المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مرثية انحسار المسيحية في موطنها الأصلي* ليلى فريد


fouadzadieke
08-11-2005, 09:59 PM
(http://www.sargon.se/text/sfaryawmo/lala%20farid.htm#topp)
مرثية انحسار المسيحية في موطنها الأصلي


من جبل آثوس في اليونان إلى الواحات الخارجة في مصر
ليلى فريد : إيلاف 22/7/2005

ليلى فريد

من خلال دوامة الحرب العراقية وتوابعها تتسرب إلى بؤرة الضوء الإعلامي لمحات عن وضع المسيحيين هناك. فعلى عهد صدام لم يصبهم أكثر مما أصاب العراقيين عامة ولم يستهدفوا الشيعة والأكراد مثلا وذلك لانعدام أطماعهم السياسية. أما عن طارق عزيز فقد استخدم كواجهة ملطفة للنظام الصدامي وكحلقة اتصال مع كنيسة روما عندما كانت الحاجة تدعو لذلك.
ولكن عندما انهار النظام وجد مسيحو العراق أنفسهم بلا قوة سياسية أو عشائرية تسندهم. واتخذ من اشتراكهم في العقيدة مع القوات المحتلة ذريعة لترويعهم وابتزازهم وتفجير الكنائس وخطف رجال الدين. وجرى تهميشهم بحيث لم تصل صناديق الاقتراع في أول انتخابات ديموقراطية إلى الأسيريين في شمال العراق. مما أسفر عن هرب ما يقرب من ربع مسيحي العراق إلى سوريا والأردن أو لأوربا وأمريكا واستراليا.

وفي سياق سعي تركيا إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي تظهر تلميحات عن ضرورة اعتراف الأتراك أولا بالمجازر والتطهير العرقي والإبادة الجماعية التي ارتكبوها في حق الأقليات المسيحية وخاصة الأرمن والسريان خلال الحرب العالمية الأولى.

أما في السودان فقد استطاع مسيحو الجنوب بعد أن دفعوا ثمنا غاليا واستخدموا السلاح والتفاوض - إرغام السلطة السودانية على توقيع اتفاقية السلام.

ومن الغريب أن من يربطون المسيحية بالغرب يتناسون سهوا أو عمدا أن هذه العقيدة انبعثت من الشرق وامتدت جذورها فيه. وخلال الفترة ما بين القرن الرابع إلى السابع كانت منطقة شرق البحر المتوسط هي قلب المسيحية ومركز حضارتها.

ومن المؤسف أن تقبل المسلمين )بصفة عامة( للأقليات المسيحية - والذي حافظ على وجودها على مدى القرون الماضية بل وتمتعها بحقوق المواطنة الكاملة في العصر الليبرالي في بدايات القرن العشرين - لم يدم. ونجحت رياح التغيير التي اجتاحت المنطقة وحملت معها اتجاهات الإسلام الأصولي المتشدد في أن تعصف بمسيحية الشرق وتطمس معالمها.

ولسوء حظ المسيحيين كانوا دائما يقعون بين فكي الرحي في الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط ويحاصرون بين مطرقة وسندان الأطراف المتناحرة.

وفي النهاية دفعتهم موجات الاضطهاد والتفرقة ونظرات الشك والتكفير إلى ترك موطنهم والهجرة بأعداد متزايدة. ويعيش حاليا في الشرق الأوسط ما لا يزيد عن 12 مليون مسيحي يجاهدون في سبيل البقاء وسط أغلبية كاسحة من المسلمين. واضطر الكثير منهم إلى الانزواء في غيتوهات منغلقة مهمشة أو الرضاء بأوضاع تقترب من الذمية.

وباستثناء الأديرة العامرة والكنائس المحفوظة في اليونان ومصر وسوريا - بصفة خاصة - فإن نظائرها في تركيا ولبنان وفلسطين على وشك أن تخلو من آخر قاطنيها وتغدو أطلالا مهجورة أو مزارات آثرية.
وفي مواجهة هذا الخطر الداهم قد يتضمن الإعلام الغربي بين حين وآخر برنامجا او مقالا عن محنة مسيحي الشرق وقد تدرج هذه القضية على جداول البحث في مركز الدراسات. ونادرا ما قد يطلق أحد المستنيرين العرب صيحة تحذير من عواقب هجرتهم المتنامية. فعلى سبيل المثال نوه الأمير طلال بن عبد العزيز في مقاله الشهير عام 2002 بالدور الحضاري والتاريخي والاقتصادي والروحي والثقافي للمسيحيين العرب وأوضح أن رحيلهم عن أرض آبائهم سيوجه ضربة قوية إلى مستقبل المجتمعات العربية وسيعني اختفاء حلقة الاتصال بين الإسلام في الشرق والمسيحية في الغرب.

ولكن من المؤكد أن الاهتمام الذي قد يوليه العالم إلى خطر انقراض فصيلة من الحشرات أو الزواحف السامة أكبر بكثير من اكتراثه بخلو أوطان الشرق من سكانها الأصليين.

ومن المؤلم أن العالم الحر يميل إلى تجاهل محنة الأقليات الدينية في خضم تعقد الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط. وأقرب مثل على ذلك هو الحال في فلسطين والعراق.
ففي فلسطين يستغرب المسيحيون من انحياز الغرب إلى إسرائيل على طول الخط رغم المعاناة التي يلاقونها مضاعفة: من الإسرائيليين من جهة ومن العرب المسلمين من جهة أخرى. حيث اعتصروا ما بين مطرقة الاحتلال والتشريد والطرد من أراضيهم وسندان صبغة القضية الفلسطينية بصبغة إسلامية على يد حماس والجهاد وأمثالهما من المنظمات.

وفي العراق تجد الأقليات التي قمعت تحت حكم صدام من يسمع لها - فالأكراد يحتضنهم المجتمع الدولي والتركمان تساندهم تركيا أما الأقليات المسيحية فإن القوات الغربية نفسها لا تعمل الكثير من أجل حمايتهم حتى لا يزيد ذلك من حدة العداء لها ويؤدي إلى تصاعد الهجوم على قواتها.

في هذه الأجواء يعتبر الحديث عن كتاب »من الجبل المقدس.. رحلة في ظلال بيزنطة« أنسب ما يكون. هذا الكتاب لا يجب أن تقربه ما لم تكن تملك الوقت الكافي لإكماله فهو من نوعية الكتب التي تستغرقك تماما فلا تستطيع تركها قبل الفراغ منها. هو مزيج من أدب الرحلات والسياسة والتاريخ المرصع بقدر كبير من الفكاهة والسخرية.

المؤلف هو ويليام دالريمبل الذي ولد في اسكتلندا وبدأت كتبه تحصد الجوائز وتتصدر قائمة المبيعات وهو لم يتعد عامه الثاني والعشرين. وهو يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون من أبرز كتاب أدب الرحلات: خليط من عشق التاريخ والرغبة في فهم كل ما يدور في الحاضر ومحاولة استشراف المستقبل. الشجاعة.. حب الاستطلاع والمغامرة. الروح الفكهة... القدرة على التواصل مع رجل الشارع البسيط أو مع السياسي المحنك وعلى انتزاع الحقيقة من كليهما. الصبر على الاعتكاف في دير بحثا عن معلومة مختبئة في تلافيف مخطوطة قديمة أو الانزواء في كهف لاكتشاف نقش على جدار مظلم.

ظهرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1997 حيث أمضى المؤلف ما يقرب من ستة أشهر عام 1994 في رحلة اقتفى فيها أثر الرحالة العظيم الراهب البيزنطي جون موشوس وتلميذه سوفرونيس السوفسطائي في رحلتهم الشهيرة إلى أديرة الإمبراطورية الرومانية الشرقية في أواخر القرن السادس الميلادي. وكان الهدف من هذه الرحلة هو جمع مخزون حكمة وأقوال ومعجزات آباء الصحراء على يد شهود عيان لهذا العصر الذهبي للمسيحية قبل ضياع معالم هذا العالم الذي كانت أركانه قد بدأت في التصدع. حيث أصبحت الإمبراطورية البيزنطية محاطة بالأعداء ومعرضة للهجمات من قبل الفرس وبدو الصحراء. حتى الأديرة لم تسلم من الاعتداءات والحرق وقُتل الرهبان أو اقتيدوا كعبيد. ثم تلى ذلك الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي.

ودون موشوس مشاهداته في مخطوطة »المروج الروحية« والتي كانت من أشهر مؤلفات عصرها. وهكذا كان موشوس وسوفرونيس شهودا على الفصول الأولى من تراجع المسيحية في الشرق وكانت مشاهدات »المروج الروحية« مقدمة لتراجيديا مازالت فصولها الأخيرة تتكشف يوما بعد يوم.

وبعد أربعة عشر قرن جاء كتاب ويليام دالريمبل ليسجل المراحل المتأخرة أو كما يقول المؤلف "بداية النهاية" لهذه الكارثة: تراجع المسيحية في موطن المسيح.

وفارق موشوس الحياة في القسطنطينية ودفن حسب وصيته في دير في أورشاليم مسقط رأسه. أما تلميذه سوفرونيس فقد أصبح بطريركا لأورشليم وبعد حصار دام عاما اضطر من خلال دموعه إلى تسليم مفاتيح المدينة إلى عمر بن الخطاب. ومات بعدها بشهور قليلة كسير القلب ودفن بجوار معلمه في المدينة المقدسة.

يرصد كتاب دالريمبل مظاهر انحسار المسيحية في موطنها الأصلي. إنها مرثية حزينة تهزك.. توقظك.. مع صفحات الكتاب تكتشف حقائق مفزعة تفتح أعين القاريء وخاصة الذي لا ينتمي لهذا الجزء من العالم. في تعليقه على الكتاب كتب أحد النقاد الإنجليز قائلا: "كلما توغلت في الكتاب كلما شعرت بالصدمة وطفقت أسأل نفسي لماذا لم نعرف - نحن في الغرب - هذه الحقائق من قبل؟"

ويخفف الكاتب من وقع المأساة التي يروى تفاصيلها بالملح والنوادر والمفارقات الطريفة التي ينثرها في ثنايا الصفحات. فيتفكه على لسان طالبة يونانية من تعصب الأتراك وجهلهم بالتاريخ لدرجة أنهم يدعون أن "هومر" الشاعر الإغريقي صاحب الإليادة والهوميروس تركي الأصل واسمه الحقيقي "عمر"!!

ويروي إحدى النكات الساخرة التي كانت تتردد بين السوريين عن الرئيس الراحل حافظ الأسد: بعد ظهور انتخابات الرئاسة، أسرع رجاله ليبشروه بالنتيجة قائلين : "لقد اختارك 99% من الشعب وامتنع فقط 1% عن التصويت. فماذا تطلب أكثر من ذلك؟!" فكان رد الأسد: "شيء واحد فقط : أسماء وعناوين ال 1%".

ورغم تعاطفه الشديد مع محنة المسيحيين فإن ذلك لم يمنعه من أن ينظر إلى بعض تصوراتهم ومواقفهم نظرة ناقدة بلا قسوة، ساخرة بلا تجريح. فعلى سبيل المثال يروي أن الراهب المسئول عن المكتبة في دير إيفيرون في اليونان لم يوافق على أن يطلع ويليام على المخطوط الأثري للمروج الروحية، إلا بعد أن وعد بأن لا يخبر مخلوقا بأنه "هرطوقي" وهو ما يعني في مفهوم رهبان هذا الدير (أي شخص غير ارثوذكسي).

ولاحظ بأسف الخوف الذي يسيطر على تصرفات الكثير من مسيحي الشرق. وهو ما يدفع مثلا أحد تجار الأثاث الأرمن المسيحيين في بعلبك إلى أن يعلق لافتة كبيرة على واجهة متجرة تبايع آية الله الخوميني. ويجعل الأرمن الباقين في تركيا يتظاهرون حسب أوراقهم الرسمية بأنهم مسلمون بينما يتسللون إلى الكنيسة سرا لنوال سر المعمودية. وعندما حاول معرفة الحقيقة وراء الاعتداءات التي وقعت على كنائس قبطية في منطقتي شبرا وعين شمس فوجيء بجدار من الصمت ومحاولة للإنكار من جانب الأقباط لوجود أي مشاكل مع المسلمين.

وفي ثنايا الكتاب يبرز المؤلف لقطات مؤثرة عن مدى امتزاج أتباع الديانات السماوية من بسطاء الناس. ويأخذك العجب من أن هذه المظاهر مازالت تعيش وسط تيارات التعصب والكراهية السائدة.

ففي قرية بيت جالا بجوار بيت لحم توجد كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس وهي تعتبر مزارا لأتباع الديانات الثلاث. فالمسيحيون يعتبرونها مكان مولد القديس "مار جرجس" واليهود مكان ميلاد النبي "الياس" ومئات من المسلمين يزورون الضريح تبركا بسيدي "خضر". وعندما تستجاب دعواتهم ويرزقهم الله بالخلف الصالح يقدمون بكل بساطة للكنيسة هدايا تشتمل على سجاد للصلاة تزينه صور مكة المكرمة.

وبعد انتهاء الحرب الأهلية عاد الدروز في إحدى قرى لبنان إلى التردد على الكنيسة المارونية كلما أصابهم مرض أو ضيقة وتناسوا تماما العداء المستحكم بينهم وبين المارونيين.
وعندما زار الكاتب ضريح "مار جرجس" في إحدى الجزر قرب اسطنبول وجد الأتراك المسلمين يفردون سجادة الصلاة ويتوجهون في تعبدهم باتجاه مكة وبجوارهم اليونان الأرثوذكس يشعلون الشموع أمام أيقونة القديس.

أما في كنيسة دير القديسة مريم في سيدينا بسوريا فقد فوجيء برؤية مسلمين ملتحين يركعون وسط سحب البخور ونسائهم الملتفات بالشادور الأسود يمضين الليل أمام أيقونة العذراء التي رسمها القديس لوقا يأكلن من الشمع الذائب ويشربن من الزيت المقدس. وعندما تستجاب طلباتهم وينجبون قد لا يتحرجوا من إحضار الأطفال لتعميدهم في الكنيسة وفاء لنذر نذروه.
وفي حلب رأى المسيحيين يزورن ضريح النبي "يوري" وينحرون الذبائح عندما يتحقق لهم الشفاء من الأمراض. واستخدم المؤلف أسلوب تدوين اليوميات. ولذا ففي الأجزاء التالية من هذا العرض سنصحبه في مسار رحلته الذي بدأها من اسكتلندا ومنها إلى جبل آثوس في اليونان ثم إلى اسطنبول وأنطاكيا. وانتقل بعدها إلى سوريا ثم الضفة الغربية وأورشليم وانتهى بمصر: من الإسكندرية إلى الواحات الخارجة في الصحراء الغربية مارا بالقاهرة ودير القديس أنطونيوس في البحر الأحمر وأسيوط ودير المحرق.

وسنصحبه في ارتحاله ما بين قطارات وحافلات ليلية إلى مراكب وعربات تاكسي متهالكةوأحيانا سيارات حكومية فارهة. وسنقيم معه في صوامع عارية في أديرة مهجورة وأخرى مأهوله في أديرة عامرة بالخدمة والزوار. في حجرات فنادق تفتقر إلى الراحة والنظافة وفي أخرى يفوح منها عبق الماضي العريق. سنزور بيوت بسيطة متقشفة وقصورا فارهة تزهو بالعز والثراء.

