Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18-04-2026, 10:23 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,086
افتراضي ملحق طفولتنا (6) من كتابي (هوامش) – سيرة ذاتية

مُلْحَقُ طُفُولَتِنَا


(6)

مِنْ كِتَابِي *هَوَامِش* – سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ

فؤاد زاديكي

لَمْ أَكُنْ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ العُمْرِ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ وَنِصْفٍ، حِينَ حَمَلَتْنِي أُمِّي عَلَى ظَهْرِهَا، كَمَا اعْتَادَتْ أَنْ تَفْعَلَ، وَمَضَتْ بِي مَعَ خُيُوطِ الصَّبَاحِ الأُولَى نَحْوَ أَحَدِ حُقُولِ القُطْنِ فِي قَرْيَةٍ مُجَاوِرَةٍ لِقَرْيَةِ بَرَّهْ بَيْت. كَانَ الطَّرِيقُ تُرَابِيًّا مُتَعَرِّجًا، تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ حِينًا وَتُثْقِلُ خُطَاهُ آثَارُ العَابِرِينَ حِينًا آخَرَ، وَكَانَتْ أُمِّي تَمْشِيهِ بِصَمْتٍ اعْتَادَتْهُ، كَأَنَّهَا تَسِيرُ فِي دَرْبٍ مَحْفُورٍ فِي رُوحِهَا قَبْلَ أَنْ يُرْسَمَ عَلَى الأَرْضِ.
هُنَاكَ، فِي الحُقُولِ المُمتَدَّةِ عَلَى مَدِّ البَصَرِ، كَانَتِ الحَيَاةُ تُخْتَزَلُ فِي حَرَكَةِ الأَيْدِي وَصَبْرِ الأَجْسَادِ. رِجَالٌ وَنِسَاءٌ يَعْمَلُونَ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، يَنْحَنُونَ عَلَى نَبَاتِ القُطْنِ، يَقْطِفُونَ بَيَاضَهُ النَّاصِعَ كَمَا لَوْ كَانُوا يَلْتَقِطُونَ فُتَاتَ الأَمَلِ مِنْ بَيْنِ شَوْكِ الأَيَّامِ. لَمْ يَكُنِ الأَجْرُ يُغْنِي، وَلَا العَمَلُ يَدُومُ، وَكَانَتِ الوَظِيفَةُ المُسْتَقِرَّةُ حُلْمًا بَعِيدَ المَنَالِ يَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ كَمَا يَتَدَاوَلُونَ الحِكَايَاتِ. فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، لَمْ تَكُنِ الحَيَاةُ تُقَاسُ بِالسِّنِينَ، بَلْ بِمَا تَقْوَى عَلَيْهِ السَّوَاعِدُ مِنْ كَدْحٍ، وَمَا يَحْتَمِلُهُ الجَسَدُ مِنْ عَنَاءٍ.
لَمْ تَكُنْ أُمِّي بِدْعًا مِنْ نِسَاءِ قَرْيَتِنَا، بَلْ كَانَتْ صُورَةً مُكَرَّرَةً مِنْ صَبْرِهِنَّ الصَّامِتِ. كَانَتْ تَعْمَلُ فِي الحِصَادِ كَمَا تَعْمَلُ فِي القُطْنِ، تَجْمَعُ السَّنَابِلَ مِنْ سِيقَانِ القَمْحِ أَوِ الشَّعِيرِ، ثُمَّ تَرْبِطُهَا بِحُزَمٍ مُتْقَنَةٍ، كَأَنَّهَا تَشُدُّ بِهَا شَتَاتَ حَيَاتِهَا. كَانَتْ تَعْرِفُ طَرِيقَهَا إِلَى البَيَادِرِ كَمَا تَعْرِفُ طَرِيقَهَا إِلَى قَلْبِ البَيْتِ، حَيْثُ تُدْرَسُ الحُبُوبُ وَتُذَرَّى، وَحَيْثُ تَتَحَوَّلُ أَيَّامُ التَّعَبِ إِلَى قُوتٍ يُسْنِدُ البَقَاءَ. كَانَ العَرَقُ رَفِيقَهَا الدَّائِمَ، غَيْرَ أَنَّ الأَمَلَ لَمْ يَكُنْ يُفَارِقُهَا، أَمَلٌ بَسِيطٌ، عَنِيدٌ، يَقْتَاتُ عَلَى الرَّجَاءِ بِأَنْ تُؤَمِّنَ لِأَبْنَائِهَا مَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ مِنْ طَعَامٍ، وَمَا يَسْتُرُهُمْ مِنْ كِسَاءٍ، وَمَا يَقِيهِمْ بَرْدَ اللَّيَالِي القَاسِيَةِ.
فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، حِينَ بَلَغَتِ الحَقْلَ، أَنْزَلَتْنِي عَنْ ظَهْرِهَا بِرِفْقٍ، وَبَسَطَتْ لِي بَطَّانِيَّةً صَغِيرَةً، كَانَتْ قَدْ حِيكَتْ مِنْ قِطَعِ قُمَاشٍ مُتَفَرِّقَةٍ، جَمَعَتْهَا يَدُهَا بِصَبْرٍ يُشْبِهُ صَبْرَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. بَدَتْ تِلْكَ البَطَّانِيَّةُ، عَلَى تَوَاضُعِهَا، كَعَالَمٍ كَامِلٍ أُقِيمَ لِي وَحْدِي وَسْطَ ذَلِكَ الاِمْتِدَادِ الوَاسِعِ. تَرَكَتْنِي هُنَاكَ، غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهَا، تَطْمَئِنُّ إِلَيَّ بَيْنَ الفِينَةِ وَالأُخْرَى، ثُمَّ انْشَغَلَتْ بِجَنِي القُطْنِ، تَنْحَنِي بَيْنَ الصُّفُوفِ البَيْضَاءِ، وَتَنْهَضُ، وَتَعُودُ فَتَنْحَنِي، فِي إِيقَاعٍ رَتِيبٍ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا زَفِيرُ التَّعَبِ.
أَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ طِفْلًا صَغِيرًا، لَا يُدْرِكُ مِنَ الدُّنْيَا سِوَى مَا تَلْتَقِطُهُ عَيْنَاهُ مِنْ صُوَرٍ مُبَعْثَرَةٍ. كُنْتُ أَلْهُو فِي صَمْتِ الحَقْلِ، أَمُدُّ يَدِي إِلَى التُّرَابِ، أَقْبِضُ عَلَيْهِ وَأَتْرُكُهُ يَتَسَرَّبُ بَيْنَ أَصَابِعِي، أُرَاقِبُ الضَّوْءَ وَهُوَ يَنْسَابُ عَلَى الأَشْيَاءِ، وَأَسْتَسْلِمُ لِطُمَأْنِينَةٍ لَا تَعْرِفُ مَعْنَى الخَطَرِ. كَانَتِ الشَّمْسُ فَوْقِي حَادَّةً لَا تَرْحَمُ، لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ بِلَسْعِهَا، كَمَا لَا يَشْعُرُ الطَّائِرُ بِثِقْلِ الهَوَاءِ وَهُوَ يُحَلِّقُ فِيهِ.
وَحِينَ انْقَضَى النَّهَارُ، وَفَرَغَتْ أُمِّي مِنْ عَمَلِهَا، عَادَتْ نَحْوِي لِتَأْخُذَنِي وَتَعُودَ بِي إِلَى البَيْتِ. كَانَتْ خُطُوَاتُهَا فِي البِدَايَةِ عَادِيَّةً، مُثْقَلَةً بِتَعَبِ النَّهَارِ لَا أَكْثَرَ، غَيْرَ أَنَّهَا مَا إِنِ اقْتَرَبَتْ حَتَّى تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً، كَأَنَّ الأَرْضَ شَدَّتْ قَدَمَيْهَا، أَوْ كَأَنَّ الزَّمَنَ انْقَطَعَ مِنْ حَوْلِهَا. هُنَاكَ، أَمَامَ عَيْنَيْهَا، كَانَ المَشْهَدُ الَّذِي لَمْ يَخْطُرْ لَهَا عَلَى بَالٍ.
كُنْتُ جَالِسًا فِي مَكَانِي، كَمَا تَرَكْتَنِي، لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ وَحْدِي. أَمَامِي مُبَاشَرَةً، ارْتَفَعَتْ أُفْعُوَانٌ، رَفَعَتْ نِصْفَ جَسَدِهَا عَنِ الأَرْضِ، وَثَبَّتَتْ رَأْسَهَا فِي مُوَاجَهَتِي. كَانَتْ عَيْنَاهَا لَامِعَتَيْنِ، فِيهِمَا شَيْءٌ مِنَ الحَذَرِ وَشَيْءٌ مِنَ الثَّبَاتِ، وَكَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ مَحْسُوبٍ، كَأَنَّهَا تَزِنُ كُلَّ حَرَكَةٍ بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ. أَمَّا أَنَا، فَمَدَدْتُ يَدِي الصَّغِيرَةَ نَحْوَهَا، أَضْرِبُ رَأْسَهَا بِخِفَّةٍ، كَمَا يَفْعَلُ طِفْلٌ بِدُمْيَةٍ يَخْتَبِرُ صَلَابَتَهَا. كُلَّمَا لَمَسْتُهَا، تَرَاجَعَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ مَا تَلْبَثُ أَنْ تَعُودَ إِلَى مَوْضِعِهَا، تُرَاقِبُنِي فِي صَمْتٍ، وَكَأَنَّ بَيْنَنَا لُعْبَةً خَفِيَّةً لَا يَرَاهَا سِوَانَا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ قَلْبُ أُمِّي يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، يَكَادُ يُسْمَعُ صَوْتُهُ مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِهِ. لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى الصُّرَاخِ، خَشْيَةَ أَنْ تَفْزَعَ الأُفْعُوَانَ فَتَنْدَفِعَ نَحْوِي، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَبْقَى مَكَانَهَا، فَخَطَتْ نَحْوِي بِبُطْءٍ بَالِغٍ، خُطُوَاتٍ مُتَرَدِّدَةً، كَأَنَّهَا تَسِيرُ فَوْقَ خَيْطٍ مَشْدُودٍ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ. كَانَتْ كُلُّ خُطْوَةٍ تَقْطَعُهَا تَخْتَصِرُ عُمْرًا مِنَ القَلَقِ، وَكُلُّ نَفَسٍ تَحْبِسُهُ فِي صَدْرِهَا يَثْقُلُ عَلَيْهَا كَجَبَلٍ.
وَمَا إِنِ اقْتَرَبَتْ مَسَافَةً كَافِيَةً، حَتَّى حَدَثَ مَا يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ الصَّامِتَةَ. انْسَلَّتِ الأُفْعُوَانُ فَجْأَةً، بِهُدُوءٍ تَامٍّ، وَانْخَفَضَ جَسَدُهَا إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ ابْتَعَدَتْ مُتَعَرِّجَةً بَيْنَ النَّبَاتَاتِ، حَتَّى اخْتَفَتْ كَمَا لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ. لَمْ تَلْتَفِتْ، وَلَمْ تُبْدِ عُدْوَانًا، كَأَنَّهَا اكْتَفَتْ بِتِلْكَ المُوَاجَهَةِ العَابِرَةِ، أَوْ كَأَنَّ قُوَّةً خَفِيَّةً صَرَفَتْهَا عَنِّي.
عِنْدَهَا فَقَطْ، اسْتَعَادَتْ أُمِّي قُدْرَتَهَا عَلَى الحَرَكَةِ، فَانْطَلَقَتْ نَحْوِي مُسْرِعَةً، وَاحْتَضَنَتْنِي بِقُوَّةٍ لَمْ أَعْهَدْهَا مِنْهَا مِنْ قَبْلُ. كَانَ جَسَدُهَا يَرْتَجِفُ، وَأَنْفَاسُهَا مُتَلَاحِقَةً، وَيَدَاهَا تُطْبِقَانِ عَلَيَّ كَأَنَّهُمَا تَخْشَيَانِ أَنْ أَفْلِتَ مِنْهُمَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ. كَانَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أُمًّا نَجَتْ مِنْ فَاجِعَةٍ، لَا مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ أَنْهَتْ يَوْمَ عَمَلٍ شَاقٍّ.
ظَلَّتْ أُمِّي تَرْوِي لِي تِلْكَ الحَادِثَةَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، تُعِيدُ تَفَاصِيلَهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَأَنَّهَا تَرَاهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَكَأَنَّ الخَوْفَ الَّذِي سَكَنَهَا يَوْمَهَا لَمْ يُغَادِرْهَا تَمَامًا. كَانَتْ تَخْتِمُ حَدِيثَهَا دَائِمًا بِعِبَارَةٍ تَخْتَلِطُ فِيهَا الدَّهْشَةُ بِالإِيمَانِ، وَتَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: «لَقَدْ أَنْقَذَكَ اللهُ مِنْ مَوْتٍ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ».
أَمَّا أَنَا، فَكُلَّمَا اسْتَعَدْتُ تِلْكَ الصُّورَةَ فِي مُخَيِّلَتِي، بَدَا لِي المَشْهَدُ غَرِيبًا، مُشْبَعًا بِشَيْءٍ مِنَ العُذُوبَةِ الَّتِي لَا تُفَسَّرُ. أَرَى طِفْلًا صَغِيرًا، لَا يَعْرِفُ الخَوْفَ، يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى أُفْعُوَانٍ، وَكَأَنَّ بَيْنَهُمَا أُلْفَةً غَامِضَةً، أَوْ لُغَةً صَامِتَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ. لَمْ تَكُنِ الأُفْعُوَانُ، فِي وَعْيِ ذَلِكَ الطِّفْلِ، مَخْلُوقًا مُرْعِبًا، بَلْ رَفِيقَةَ لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، اسْتَجَابَتْ لِحَرَكَاتِهِ بِلِينٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ، فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ مِنَ الطُّفُولَةِ، حَيْثُ لَا حُدُودَ وَاضِحَةً بَيْنَ اللَّعِبِ وَالخَطَرِ، وَلَا فَاصِلَ حَقِيقِيًّا بَيْنَ البَرَاءَةِ وَالمَصِيرِ.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 04-05-2026 الساعة 07:27 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:47 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke