Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-03-2026, 11:22 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,893
افتراضي الطّفولة (١) [عتبات الذّاكرة: حينما كان الحرمانُ مُعلّمًا] بقلم: فؤاد زاديكي تظلّ ا

الطّفولة
(١)
[عتبات الذّاكرة: حينما كان الحرمانُ مُعلّمًا]

بقلم: فؤاد زاديكي

تظلّ الطفولة هي حجر الزاوية الذي يُشيّد عليه الكيانُ الإنساني صرحَه العتيدَ، هي تلك المسافة الزّمنية البِكر التي تتشكّل فيها الملامح الأولى للهُويّة والانتماء. وإذا كان علماء النّفس يقسمونها إلى مرحلتين، تبدأ الأولى من الصّرخة الأولى وحتى السّابعة، وتكتمل الثانية ببلوغ الثانية عشرة، فإنّني أراها أبعد من مجرّد أرقام، إنّها "مُختبر الكينونة" حيث تُصهَر التُجارب الأولوية تحت تأثير مطرقة الوالدين وسندان المحيط الاجتماعي.
في تلك المرحلة، نكون كأوراق بيضاء تُرهَن أقلامُها بيد الكبار، نقتات على اهتمامهم ونستمدّ منهم رؤيتنا للعالم. هي مرحلة تتّسم بـ "اللامنطق اللذيذ"، حيث ينمو الجسد وتتّسع المدارك وتُصقَل المواهب، في انتظار لحظة النُّضج الكلّيّ، التي تجعل مِنّا كائناتٍ مستقلّةً قادرةً على إدارة دفّة الحياة.
عن براءة النّزق والحرية المُطلقة،
كنّا نعيش طفولتنا كخيول برّيُة، لا لجام يضبط حركتنا ولا قُيود تَحُدّ من فُضولنا. كان سلوكُنا يتّسم بنزقٍ فطري، يُوقِعنا أحيانًا في "متاهات" تسبّب الحرج لذوينا، لكنّها كانت مدرستنا الحقيقية. فَمِن عثراتنا كنّا ننهض بمعرفة جديدة، ومَنْ لم يتجرّع مرارة الخطأ في صِغَره، ظلّ عالةً على أكتاف الآخرين في كِبَره، فاقدًا لبوصلة الاستقلال التي تمنحه هُوِيّته الفكرية والبدنية.

[محرقة الكتب.. حين احترق قلبي مع "حمزة البهلوان"]
لا أزال أذكر، وكأنّ شريطًا سينمائيًّا يمرّ أمام عيني الآن، أيّامي في (مدرسة الدّجلة) للسريان الأرثوذكس بمدينة المالكية (ديريك) الجميلة. كنت تلميذًا نجيبًا، لكنّ سحر "الحكايات الشعبية" اختطفني من مقاعد الدّراسة. غرقتُ في عوالم "حمزة البهلوان" و"رستم ابن زال"، وعشتُ بُطولات "سيف بن ذي يزن" وشهامة "عنترة"، ورحلتُ مع "بني هلال" في تغريبتهم الطويلة، وتُهتُ في سحر "ألف ليلة وليلة".
هذا النّهم القِرائي، رغم أنّه منحني ثروةً لُغوية باكرة وأسلوبًا إنشائيًّا رَصينًا، إلّا أنّه سرقني من واجباتي المدرسية. وحين لاحظَ معلّمي الفاضل "الأستاذ حنا شيعا" تراجُعي، نقل الخبر لوالدي. لن أنسى ذلك المساء الشّتوي الحزين، عاد والدي من دكّانه بملامح مُتجهّمة لم أعتَدْها. كنتُ حينها غارقًا في صفحات "حمزة البهلوان" بجانب مِدفأة الحَطَب، التي كان لهيبُها يرقص مُبشّرًا بالدِّفء، قبل أن تَتحوّل إلى "مقصلة" لكتبي.
بيدٍ مرتجفة من الغضب، اختطف والدي الكتاب، وبدأ يُمزّقه في حالة هِستيرية ويقذفه في النّار. كنتُ أراقب الأوراق وهي تتفحّم، وشعرتُ حينها أنّ جسدي هو الذي يُقَطَّع، وأنّ روحي هي التي تَحترق في تلك المِدفأة. كانت صدمةً قاسيةً، لكنّها كانت "الكَيّ" الذي أعادني لجادّة الصواب الدراسي. ومنذ ذلك اليوم، وبفضل توجيهات الأستاذ "حنا شيعا" والأستاذ "يعقوب توما"، تحوّل ذلك النّهم القرائيّ إلى عشقٍ مُقدّس للغة العربية، غَرَسَا فينا بذرته حتى غدونا نتفوّق على أقراننا في المدارس المنافسة.

[فلسفة الحرمان وصناعة السعادة]

في زمننا ذاك، كان الفَقر هو رفيق الدّرب، والحرمان هو "الخُبز اليوميّ". لكنّني اليوم، كباحث ومؤرخ، أدرك أنّ ذلك الحرمان كان طاقةً خلّاقة. الطفل الذي يُغدق عليه بكلّ شيء يفقد القُدرة على "التذوّق"، أمّا نحن، فكنّا نصنع سعادتنا بأيدينا.
لم تكن "نايكي" أو "أديداس" قد وصلت إلينا، بل كنتُ مع عمي "أفرام الياس حنا" نجمع بقايا الأقمشة البالية، نلفّها بعناية، نربطها بالخُيوط حتى تأخذ شكلًا كرويًّا، لتصبح "كرتنا" التي نراها أغلى من أيّ كرة عالمية. كنّا مهندسين بالفطرة، نصنع من الماء والطين سياراتنا، نُطلق عليها أسماء شاحنات وحافلات كانت تمرّ بمدينتنا، هذه "سيارة ليفون"، وتلك "بوسطة جورج رزقو"، وغيرها لـ "جورج عرو" و"سلو قوزو" وأبلحّد رزقو وغيرهم.
كنّّا نملأ الأزقة صخبًا بألعابنا الشعبية، التي تضجّ بالحياة: "الگِـلَل"، "المَزاعير"، "الچَطَلات"، وسباقات الجري التي لا تنتهي. هل تذكرون "بوكِه هَرَا"، "تُوش"، "صِلّابة"، "حينگاليو"، "سيگافِه"، "بِرّهْ"، "حمار وحايط"، و"عروس وختن"؟ كانت تلك الألعاب هي مختبرنا الاجتماعي الأوّل، فيها تعلّمنا الفوز والخسارة، الصّداقة والمنافسة.

[خاتمة: من الطفولة إلى الرّجولة]

إنّ الطفولة ليست مجرّد مرحلة عابرة، بل هي الركيزة الفسيولوجية والسيكولوجيةّ، التي تُحدّد مسار "الإنسان" فيما بعد. لذا، فإنّ فهم هذه التغيّرات الحركية والنُفسية أمرٌ جوهري لبناء جيل سوي.
وكما قال بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (13: 11):
> "لَمَّا كُنْتُ طِفْلًا كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلًا أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ".
>
لقد أبطلنا ما للطُفل من سذاجة، لكنّنا احتفظنا بذاكرة تلك الأيام وقودًا لبحثنا وتأريخنا، لتبقى "هوامش" حياتنا، هي المَتن الحقيقيُ، الذي يَستحقّ القراءة.

يُتبَع...
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:18 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke