![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
طلع علينا المدعو أكرم محمد بمنشور له على الفيسبوك، أرسله لي خالي شكري يونو هذا الصباح. وبعد قراءتي للمنشور والتحقّق من جملة مغالطات وأكاذبب وتزوير واضح في سرد الاحداث والاعتماد عليها كمصدر ثقة، فكان من الطبيعيّ أن أقوم بتفنيد كلّ ما ورد في منشوره من مغالطات تاريخية ومن أكاذيب مُختَلَقة لا أساس لها من الصحّة، وبعد ردّي هذا عليه، ولعدم قدرته على الردّ على ردّي قام بحظري، لقد تأكدت من ذلك.
من يقرأ هذا المنشور يلاحظ أنّه يعتمد على رواية شفوية محلية ويقدّمها على أنّها حقيقة تاريخية ثابتة، من دون أن يرفق أي وثيقة عثمانية، أو سجل كنسي، أو خريطة تاريخية، أو دراسة أكاديمية تؤيد ما يذكره، فهو يقول تُثبت السجلات أي سجلات؟ ولماذا لم تنشرها هنا؟. في البحث التاريخي، لا تتحوّل الروايات المتناقلة إلى حقائق إلّا إذا دعمتها الأدلة. فأين هي أدلتك يا سيد أكرم؟ الادّعاء بأنّ عشيرة هارونا كانت أول من استقرّ في موقع ديريك الحالي، وأنّها منحت الأرض لأوائل السريان، هو ادّعاء كبير يحتاج إلى إثبات أكبر. أين الوثائق؟ أين سجلات الطابو العثمانية؟ أين مذكرات الرحالة أو التقارير الإدارية أو الوثائق الكنسية التي تثبت ذلك؟ لا يكفي أن تُروى قصة حتى تصبح حقيقة تاريخية. فرنسا كانت موجودة في سوريا كسلطة انتداب، وهي التي منحت الأراضي للسريان وغير السريان وقد روى لي جدي المرحوم قرياقس يونو جمعة بأنّه كان قد تمّ تكليفه بمهمّة توزيع الأراضي على السريان وكان يكيل المساحة بحبل وممّا ذكره لي من باب الطرفة أنّه وفي غمرة عمله هذا نسي أن يقتطع لنفسه قطعة أرض أسوة بمن أعطاهم ممّا جعله يأخذ من عدّة قطع أقسامًا لتكون له هو الآخر قطعة من الأرض. أمّا الحديث عن أنّ عشيرة هارونا كانت تقطن آزخ وقراها قبل عام 1915، فهو يحتاج أيضًا إلى دليل موثّق. المعروف تاريخيًا أنّ آزخ كانت من أهم البلدات السريانية في طور عابدين، واشتهرت بمقاومة أهلها خلال مجازر سيفو سنة 1915. ولا توجد مصادر تاريخية معروفة تُثبت وجودًا مستقرًا لعشيرة هارونا في آزخ قبل تلك الأحداث بالصورة، التي يطرحها المنشور. لذلك فإنّ هذا الادعاء يبقى بحاجة إلى توثيق، لا إلى التكرار. إنّ بلدة آزخ لم تعهد أي تواجد كردي أو حتّى مسلم قبل أحداث السيفو فهي كانت بلدة سريانية مسيحية خالصة يشهد لها التاريخ بمقاومة الدولة التركية مع العشائر الكردية حين حاول عمر ناجي بك السيطرة عليها وقد انهزم أمام سورها ومقاومة رجالها ونسائها وقوّتهم وكانت هي وبلدات وقرى مسيحية أخرى قليلة قد نجت من تلك المجازر منها قرية باسبرينا وعين ورد و دير الصليب. أمّا بشأن العُرف العشائري فإنّ آزخ كانت تتبع الحلف الممُي أي عشيرة الممّان والذي كان يضمّ قرى وبلدات مسيحية ومسلمة منها قرية زبوكا وزعيمها طاهرِه مَحمو وغيره. ولم تكن هارونيّة. كما أنّ تاريخ ديريك لا يبدأ في أوائل القرن العشرين، ولا مع قصة طبيب أو وجيه. فالمنطقة ذات تاريخ أقدم بكثير، وتشهد على ذلك المواقع والأديرة والكنائس المسيحية المنتشرة فيها وفي محيطها، والتي تدل على وجود مسيحي سابق لقيام الدول الإسلامية بقرون. وهذا يعني أنّ الوجود السرياني في المنطقة ليس وليد أحداث عام 1915، بل يمتد إلى العصور المسيحية الأولى، وإنْ كان تعرّض لانقطاعات وهجرات بسبب الحروب والغزوات، (حيث كانت الكنيسة السريانية المشرقية) ومنها حملات تيمورلنك في أواخر القرن الرابع عشر والتي دمّرت كثيرًا من القرى والأديرة وأدّت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان. وعندما عاد السريان إلى ديريك بعد مجازر سيفو، لم يكونوا يستوطنون أرضًا بلا تاريخ، ولا كانوا أول مسيحيين يصلون إليها، بل عاد كثير منهم إلى جزء من المجال التاريخي، الذي عاش فيه أسلافهم منذ قرون. وهذا ما تؤيده الشواهد الأثرية والكنسيّة أكثر مما تؤيده الروايات الشفوية المتأخرة. أمّا قصة الطبيب "جبو الكاهي"، فهي تبقى رواية غير موثّقة. وإذا كانت صحيحة، فمن الطبيعي أن يكون لها أثر في الذاكرة المحلية أو في الوثائق الكنسية أو العائلية. وحتى اسم العائلة المذكور يحتاج إلى تحقق تاريخي، إذ لا يكفي ذكر اسم لإثبات وقوع الحادثة. أنا باحث في الشأن الآزخي منذ ما يزيد عن الستّين عامًا، وآزخي أبًا عن جدّ، أعرف كلّ أسماء العائلات الآزخية وألقابها، لم يرد مطلقًا اسم (كاهي) لا اسمًا ولا لقبًا في مدينة آزخ وهذا تزوير يمكن أن ينطلي على مَن لا معرفة له بتاريخ آزخ وأُسَرِها، لهذا قضت الحقيقة بكشف هذه الكذبة وتفنيدها. ولا خلاف على أنّ الكرد والسريان والأرمن وغيرهم شاركوا جميعًا في بناء ديريك الحديثة، وأنّ العلاقات بينهم شهدت فترات طويلة من التعايش والتعاون. لكن هذا لا يمنح أيّ طرف حقّ احتكار تاريخ المدينة أو اختزاله في رواية واحدة غير موثقة. التاريخ ليس ملكًا لأحد، ولا يُكتب بالرّغبات أو الانتماءات القومية، بل بالوثائق والأدلة. ومن يطرح رواية جديدة تخالف ما استقرّ في الدراسات التاريخية، فعليه أن يقدّم مصادر يمكن للباحثين مراجعتها، لا أن يُطالب الناس بتصديق قصُة لمجرّد أنّها رُوِيت على وسائل التواصل الاجتماعي.إذا كان الهدف هو النقاش العلميّ، فمن الأفضل أن يكون الاحتكام إلى المصادر التاريخية الموثّقة لا إلى الروايات الشفوية وحدها. كما أنّ من المهمّ التّفريق بين تاريخ الاستيطان الحديث لمدينة ديريك في القرن العشرين، وبين التاريخ الأقدم للمنطقة، لأنّهما مسألتان مختلفتان. هذا منشور السيد أكرم محمد "تُثبت السجلات التاريخية لمدينة ديريك (المالكية) وعشائرها أن عشيرة هارونا كانت أول من سكن واستقر في موقع المدينة الحالي، وهم الذين منحوا بقعة الأرض الأولى للمسيحيين السريان، مما شجعهم وآمنهم على القدوم والاستقرار بالمنطقة. وتتوزع أصول هذه العشيرة العريقة عبر 18 قرية في موطنهم الأصلي بباكور (تركيا)، حيث يتركز ثقلهم الأساسي هناك في 10 قرى تابعة لقضاء هزخ بولاية شرناق وعاصمتهم الروحية والتاريخية فيها هي قرية بافێ، بالإضافة إلى قرى خندق، كفشن، زونك، كركو، خوارك، باسق، مزري، ديريك ازخ ، وسالاكا، بجانب 8 قرى أخرى تابعة لقضاء غوتشلو كوناك، بينما يقتصر وجودهم في الجانب السوري على مزارع وتجمعات سكنية محاذية للشريط الحدودي مباشرة بريف المالكية، في حين استقرت الـكتلة البشرية الكبرى للعشيرة مدنياً داخل أحياء مدينة المالكية نفسها وتعود تفاصيل قصة التأسيس وبداية قدوم السريان إلى العقد الأول من القرن العشرين، عندما أصيب الوجيه البارز لعشيرة هارونا "رسول سلو" بمرض عُضال وعجز الجميع عن علاجه، فقام وجهاء العشيرة بجلب طبيب سرياني شهير من بلدة آزخ المجاورة يُدعى "الحكيم جبو الكاهي" لمداواته، وبعد أن شفي الوجيه رسول سلو تماماً ورفض الطبيب أخذ أي مقابل مالي، قام وجيه هارونا كبادرة وفاء واحترام بوهبه قطعة أرض سكنية وزراعية بمساحة بضعة هكتارات في موقع المدينة الحالي، ليكون الحكيم جبو أول ساكن مسيحي يستقر في تلك البقعة التي كانت تُعرف باسم "ديركا حمكو". وكانت هذه الخطوة بمثابة الحافز الأكبر والضمانة الأمنية والاجتماعية التي شجعت مئات العائلات السريانية والأرمنية على النزوح والقدوم إلى المنطقة، خاصة بعد اشتداد مجازر سيفو عام 1915 في مناطق طور عابدين وأزخ، حيث وجدوا في أرض عشيرة هارونا وتحت حمايتها ملاذاً آمناً ومجتمعاً مرحباً يحميهم، وتوسعت البقعة الممنوحة تدريجياً بالبناء المشترك والتعايش السلمي بين الكرد والسريان حتى جرى ترسيم الحدود الدولية وتأسيس المخافر الرسمية، لتتحول ديريك بفضل هذا التآخي والتعايش من مجرد مزرعة حدودية إلى بلدة إدارية ومركز ناحية عام 1933 ثم مركز منطقة سميت بالمالكية". أكرم محمد |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|