته على ألاّ يتخلّل ذلك كذبٌ أو نفاقٌ أو تلاعبٌ بالعواطف مستغلاّ الميل مهما كانت دواعي وأسباب أو أشكالُ هذا الكذب.
ليس الحبُّ استعبادَ المرءِ لأهوائه بل هو شعورٌ عاطفيٌّ رقيقٌ وإحساسٌ وجدانيٌّ يتفاعلُ في داخلِ الإنسان المحبّ موجّهاً هذا الإحساسَ إلى ممارسةٍ وإعلانٍ صريحين حيالَ الشّخص الذي يتولّد مثلُ هذا الشّعورِ نحوه فيكون الانجذابُ إليه وتتفاعلُ الرّغبةُ في التواصلِ معهُ والاقترابِ منهُ حيثُ يرى في الرّكونِ إليه راحةً قلبيّةً ونفسيّة وعاطفيّةً مع أنّ مثل هذا الاقتراب قد يولّدُ بعض الهيجانِ, أو الشّعورِ بالارتباكِ والاضطرابِ غير الإراديّين!
والحبُّ هذا الشّعورُ بالآخر يتعمّقُ أكثرَ ويدومُ أطولَ عندما يُطعّمُ بسحرِ الجانبِ الحسّيّ – الجنسيّ والذي يجبُ أنْ يكونَ معتدلاً في حدود المعقول, لكي لا تضيعَ جوانبُ الفضولِ الجميلةِ التي تُكسبهُ حيويّةً ورونقاً من جهةٍ ومنْ جهةٍ أخرى فإنّ الحصولَ على الشّيء قد يُفقدُ الحاصل عليه الشّعورَ بالمتعةِ فيما بعد فيصيرُ الموضوعُ برمّته لديه مستهلكاً لم يعدْ فيه ما يدفعُ إلى الرّغبة في الاستمرارِ ممّا يقضي على جوانبِ الجذبِ والإثارةِ وميلِ الرّغبةِ في اكتشافِ كنهِ المجهول ذلك الذي ضاعَ بريقُهُ مع أوّل محاولة حصولٍ حسّيّةٍ عليه.وفي الوقتِ ذاته, لا يجوزُ لنا أن نعودَ بمجتمعاتنا إلى ما كانت عليه أيام آبائنا, وأجدادنا وما كان من قبلهم فيما يخصُّ طرق اختيار الزّوجة أو التعرّفِ إلى شريك الحياة المفترض وهنا يلزمُ تركُ الحرّيّةِ لكلا الطرفين دون معوّقاتٍ أو تكفيرٍ أو تخوينٍ أو إلصاق تهم عدم الشّرف وغيرها من العبارات المطّاطة والتي يمارس من خلالها وبحجّتها قهرٌ شديدٌ على المرأة, خصوصا ًلكون الرّجل محميّاً بقوانين المجتمع الأبوي, بما فيها من سيطرةٍ رجوليّة تترك المرأة تدفع الثمن دائماً وتكونُ هي الضّحيّة على الأغلب.
إنّ التعارفَ بين طرفي العلاقة المفترضين هي من أهمّ مقوّمات سبلِ إنجاح هذه العلاقة والتي ستنشأ من خلال المعرفة والتعارفِ ودراسةِ كلّ طرفٍ لأخلاق وسلوكية وأفكار الآخر والوقوفِ على ميوله ورغباته وأحلامهِ وطموحاتهِ وغير ذلك من أمورٍ هي غايةٌ في الأهمّية وهي تلعبُ دوراً خطيراً وحسّاساً في فشلِ, أو في نجاحِ أيةِ علاقة أو رابطة تقارب بين الطرفين تقودُ في النهايةِ إلى الحلمِ المنشودِ ألا وهو الزّواج القائم على المحبّة والاحترامِ المتبادل والاعترافِ بحقوقِ الآخر والعمل على إسعاده بما يتوفّر من سبلٍ تسيّسها وتقودها عملياً الرّغبة الصّادقةِ والأكيدةُ.
