Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 08:10 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,059
افتراضي الأخلاق بين الدين والضمير: بحث في المصدر والأساس بقلم: الباحث فؤاد زاديكي تُعدّ مسأل

الأخلاق بين الدين والضمير: بحث في المصدر والأساس
بقلم: الباحث فؤاد زاديكي

تُعدّ مسألة الوازع الأخلاقي من أقدم الإشكاليات التي شغلت الفكر الإنساني، حيث يدور التساؤل حول مصدر هذا الوازع: أهو الدين بما يحمله من أوامر ونواهٍ ذات طابع ملزم، أم الضمير بوصفه إحساسًا داخليًا يميّز بين الخير والشر؟ والحقيقة أن هذا التقابل ليس حادًا كما قد يبدو، بل إن الأخلاق غالبًا ما تتشكّل من تفاعل معقّد بين البعدين معًا، الخارجي والداخلي.

يقدّم الدين منظومة متكاملة من القيم والمعايير، تُؤطَّر ضمن رؤية كونية تمنح الفعل الأخلاقي غاية ومعنى، كما تعزّز الالتزام عبر مفاهيم الثواب والعقاب والرقابة الإلهية. لذلك، يكون الالتزام الديني في كثير من الأحيان ثابتًا، خاصة عندما يقترن بإيمان عميق. غير أن هذا الالتزام قد يضعف إذا تحوّل إلى ممارسة شكلية خالية من القناعة، أو إذا أُسيء فهم النصوص وتوظيفها لتبرير سلوكيات تتنافى مع جوهر الأخلاق.

في المقابل، ينبع الضمير من الداخل الإنساني، ويتشكّل عبر التربية والتجربة والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب ما يحمله الإنسان من استعداد فطري للتعاطف مع الآخرين. وقد رأى فلاسفة مثل إيمانويل كانط أن الأخلاق الحقيقية تقوم على الواجب الداخلي الذي يفرضه العقل، لا على الإكراه الخارجي. ومع ذلك، فإن الضمير ليس معصومًا من التأثر بالبيئة؛ إذ قد يتشكّل وفق معايير مضطربة تجعله يبرّر الخطأ بدل أن يرفضه.

وإذا انتقلنا إلى مستوى أعمق من التحليل، وجدنا أن الخلاف لا يقتصر على مصدر الأخلاق، بل يمتد إلى طبيعتها: هل هي ثابتة أم نسبية؟ يرى أنصار الموضوعية الأخلاقية أن هناك قيمًا مطلقة لا تتغير بتغيّر الزمان والمكان، بينما يؤكد أنصار النسبية أن الأخلاق نتاج سياق ثقافي واجتماعي متحوّل. غير أن الموقف الوسطي يبدو أكثر اتساقًا مع الواقع، إذ يفترض وجود نواة قيمية مشتركة بين البشر، كالعدل ورفض الظلم، مع اختلاف في كيفية تطبيقها.

أما من جهة العلم، فإنه يظل عاجزًا عن حسم المسألة الأخلاقية بشكل مباشر؛ لأنه معنيّ بوصف ما هو كائن، لا بما ينبغي أن يكون. وقد أشار الفيلسوف ديفيد هيوم إلى هذه الفجوة المعرفية، مؤكدًا أن الانتقال من الوقائع إلى القيم ليس أمرًا ممكنًا دون افتراضات فلسفية مسبقة. ومع ذلك، يساهم العلم في فهم جذور السلوك الأخلاقي وآثاره، دون أن يحدد معاييره النهائية.

إن الخلاصة التي يمكن الوصول إليها هي أن الأخلاق ليست حكرًا على الدين ولا على الضمير وحده، بل هي حصيلة تفاعل بين منظومة قيمية يتبناها الإنسان، وقناعة داخلية تدفعه إلى الالتزام بها. فالدين دون ضمير قد يتحوّل إلى شكل بلا روح، والضمير دون إطار قد يصبح عرضة للتقلب. ومن ثمّ، فإن التوازن بين البعدين هو ما يمنح الأخلاق قوتها وفاعليتها في حياة الإنسان.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:11 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke