عندما ترتدي الروحُ سَوادَ الوُجُود (۱) بقلم: الشاعر فؤاد زاديكي ثَمَّةَ لَحْظَةٌ خَف
عندما ترتدي الروحُ سَوادَ الوُجُود
(۱)
بقلم: الشاعر فؤاد زاديكي
ثَمَّةَ لَحْظَةٌ خَفِيَّةٌ فِي عُمْقِ الزَّمَنِ، لا تَلْتَقِطُهَا حَوَاسُّ الجَسَدِ وَلا تَرْصُدُهَا سَاعَاتُ البَشَرِ، حِينَ تَقِفُ الرُّوحُ عَلَى شَفِيرِ الأُفُقِ المُنْتَهَى، لِتُعْلِنَ دُونَ صَخَبٍ عَنْ حِدَادِ الحَيَاةِ. لَيْسَ المَوْتُ دَوْمًا أَنْ يَتَوَقَّفَ النَّبْضُ فِي العُرُوقِ، بَلْ هُوَ ذَاكَ السُّكُونُ المَهِيبُ، الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِي أَعْمَاقِ الذَّاتِ عِنْدَمَا تَفْقِدُ الأَشْيَاءُ بَرِيقَهَا، وَتَتَلاشَى الأَلْوَانُ لِتَحُلَّ مَكَانَهَا طُيُوفٌ مِنْ رَمَادٍ.
فِي ذَلِكَ المِحْرَابِ المُقَدَّسِ، تَنْسَلِخُ الرُّوحُ عَنْ مَبَاهِجِ الدُّنْيَا الزَّائِفَةِ، وَتَلْتَفُّ بِرِدَاءِ الحُزْنِ النَّبِيلِ، لا اعْتِرَاضًا عَلَى القَدَرِ، بَلْ تَعْبِيرًا عَنْ اكْتِمَالِ الفَجِيعَةِ بِوَهْمِ البَقَاءِ. حِينَئِذٍ، يَبْدُو الوُجُودُ كَنَصٍّ قَدِيمٍ تآكَلَتْ حُرُوفُهُ، وَتُصْبِحُ الأَيَّامُ سُطُورًا مُكَرَّرَةً فِي كِتَابٍ أَعْيَا صَفَحَاتِهِ الغُبَارُ. لا حُزْنٌ يَهْزُمُهَا وَلا فَرَحٌ يُثِيرُ غَرِيزَةَ الشَّغَفِ فِيهَا، بَلْ هُوَ الذُّهَوْلُ الأَكْبَرُ أَمَامَ حَقِيقَةِ العَبَثِ، الَّذِي يَلْتَفُّ حَوْلَ الأَمَنِيَّاتِ.
تَعْلِنُ الرُّوحُ حِدَادَهَا حِينَ تَرَى الوُدَّ يَتَسَاقَطُ كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ الجَافَّةِ، وَحِينَ يَتَحَوَّلُ الصَّدَى إِلَى جِدَارٍ صَلْدٍ يَرُدُّ ابْتِهَالاتِهَا صَامِتَةً. تَرْتَدِي العُزْلَةَ كَتَاجٍ مِنْ شَوْكٍ، وَتَمْشِي فِي أُنْسِ المَسَاءِ كَظِلٍّ طَلِيقٍ نَجَا مِنْ قَيْدِ المَادَّةِ لَكِنَّهُ أُسِرَ فِي مَتَاهَةِ المَعْنَى. هُنَاكَ، فِي ذَلِك الصَّمْتِ المَطَرَّزِ بِالأَنِينِ الخَفِيِّ، تَبْكِي الرُّوحُ لا عَلَى مَا فَقَدَتْهُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ أَمَاكِنَ، بَلْ عَلَى شُعُورٍ كَانَ يَجْعَلُ لِلْهَوَاءِ طَعْمًا، وَلِلضَّوْءِ رَقْصَةً، وَلِلْكَلِمَةِ حَيَاةً.
إِنَّهُ حِدَادُ الكَيْنُونَةِ؛ حِينَ تَرْفَعُ الرُّوحُ رايَاتِهَا السَّوْدَاءَ فَوْقَ قِلاعِ الأَمَلِ المَهْدُومَةِ، وَتَجْلِسُ عَلَى عَرْشِ الذَّاكِرَةِ لِتَتْلُوَ فُصُولَ المَرْثِيَةِ الكُبْرَى. تَنْظُرُ إِلَى الوُجُودِ بِنَظْرَةٍ حَكِيمَةٍ زَاهِدَةٍ، فَتَرَى أَنَّ كُلَّ الرَّكْضِ فِي مَيَادِينِ الحَيَاةِ لَمْ يَكُنْ سِوَى مُطَارَدَةٍ لِسَرَابٍ يَبْتَعِدُ كُلَّمَا اقْتَرَبَتِ الخُطُوَاتُ. وَفِي هَذَا الإِعْلانِ المُطْلَقِ، تَسْتَرِدُّ الرُّوحُ كَرَمَتَهَا، فَلَمْ تَعُدْ تَرْضَى بِأَنْصَافِ المَشَاعِرِ، وَلا بِظِلالِ الحَقَائِقِ، بَلْ تَلْتَذُّ بِهَذَا السُّكُونِ العَمِيقِ، الَّذِي يَعْقُبُ العَاصِفَةَ.
هُوَ حِدَادٌ لا يَنْتَهِي بِانْقِضَاءِ المَآتِمِ، بَلْ هُوَ شَكْلٌ جَدِيدٌ مِنَ الوُجُودِ، تَصِيرُ فِيهِ الرُّوحُ كَالنَّجْمِ المُنْطَفِئِ، الَّذِي لا يَزَالُ نُورُهُ المَاضِي يَصِلُ إِلَى الأَرْضِ، مَاهِيَّةٌ سَامِيَةٌ تَعِيشُ فِي الدُّنْيَا وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ مِنْهَا، تَنْتَظِرُ اللَحْظَةَ، الَّتِي تَتَعَافَى فِيهَا مِنْ جِرَاحِ الفَنَاءِ، أَوْ تَمْضِي نَحْوَ الصَّفَاءِ الأَبَدِيِّ حَيْثُ لا حُزْنٌ، وَلا حِدَادٌ، وَلا ظِلالَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|