سنستعرض في هذا الجزء بعض محطات الرحلة التي قام بها الكاتب الاسكتلندي ويليام دالريمبل في عام 1994 مقتفيا أثر الراهب البيزنطي الرحالة جون موشوس وتلميذه سوفرونيس السوفسطائي في طوافهم بالأديرة والآثار المسيحية التي ضمتها الإمبراطورية الرومانية الشرقية في أواخر القرن السادس الميلادي.

أراد الكاتب أن يقارن مشاهداته بما سجلاه في مخطوط "المروج الروحية". ماذا بقي وماذا اندثر بعد مضي أربعة عشر قرنا، وأن يترك للأجيال القادمة تسجيلا لما لن يمكنهم رؤيته.. تسجيلا لما كان يسمى بالمسيحية في الشرق!!

كانت أول محطة في دير إيفيرون في جبل آثوس "الجبل المقدس" شمال اليونان حيث أقام ويليام في صومعة صامتة حتى سمح له بعد تردد بالاطلاع على النسخة الأصلية لمخطوط المروج الروحية في مكتبة الدير.. وكان مبعث التردد أنه "كاثوليكي" وهو ما يندرج في عرف الرهبان تحت مسمى "هرطوقي".

وكشف له أحد الآباء عن جانب من أسباب سوء ظن الروم الأرثوذكس بكل من هو مخالف لطائفتهم. فهم لم ينسوا أبدا أن عالما ألمانيا في القرن التاسع عشر قد غادر دير سانت كاترين في سيناء وقد أخفى بين طيات جمله أقدم نسخة للعهد الجديد كانت ضمن كنوز الدير.
وكانت المحطة الثانية هي تركيا حيث يمثل المسيحيون الآن أقل من 1% من تعداد السكان. فماذا وجد؟

اسطنبول (القسطنطينية) عاصمة الدولة البيزنطية ومهد الأرثوذكسية وحاضنتها ما بين القرن الرابع إلى الخامس عشر (عندما سقطت في يد الأتراك العثمانيين). المدينة التي ضمت أروع نماذج العمارة البيزنطية: كنيسة القديسة صوفيا، فقدت الآن أهميتها وتنوع حضارتها وساكنيها. مئات الأديرة والكنائس لم يبق منها إلا العشرات والكثير منها ككنيسة القديسة صوفيا تحول إلى جوامع.

مازالت اسطنبول هي مركز بطريرك الأرمن وبطريرك الروم الأرثوذكس. ورغم أنه يفترض أن معاهدة لوزان لحماية الأقليات توفر الحماية لهاتين الطائفتين إلا أن الأرمن (حوالي 40 ألف نسمة) مازالوا يعيشون الذكريات السود للمجازر التي تعرضوا لها على يد الأتراك العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى. ويدفع الخوف بعضهم إلى التظاهر بأنهم أتراك مسلمون.
والروم الأرثوذكس أحفاد البيزنطيين، عانوا هم أيضا من التطهير العرقي في عشرينيات القرن الماضي لإفراغ تركيا من سكانها اليونانيين. ولم يبق منهم إلا حوالي 5 آلاف شخص يعانون الأمرين من أجل الحصول على إذن ببناء مدرسة أو كنيسة. وأغلق الأتراك كليتهم الإكلريكية فنضب منبع تخريج كهنة جدد منذ عام 1970. واضطر بعضهم لكي يعيش إلى أن يطلق على نفسه اسما تركيا. فمثلا من ولد باسم "ديمتريوس" أصبح الآن "دمير". ومعظم الباقين من اليونانيين هم من العجائز بعد أن هاجر كل الشباب القادر. ويبدو كأن آباء الكنيسة لم يعد لهم من عمل إلا صلوات الجناز فلا أفراح ولا تناصير.

