مَلْحَقُ الطُّفُولَةِ: تَرَاتِيلُ الحَنِينِ فِي أَزِقَّةِ الذِّكْرَيَاتِ لِكُلِّ حَار
مَلْحَقُ الطُّفُولَةِ: تَرَاتِيلُ الحَنِينِ فِي أَزِقَّةِ الذِّكْرَيَاتِ
لِكُلِّ حَارَةٍ سَكَنَّاهَا حِكَايَةٌ، وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا ذَاكِرَتِنَا تَسْتَرِيحُ صَدَاقَاتٌ نُقِشَتْ بَرَاءَتُهَا عَلَى جُدْرَانِ الحَيِّ وَوُجُوهِ الجِيرَانِ. هُنَاكَ، حَيْثُ تَمْتَزِجُ الرَّائِحَةُ بِالصُّورَةِ، عِشْنَا طُفُولَةً لَا تَطالُهَا يَدُ النِّسْيَانِ.
حِينَ كَانَ "حَوْشُ بَيْتِ كُوركِيس نِيسَان (پِلحِس)" مَلَاذَنَا الأَوَّلَ، كَانَ الشَّارِعُ العَامُّ المُمْتَدُّ بَيْنَ بَيْتِ العَمِّ "عَمْسِيح طَافِي (أَبُو شَمْعُون)" وَبَيْتِ "مَلَكِي وَرْدُوك" هُوَ المَسْرَحَ الأَكْبَرَ لِأَحْلَامِنَا الصَّغِيرَةِ. هُنَاكَ، كُنَّا نَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ بِاللَّهْوِ وَنُوَدِّعُهَا بِالعَبَثِ الجَمِيلِ، حَتَّى إِذَا مَا جَنَّ اللَّيْلُ وَأَرْخَى سُدُولَهُ، لَمْ تَنْطَفِئْ جَذْوَةُ نَشَاطِنَا؛ بَلْ كُنَّا نَسْتَحْضِرُ أَلْعَابَنَا المَسَائِيَّةَ مِثْلَ "بُوكِي هَرَّا"، لِتَتَعَالَى ضِحْكَاتُنَا فِي سُكُونِ المَسَاءِ، وَكَأَنَّنَا نُغَالِبُ الوَقْتَ كَيْ لَا يَمْضِي.
وَمَعَ تَبَدُّلِ المَنَازِلِ، كَانَتْ تَتَبَدَّلُ مَسَارِحُ حَيَاتِنَا؛ فَحِينَ اسْتَقْرَرْنَا فِي كَنَفِ قَرِيبِي "رِزْقُو شَمْعُون حَنُّو"، غَدَا الشَّارِعُ الرَّئِيسِيُّ المُؤَدِّي إِلَى سُوقِ "دِيرِيك" هُوَ مَيْدَانَنَا، حَيْثُ نَرْقُبُ الحَيَاةَ تَنْسَابُ أَمَامَ بَيْتِ "مُوسَى الأُورْدِينَاس" زَوْجِ خَالَتِي "مَرْيَم چُوجْكِهْ"، وَبَيْتِ "صَلِيبَا الصُّولْكَرِين".
أَمَّا الرِّحْلَةُ إِلَى بَيْتِ "مُرَاد لُوزِهْ"، فَقَدْ كَانَتْ فَصْلًا آخَرَ مِنَ العَبَثِ المُقَدَّسِ، حَيْثُ كَانَتْ سَاحَةُ "سِينِمَا هَتِّي" وَدَارُ "صَلِيبَا سَلْطُو" شَاهِدَيْنِ عَلَى رِفْقَةٍ لَا تَنْفَصِمُ عُرَاهَا مَعَ "شُكْرِي بَرْخُو"، وَ"أَفْرِيم لُوزِهْ"، وَ"إِلْيَاس صَلِيبَا سَلْطُو"، وَ"سَامِي دَاؤُود"، وَ"مُنِير إِسْحَق آنْطِي". لَمْ يَكُنِ اللَّعِبُ مُجَرَّدَ تَقْضِيَةٍ لِلْوَقْتِ، بَلْ كَانَ نَسِيجًا مِنَ الأُلْفَةِ يَجْمَعُنَا فِي "الچُولِ" (الفَضَاءِ الوَاسِعِ)، أَوْ بِالقُرْبِ مِنَ "الچَمِّ" (المَجْرَى المَائِيِّ) الذِي يَنْسَابُ خَلْفَ بَيْتِ "مَلَكِي زِيرُو"، مُحَاذِيًا بَسَاتِينَ "مُرَاد وَيَعْقُوب لُوزِهْ". كٌنْتُ في وقتٍ ما أعمَلُ في السِّينَما، حيثُ أقوم بتنظيفِ مقاعد الجُلُوسِ السّينَما وكَنْس أرضهَا مُقابل الدّخول إلى السّينَما مَجّانًا وأذكرُ أنّني شاهدتُ فلمَ عنترة بن شَدّاد مدّة ١٢ يومًا وهِيَ كلّ مُدّةِ عَرضِهِ، حتّى أنّي حَفظتُ نصّ الفلم كلمةً كلمة، وكنتُ أنا وبطرس إبراهيم نقلّد أدوارَ أبطال الفلم بلعب السّيوف، وكنّا اكتَسَبنا مهارةً واضِحةً في مُقارَعةِ السّيُوفِ بحِكمِ التّدريبِ والمُمارَسَةِ اليومِيّةِ
فِي ذَاكَ المَجْرَى، الذِي بِمُحَاذَاةِ بُستَانِ الأخَوَينِ يعقوب ومراد لَوزِهْ، كُنَّا نَرْتَمِي فِي حِضْنِ المَاءِ هَرَبًا مِنْ هَجِيرِ الصَّيْفِ. كَمَا كُنتُ مَعَ صَديقِ الطُّفُولَةِ (پِطرس إبرَاهِيم) نَقومُ بِتَقلٍيدِ (طَرَزَأن) ونَحنُ وَاضِعَينَ مَلابِسًنَا إلَى جَانِبِ إحدًى الشُّجَيرَاتِ، التي في بُستَانِ آل لَوزِهْ كَم كَانَتْ تِلكَ الطُّفُولةُ تَحْمِلُ مِنْ بَسَاطَةٍ وَمِنْ نَزَقٍ لَم يَكُنْ يُؤذِي أحَدًا. وَفِي يَوْمٍ لَا يَبْرَحُ الذَّاكِرَةَ، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَسْبَحُ مَعَ الأَقْرَانِ، غَرَزَتْ مِحْنَةٌ نَابَهَا فِي قَدَمِي؛ إِذِ اسْتَقَرَّ عَقِبُ زُجَاجَةٍ مَكْسُورَةٍ فِي أَعْمَاقِ المَجْرَى، لِيُمَزِّقَ طُهْرَ المَاءِ بِدِمَاءٍ قَانِيَةٍ نَزَفَتْ مِنْ عَقِبِي. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنْقِذُنِي سِوَى القَلْبِ الكَبِيرِ، العَمِّ "يَعْقُوب لُوزِهْ"، الذِي كَانَ يُنَاجِي الأَرْضَ فِي بُسْتَانِهِ. بِمُجَرَّدِ أَنْ أَبْصَرَنِي، تَرَكَ عَمَلَهُ وَهَرَعَ نَحْوِي، حَمَلَنِي عَلَى كَتِفِهِ بِحَنَانِ الأَبِ، وَانْطَلَقَ بِي رَكْضًا إِلَى عِيَادَةِ الدُّكْتُورِ "غَسَّان نَاصِيف" (الذِي انْتَقَلَ لَاحِقًا إِلَى القَامِشْلِي).
أَذْكُرُ مَشْرَطَ الطَّبِيبِ وَهُوَ يُعِيدُ لِحَامَ الجُرْحِ العَمِيقِ، وَأَذْكُرُ أَكْثَرَ تِلْكَ الرُّوحَ الطَّاهِرَةَ لِلْعَمِّ "يَعْقُوب"، الذِي لَمْ يَكْتَفِ بِالإِسْعَافِ، بَلْ حَمَلَنِي مَرَّةً أُخْرَى عَلَى كَتِفِهِ لِيُعِيدَنِي إِلَى مَنْزِلِنَا فِي حَوْشِ أَخِيهِ مرَادِ "أَبُو حَنَّا الـگـاز". اسْتَقْبَلَتْنَا أُمِّي بِدُمُوعِ الشُّكْرِ وَالامْتِنَانِ، وَظَلَّ السُّؤَالُ يَسْكُنُنِي: مَنْ دَفَعَ ثَمَنَ العِلَاجِ؟ لَكِنَّ الإِجَابَةَ كَانَتْ دَائِمًا فِي طَيَّاتِ مَعْدِنِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ، فَالدُّنْيَا لَا تَخْلُو مِنْ أَهْلِ الخَيْرِ.
وَتَسْتَمِرُّ الحِكَايَةُ، لِنَنْتَقِلَ إِلَى بَيْتِ قَرِيبَتِي "سُوسِهْ مَلُّوسِهْ"، حَيْثُ كَانَ الشَّارِعُ المُؤَدِّي إِلَى بَيْتِ "سُلَيمان الخِيَّاط" و بيت "عِيسَى شِيرِينِي" ابو شمعُون وَبيت "لَحْدُو بَلْقُو" أبو حنُا، مَيْدَانَنَا الجَدِيدَ، قُرْبَ صَخَبِ السُّوقِ التِّجَارِيِّ. كُنَّا جِيلًا يَنْظُرُ بِإِعْجَابٍ إِلَى مَنْ سَبَقُونَا؛ مِثْلَ "سَالِم مُرَاد صُوهْرُو" وَأَخِيهِ "عَبْدِ الأَحَدِ (بَحْبَحُو)". وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ، تَوَطَّدَتْ صَدَاقَتِي مَعَ "نَعِيم"، ابْنِ "يُوسُف كَكِهْ"، بَيْنَمَا كَانَ أَخُوهُ "حَنَّا" يَصْنَعُ مَعَ "سَالِم مُرَاد" ثُنَائِيًّا فَنِّيًّا أَشْبَهَ بِنَغْمَةٍ لَا تُنْسَى. وَلَمْ تَقْتَصِرْ صِلَاتِي عَلَى اللَّعِبِ، بَلِ امْتَدَّتْ لِتَشْمَلَ قَرِيبِي "أَفْرَام كُوركِيس آدَم" وَ"أَدِيب جَرْجِيس لُولَا"، وَأبناءِ عِيسَى صَلْبِهْ و اخيهِ التوأم مِراد صَلبِهْ ، وَهُمَا الآخَرَانِ إلَى جَانِبِ أخيهمَا يَعقوب أبو جَمِيل (الذي غادر من قرية بره بيت وكأن شيوعيًّا، باتجاه العراق في سنة ١٩٦٦م وهناك تزوّج من ابنة عمّه ماري الشمّاس داؤود على المذهب الكاثوليكي) كانُوا يَسكنُونَ في قريةِ بَرَهْ بَيتْ قَبلَ الانتِقالِ إلَى ديريك، لِنُكَوِّنَ مَعًا عِقْدًا مِنْ ذِكْرَيَاتٍ تَأْبَى أَنْ تَنْفَرِطَ رغْمَ تَعَاقُبِ السِّنِينِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|