![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
قبور البيض… حكاية المكان في قلب الجزيرة السورية بقلم الباحث: فؤاد زاديكي في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، حيث تمتد سهول الجزيرة السورية بين دجلة والفرات، تقوم مدينة القحطانية، أو كما يعرفها أهلها منذ القدم «قبور البيض»، شاهدةً على تاريخ طويل تعاقبت فيه الحضارات والشعوب واللغات، حتى غدت هذه البقعة الصغيرة مرآةً حقيقية لذاكرة بلاد ما بين النهرين العليا. فالجزيرة السورية لم تكن يومًا أرضًا هامشية أو معبرًا عابرًا للقوافل، بل كانت منذ أقدم الأزمنة جزءًا من قلب العالم القديم، ومن المهد الأول الذي شهد ولادة الزراعة والاستقرار الإنساني وقيام المدن الكبرى الأولى في التاريخ. ويرتبط اسم «قبور البيض» بجملة من الروايات الشعبية المتوارثة، أشهرها وجود قبور قديمة مطلية بالكلس الأبيض كانت تبدو للمسافرين من بعيد كأنها علامات مضيئة وسط السهل المفتوح، فيما يرى آخرون أن التسمية جاءت من أضرحة قديمة بيضاء اللون أقيمت قرب طرق القوافل التجارية التي كانت تعبر المنطقة منذ قرون بعيدة. وقد بقي هذا الاسم حيًا في وجدان السكان على الرغم من اعتماد اسم «القحطانية» رسميًا خلال العقود الحديثة، شأنها شأن كثير من مدن الجزيرة التي تبدلت أسماؤها الإدارية بينما حافظ الناس على أسمائها التاريخية المتداولة. ولئن كانت البلدة الحديثة قد اتخذت شكلها العمراني والإداري خلال أواخر العهد العثماني ثم في فترة الانتداب الفرنسي، فإنّ الأرض التي تقوم عليها أقدم بكثير من حدود الزمن المعاصر، فهي تقع ضمن فضاء حضاري ضارب في القدم، احتضن منذ الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد مستوطنات بشرية ومراكز زراعية نشطة، وما تزال التلال الأثرية المنتشرة في عموم الجزيرة السورية تشهد على ذلك، مثل تل براك وتل حلف وغيرهما من المواقع التي تُعَدّ من أقدم المراكز الحضرية في التاريخ الإنساني. لقد خضعت هذه المنطقة، شأنها شأن سائر بلاد الرافدين العليا، لسلطة حضارات متعاقبة بدأت بالسومريين والأكاديين، ثم الآشوريين الذين جعلوا شمال بلاد ما بين النهرين مركزًا استراتيجيًا مهمًا لإمبراطوريتهم، فازدهرت الزراعة وشقت الطرق التجارية وأقيمت القلاع ومحطات العبور. وبعد أفول النفوذ الآشوري برز الآراميون الذين أصبحت لغتهم لغة الحياة اليومية في المنطقة لقرون طويلة، ومنها تطورت اللغة السريانية التي ازدهرت في الأديرة والكنائس المنتشرة في الجزيرة وطور عابدين ومحيطهما. ثم تعاقبت على المنطقة الإمبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية والبيزنطية، وكانت الجزيرة مسرحًا دائمًا للصراع بين القوى الكبرى بسبب موقعها الحيوي الرابط بين الأناضول وبلاد الرافدين والشام. وفي العصر الإسلامي دخلت الجزيرة تحت راية الدولة الإسلامية خلال القرن السابع الميلادي، لتصبح جزءًا من الدولة الأموية ثم العباسية، وازدهرت خلالها التجارة والزراعة والعمران، قبل أن تتعرض لاحقًا لغزوات وتحولات سياسية متلاحقة في العصور اللاحقة. ولعل ما يميز الجزيرة السورية عمومًا، ومدينة قبور البيض خصوصًا، هو تنوعها البشري والثقافي الذي تشكل عبر قرون طويلة من الهجرات والتبدلات التاريخية. فقد استوطنتها العشائر العربية منذ قرون، وعاشت فيها جماعات سريانية وآشورية عريقة الجذور، بينما ازداد الوجود الكردي في المنطقة خلال أواخر العهد العثماني وما بعد الحرب العالمية الأولى، نتيجة التحولات السياسية التي شهدتها الأناضول وترسيم الحدود الحديثة. كما استقرت فيها عائلات أرمنية وسريانية نزحت بعد المآسي الكبرى التي عصفت بشعوب المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى، فغدت الجزيرة فضاءً للتنوع والتعايش رغم قسوة الظروف وتقلبات السياسة. وفي هذا السياق التاريخي تبدو أسماء المدن والبلدات نفسها وثائق حية تختزن ذاكرة الشعوب. فمدينة رأس العين، على سبيل المثال، عرفت بهذا الاسم العربي منذ قرون طويلة، وقد وردت في كتب الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، وأصل تسميتها يعود إلى الصيغة السريانية القديمة «ريش عينو» التي تعني رأس النبع أو منبعه، وهو معنى يعكس طبيعتها الغنية بالينابيع منذ القدم. أما التسمية الكردية «سري كاني» فهي في حقيقتها ترجمة لغوية لهذا المعنى السرياني ذاته، وليست اسمًا منفصلًا أو تسمية جديدة، بل إعادة صياغة للمعنى نفسه داخل بنية لغوية مختلفة، وكذلك العربية رأس العين, ما يعكس استمرار الدلالة الأصلية عبر اللغات المتعاقبة دون انقطاع. أمّا عن تسميتها بالسريانيّة فهي قَبرِي حِيثوِري أي القبور البيضاء منها كانت الترجمة العربية لهذه التسمية وكذلك الكردية تِربِي سپِيي. إنّ قبور البيض ليست مجرد بلدة في أطراف الجزيرة السورية، بل هي صفحة من كتاب طويل يبدأ من فجر الحضارة في بلاد ما بين النهرين، ويمر عبر الإمبراطوريات القديمة والطرق التجارية والأديرة السريانية والعشائر العربية والهجرات الكردية والأرمنية، وصولًا إلى حاضر المنطقة المعاصر. ومن يتأمّل تاريخ هذه البقعة يدرك أن الجزيرة السورية لم تكن يومًا هامشًا للتاريخ، بل كانت دائمًا أحد مراكزه العميقة، حيث تلاقت الحضارات واختلطت اللغات وتشكلت ذاكرة الإنسان الأولى على ضفاف الأنهار والينابيع والسهول المفتوحة. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; يوم أمس الساعة 08:27 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|