ويتلقى البطريرك بين حين وآخر تهديدات بالموت ويتعرض مقره كما تتعرض محال المسيحيين وكنائسهم ومقابرهم للهجوم من قبل الإسلاميين المتشددين.

ويتفنن الأتراك في النكاية باليونانيين فكنيسة القديسة أيريني الرائعة يبقوها مغلقة وعندما يقررون يوما فتحها يكون ذلك لاتخاذها مقرا لمسابقة انتخاب ملكة للجمال!!
? أما أنطاكيا التي كانت هي والقسطنطينية من ضمن المراكز الخمس الرئيسية للكرسي البطريركي "إلى جانب روما والإسكندرية وأورشليم"، فلم يعد فيها الآن إلا 200 عائلة أرثوذكسية وبضعة كنائس ستندثر فور وفاة كهنتها الشيوخ وأديرة ستختفي بعد رحيل الرهبان الطاعنين في السن.

جنوب شرق تركيا: وبالإضافة للأرمن والروم الأرثوذكس يعيش في تركيا عدد قليل (حوالي 2500) من الأشوريين الكلدانيين والسريان. تعرضوا مثلهم مثل الأرمن للإبادة الجماعية، ولكن لا تضمهم معاهدة حماية الأقليات ولذا فهم يسيرون سيرا حثيثا في طريق الانقراض.
وقد وقع سريان منطقة طور عبدين في جنوب شرق تركيا بين شقي الرحى في حرب العصابات الدائرة بين الأتراك والأكراد الساعين إلى الحكم الذاتي. فالحكومة التركية تتهمهم بالميل إلى الأكراد، والأكراد يتهمونهم بأنهم جواسيس للحكومة. ولذا لم يجدوا بدا من الفرار إلى أوروبا وأمريكا في هجرات جماعية.

وفي منطقة الأناضول لم يتلاش وجود الأرمن فحسب بل اختفت كنائسهم وأديرتهم ومقابرهم وكل ما كان يدل عليهم من على ظهر البسيطة. ولا يمكن الآن لعالم آثار أن يبحث عن آثار الأرمن في تركيا لأنهم ببساطة وحسب المعلومات الرسمية لم يوجدوا هناك أصلا!! وبقدرة قادر انمحت حقيقة وجود الأرمن الطويل في تركيا من صفحات التاريخ. ويأمل الأتراك في أن ينجحوا يوما في محوها تماما من ذاكرة التاريخ. ومن هنا جاءت محاولات الترهيب التي يتعرض لها المؤرخون لو حدث وأشاروا إلى وجود الأرمن.

وكانت المحطة التالية هي سوريا. ويتضح أن الانطباع الذي خرج به الكاتب (في ذلك الوقت من عام 1994) هو أن سوريا مازالت هي أفضل مكان في العالم العربي لحياة المسيحيين. بل أن سوريا كانت منذ بداية القرن العشرين تمثل واحة الأمان للسريان والأرمن الفارين من تركيا، النسطوريين والكلدانيين المطرودين من العراق والمشردين من مسيحي فلسطين.
واستشعر أثناء وجوده في سوريا أن المسيحيين هناك يشعرون بالأمان طالما استمر حكم نظام الأسد العلوي ولكن مخاوفهم تتعاظم من المصير الذي ينتظرهم في حالة انهيار هذا النظام.
وتنقل ما بين حلب حيث أقام في فندق البارون (الذي استضافت حجراته العريقة العديد من مشاهير العالم من أمثال كمال أتاتورك و أجاثا كريستي) ودمشق وحمص وغيرها من المدن والقرى.

ولاحظ ما لا تخطئه العين وهو حرية المسيحيين في إبراز ما يشير إلي عقيدتهم والامتزاج والسلام السائد ما بين أتباع الإسلام والمسيحية وتبرك البسطاء من العقيدتين بزيارة أضرحة الأولياء والقديسين على حد سواء.