الحبُّ هو ذلك التعبيرُ عن الابتسامِ والفرحِ والسّرورِ, و هو عالمٌ جميلٌ يشعرُ فيه المتحابّان بأنّ كلَّ شيءٍ في الحياةِ تصبغُهُ ريشةُ الجمالِ بمسحةٍ من الهدوءِ والدّعةِ والعطف والرّقّةِ والمجاملةِ والمؤانسةِ فالحبُّ إحساسٌ غريبٌ قد لا يرى الشّخص المفعمُ بهِ تفسيراً لهُ ولا يستطيعُ التّعبيرَ عمّا ينتابُهُ من مشاعرِ البهجةِ وما يغمرُ قلبَهُ من الإحساس بالمتعةِ والرّاحةِ وللحبّ كذلك تأثيرٌ كبيرٌ على السلوكِ الأفرادِ وتصرّفاتهم وفي الذّاكرةِ البشريّة التاريخيّة قصصٌ من الحبّ وعنهُ تجعلنا نحلّقُ عالياً بأفكارنا لندركَ مدى الروحانيّات التي تتفاعلُ من خلالِ هذا التأثيرِ على السّلوك , وبرأيي فإنّ الحبَّ الصّحيحَ والصّادقَ هو ذلك الذي يخلقُ توازناً منطقيّاً بين طرفيهِ منْ طرفٍ وبين هذين الطرفين معاً من جهةٍ وبين المجتمعِ الذي يعيشان فيهِ من جهةٍ أخرى بما تسودُهُ من علاقاتٍ وأعرافٍ وعاداتٍ يؤخذُ منها الحسنُ ويهملُ منها السييّءُ الذي لا يتواصل مع الواقع الجديد الحاصلِ وتطوراته اللاحقة والتقدّمِ الذي لا بدّ منه والعمل على تشجيعهِ وتسريعِ وتيرتهِ بما يكفلُ للعمليّة النجاحَ والتقدّم والحبُّ يجبُ أن يكونَ مسؤوليّةً والتزاماً وتفاعلاً وجدانيّاً يدفعُ إلى الإخلاصِ في الإحساسِ تجاهَ الشّخص المحبّ والعملِ على توفيرِ عواملِ الاستقرارِ والثّقةِ والأمانِ ومتى اختلّ توازنُ هذا الإحساسِ فإنّ الحبّ سيتعرّضُ بكلّ تأكيدٍ إلى نكساتٍ قد تودي بهِ فتشلُّهُ وتمنعهُ من الاستمرار أو هي تحرفُهُ عن مسارِه فتكونُ الخيبةُ ويكونُ الفشلُ وتكونُ المرارةُ وهي النهايةُ المخنوقةُ تلك النهايةٌ الحزينةٌ مثلما رأينا في بعض مآسي التاريخ القصصي لمشاهير عشّاق الحبّ والذين كابدوا أعباءه أمثالِ ( قيس وليلى)و (ماجد ولين) و (ممّ وزين) و (روميو وجولييت)وغيرها من قصص الحبّ التي انتهت فصولُها الأخيرة على واقع حزنٍ مأساويّ فظيع!
يفترضُ في الحبّ أن يقومَ على أسس صحيحةٍ وواضحةٍ ومتينةٍ لا تهدمها أوّلُ أزمةٍ تنشبُ بين المحبّين أو تهوي في مواجهةِ أولى العقباتِ التي قد تعترضُ حياتهما العمليّةِ وهي بالتأكيد عقباتٌ ومعوّقاتٌ ستكونُ غيرَ قليلةٍ يقولُ (الطنطاوي) عن الحبّ:"الحبُّ عالمٌ من العواطفِ,ودنيا من الشّعورِ,عجيبٍ وغريبٍ"فمتى أحسّ المرءُ بالحبّ فلا حرجَ عليه في ذلك ولا ملامةَ إنْ هو عبّرَ عن هذا الحبّ بممارسةٍ صحيحةٍ تهدفُ إلى نتيجةٍ مؤمّلةٍ وعلاقةٍ مقدّسةٍ لا تقومُ على فكرةٍ مؤقتةٍ أو وفقَ رغبةٍ آنيةٍ زائلةٍ!إذ ليس الكلامُ في الحبّ حراماً أو محرّماً بل هو من أجمل الكلامِ وأصدقِ إعلانٍ عن المشاعر.
الحبُّ شعورٌ دافيءٌ يحملُ معانياً كبيرةً وكثيرةً تجعلنا أشخاصاً أكثرَ صدقاً مع ذواتنا ومع منْ نحبّهم والحبُّ له بالطّبعِ أنواعُهُ المتعدّدةُ وحالاتُهُ المختلفةُ ونحنُ لسنا هنا في مجالِ التحدّث عن هذه الحالات ولكن نلقي بالضوء على هذا العالمِ الجميلِ من العواطفِ الجيّاشةِ, والتي قلّما يستطيعُ أحدُنا قهرها في حضرةِ مَنْ يُحبُّ الحبُّ هذا المفهومُ العامُّ لا يكادُ يمرُّ يومٌ منْ دون أن تسمعَ مفرداتِه وعباراته التي تدلّ عليهاو تلحظ ممارساتٍ تشيرُ إليه وتعبّرُ عنه وللحبّ دلائلُ لا تُخفى على أحدٍ فلا يستطيعُ المحبّ أن يكتمَ مشاعرَه ويكبتها أمامَ محبوبِه وتلمسُ بوضوحٍ دلائل عن هذا الحبّ كالنظراتِ المتبادلةِ والابتساماتِ الهادئةِ أو العميقةِ على حياءٍ يخفي وراءَهُ أكواماً من أحاسيسِ الشّعورِ بالجماليّاتِ والصّور الممتلئةِ بالخيالِ والرّغبةِ والشوقِ والوجدِ والهيامِ والشّعورِ بالمتعةِ ممّا تستطيعُ وبجلاءٍ لا يحتاجُ كشفُه إلى قوّةٍ خارقةٍ في الذكاء فهذان الشّخصان يوصلُ بينهما شعورٌ من نوعٍ ما, يدلُّ على اهتمامٍ ورغبةٍ في التقرّبِ كلّ من الآخرِ وتلعبُ العاطفةُ دوراً أساساً في إشعالِ نار الحبّ هذه فهي وقودُها وهي التي تؤجّجُ الرّغبةَ لدى الطرفين فيما بعد. ويدركُ الشّخصُ مدى المتعةِ التي يُحدثُها تحدّثُ الحبيبِ عن محبوبه وإليه, وكيفَ يصفُ ذلك المحبوب ويختارُ لهذه الأوصافِ أجملَ العباراتِ والألفاظِ والمعاني والتشبيهاتِ والكناياتِ والاستعاراتِ وكلّ ذلك يدفعُه الإحساسُ الداخليّ العميقُ للمحبّةِ أو للحبّ ويكون الرّجلُ على الدّوامِ هو الأجرأ وهو الأفصحُ في طرقِ الإعلانِ عن الحبُّ وعن مشاعرِه والتسويقِ لها فيما المرأةُ وبحكمِ شعورِها بالخجلِ وفكرةِ وجوب التزامها بالقيمِ السائدةِ والأعرافِ المعمولِ بهاوخضوعها لطقوس هائلة مفروضة عليها كقيود غير معقولةِ تخشى من الإعلان عمّا تحسّ به وتعبّر عمّا بداخلها إلا ما ندر.
إنّ الحبّ كمفهومٍ لم يتغيّر منذ فجر التاريخ ولغاية اليوم لكنّ نوعيته شملها تطوّرٌ من نوعٍ ما يتمّ التعبيرُ عنها بحسبِ الظروفِ والوقائع ولا يجوزُ الفصلُ بين الحبّ وبين الجمالِ فهما توءمان متلازمان وقد لا يكونُ الحبيبُ على درجةٍ عاليةٍ من الجمال أو قد لا يكون جميلاً على الإطلاقِ إلاّ أنّه بنظرِ محبّه من أجمل ما خلقَ الله ولذا قيلَ "الحبُّ أعمى" ولا أعتقدُ أنّ أحداً يستطيعُ خوضَ تجربةِ الحبّ والاكتواءِ بنارِها ما لم يتمتّعْ بالتذوّقِ الجماليّ لفنّ الجمالِ وما لم يكنْ متفهّماً وبوعي لمثل هذا الشعور ويكون ذلك التمتّعُ بمقدارِ ما هو عليهِ من تذوّقٍ رفيعٍ يسمو بصاحبهِ, أومن تذوّقٍ جسديّ وضيعٍ ينحدرُ بصاحبِه وبالحبّ إلى درك منبوذٍ وللحبّ درجاتٌ كما له أسماءٌ لسنا في مجالِ ذكرِها, ويكون الغزلُ على الأغلبِ أحدَ مظاهرِ التعبيرِ عن هذا الحبّ والتغزّلُ بالمحبوب ووصف خصاله وما هو عليه من نعومةٍ ورقّةٍ وجمالٍ وخلقٍ إنّما كان مسيرَ الكثيرِ من شعراءِ العشقِ وطلاّبِه, ومهواهم, وقد يكونُ غزلا عفيفاً أو غزلاً إباحيّاً غير مقبولٍ كما حدثَ في الجاهليّة وفي بعض العصورِ الإسلاميّة.
وكخاتمةِ قولٍ أستطيعُ القولَ, وبوضوحٍ : أنّ الحبّ نعمةٌ من نعمِ الحياة وهو إحدى عطايا الخلق الإلهي والشخصُ الذي يحبُّ بصدقٍ ليسَ بمقدورِه أن يجحدَ هذه النعمةَ والعطيّةَ. أمّا الدلائل عن الحبّ ووجودِه فمنها: النّظراتُ والتفكيرُ في المحبوب والتأملّ فيه والحلمُ به ومشاهدته في المنامِ والتحدّث عنه ومدحِهِ وتقديمِ الهدايا لهُ وإشعارُهُ بالأهميّةِ واللّهفةِ إلى مشاهدتِهِ والرّغبة الجامحةِ في البقاءِ بقربِه أطولَ مدّة ممكنة والغيرةِ عليه شريطةَ ألا تتعدّى حدودها العاديّة والمسموحِ بها لئلا تغدو حالةً مرضيّةً فالغيرة الشديدة هي معولُ الهدمِ الأكيدُ لبنيانِ هذه العلاقة ويشترطُ على الأغلبِ في الحبيبِ أنْ تتوفّرَ فيه إلى جانب تمتّعِه بالجمالِ صفاتٌ أخرى منها: الجاذبيّةُ والذكاءُ والحضورُ المقبولُ ومحبّةُ الناسِ له وغيرها.