وفي دير العذراء في سيدنيا قصت عليه إحدى الراهبات حكاية وجود صورة رواد الفضاء السوريين المسلمين المعلقة في الدير. فقبل رحلتهم إلى الفضاء الخارجي زاروا الدير طلبا للبركة. وعند عودتهم سالمين حضروا لتقديم الشكر للعذراء وأهدوا الصورة للدير.
ولكن كل هذا لم يمنع من تناقص أعداد مسيحي سوريا أيضا فوصل إلى ما يقرب من مليون ومائتي ألف نسمة فقط.

ثم عبر الحدود إلى لبنان التي كانت تحاول الإفاقة من كابوس سنوات من الحرب الأهلية التي دمرت وأحدثت شروخا عميقة في المباني والنفوس على حد سواء.
لبنان تتميز من ضمن ما تتميز بأنها تضم تشكيلة متنوعة من الطوائف الدينية والمذهبية. فبين المسيحيين تجد الموارنة والروم الأرثوذكس والأرمن والقليل من الأسيريين والكلدانيين واليعاقبة إلى جانب الإنجيليين والكاثوليك والأقباط. والمسلمون ينقسمون إلى شيعة وسنة ودوروز. بالإضافة إلى عدد محدود من اليهود.

ولذا فعندما اشتعلت الحرب الأهلية لم تقتصر على المسيحيين والمسلمين في مواجهة ثنائية فحسب. بل بدا أن الكل يقاتل الكل في صورة عبثية لم يسبق لها مثيل. الموارنة ضد الأرمن والروم الأرثوذكس. الشيعة ضد السنة..ميليشيات الموارنة يبيدون الفلسطينيين، ورجال فتح يقضون على المسيحيين.. المسيحيون والدروز يتقاتلون في الشوف والشيعة الموالين لإيران يهاجمون قري الموارنة في سهل البقاع وبعلبك.

ولكن في لبنان توجد نوعية من المسيحيين تختلف عن غيرها من مسيحي الشرق المتسمين بصفة عامة بطابع المسالمة واتقاء المواجهة والتي تصل أحيانا إلى حد السلبية والاستضعاف.
في لبنان يوجد الموارنة. الطبقة العليا المرفهة منهم فرنسيون أكثر من الفرنسيين أنفسهم. يتكلمون الفرنسية ويتنكرون لأصولهم السورية. الجناح المقاتل "الميليشيات" يتسم بالغلظة والقساوة وتشير إليهم (مع الإسرائيليين) أصابع الاتهام في بعض من أسوء المذابح "صبرا وشتيلا". الطائفة السياسية من الموارنة استماتوا في الاستمساك بموقفهم ورفضوا أن يشاركهم أحد السلطة. وكانت النتيجة أنهم خسروا الحرب الأهلية وتراجع نفوذهم السياسي وهاجر ما يقرب من ثلث عددهم إلى المهجر في أعقاب الحرب. ولم تعد البطريركية المارونية إلا مبنى مهجور والأديرة المارونية في لبنان تكاد تخلو إلا من رهبان طاعنين في السن.

ويلاحظ أن نسبة كبيرة من مهاجري لبنان المسيحيين هم من الطبقة المتعلمة الراقية التي تتوق إلى العيش في أجواء تناسب ثقافتها وتطلعاتها. طائفة أخرى في لبنان حوصرت في مرمى النيران المتبادلة أثناء الحرب الأهلية وهم اللاجئون الفلسطينيون المسيحيون. فلكونهم مسيحيين نظر إليهم الفلسطينيون المسلمون على أنهم مشروع خونة بينما اعتبرهم المسيحيون اللبنانيون إرهابيين.

وزار الكاتب "مار إلياس" أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المسيحيين في بيروت. والتقي بعائلة سمع منها قصة مأساوية عن معاناتها منذ هروب الأب بأسرته من قريته في فلسطين عام 1948 إلى جنوب لبنان. وتنقلت الأسرة من مخيم لآخر للاجئين بلا وطن ولا جذور ولا ممتلكات ولا استقرار. ولكن المذهل أن الإيمان والأمل مازالا هناك.
سأل المؤلف الأم: "ألم يدفعك كل هذا لأن تسألي نفسك كيف يسمح الله بكل هذه الويلات؟"
فأجابت بيقين : "ولكن الله لم يسمح بها! تلك الشرور هي من فعل البشر!" وعندما سألها هل تظن أنهم سيعودون يوما إلى منزلهم في فلسطين ابتسمت ابتسامة متفائلة قائلة: "هذا في يد الله.. سنرى.."

ثم تحط به الرحال في فلسطين حيث يحج إلى قبر جون موشوس وتلميذه سوفرونيس في دير القديس ثيودوسيس الذي لم يعد فيه إلا راهبة واحدة. فلسطين، حيث ولد المسيح.. ماذا بقي من المسيحية هناك؟ في أورشليم العديد من الطوائف المسيحية. أكثرها عددا وغنى وممتلكات هي الروم الأرثوذكس (حوالي 100 ألف نسمة). وهناك الأرمن (حوالي ألفين) وقليل من الكاثوليك (الفرنسيسكان) والأقباط.

في عهد جون موشوس كان في صحراء اليهودية 150 دير للروم الأرثوذكس لم يتبق منها مأهولا إلا ستة أهمها دير القديس سابا حيث أقام ويليام واضطر لأن يبتلع (وهو الكاثوليكي) الملحوظة التي قالها عن اقتناع أحد رهبان الدير وهي أن بابا روما هو زعيم طائفة الماسونيين وأنه من عبدة الشيطان!!

كما كان هناك في عصر موشوس 70 كنيسة للأرمن اندثرت بالتدريج. ويبذل الإسرائيليون محاولات كثيرة عن طريق الوسطاء لشراء الأرض المملوكة للأرمن والروم الأرثوذكس في أورشليم. وتهمل السلطات الإسرائيلية عامدة حي الأرمن وترهق أصحاب المحال بالضرائب الباهظة. كل ذلك لدفعهم دفعا للرحيل.

ويتعرض المسيحيون لمضايقات وهجمات من جانب المسلمين المتعصبين والدوروز الموالين لإسرائيل. هذا بالإضافة إلى معاناتهم كغيرهم من الفلسطينيين من الاحتلال والنفي والتشريد.
وبعد أن لعب المسيحيون دورا قياديا في حركة التحرير. على سبيل المثال حنان عشراوي اللسان الفصيح والوجه المشرق للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وعزمي بشارة، وإميل حبيب، وجدنا أن دورهم قد تراجع في الحياة السياسية بعد أن استبدلت شعارات الكفاح لتحرير الوطن بشعارات الجهاد في سبيل الله. واستبعد مفهوم المواطنة وأخرج المسيحيون من معادلة النضال. ولم يعد لمسيحي أورشليم حتى الحق في الانتخاب.

وكانت النتيجة أن هجرات المسيحيين التي بدأت منذ عام 1948 وشهدت موجة ثانية في عام 67، قد تعاظمت أخيرا. وتراجعت نسبتهم في فلسطين فلم تعد تزيد عن 15% من تعداد السكان وبدأت مجتمعاتهم تذوي ووصل الحال إلى أنه يوجد حاليا في سيدني باستراليا من مواليد أورشليم عدد يزيد عن الذين مازالوا يعيشون في المدينة المقدسة.
ولو استمر الحال على ما هو عليه لن تتواجد المسيحية مستقبلا في أرض المسيح كعقيدة حية. وستصبح أكثر الأماكن قدسية مجرد متاحف أثرية.















Top
(http://www.sargon.se/text/sfaryawmo/lala%20farid.htm#topp)