بينَ الحُبِّ والشّفقةِ بقلم: فؤاد زاديكي الحبُّ والشّفقةُ مشاعرٌ مُتجاورةٌ في ظاهرِ
بينَ الحُبِّ والشّفقةِ
بقلم: فؤاد زاديكي
الحبُّ والشّفقةُ مشاعرٌ مُتجاورةٌ في ظاهرِها، لكنّهما يَختلفان في جوهرِهما اختلافًا عميقًا. فالحبُّ شعورٌ يَنشأ من انجذابٍ روحيٍّ وعاطفيٍّ نحو شخصٍ نراه قريبًا من ذواتنا، نرغبُ في مشاركتِه الحياةَ، ونشعر بأنّ وجودَه يُضِيفُ إلى أيّامنا معنًى وقيمةً. هو علاقةٌ بين نَدّين، تقوم على الإعجابِ والاحترامِ والرّغبةِ في القُربِ، ولا تحتاجُ إلى ضَعفٍ كي تَظهَر أو تستمرّ. الحبّ شعورٌ ثابتٌ نِسبيًا، لا يَتبدّل بتغيّر الظّروف، ولا يَرتبطُ بحالةٍ مؤقتةٍ يمرّ بها الطّرفُ الآخرُ، بل بجوهره وشخصيته ووجوده، أمّا الشّفقةُ فهيَ استجابةٌ إنسانيةٌ طبيعيةٌ تجاه الألم أو الضّعف أو الحاجة. تنبعُ من رؤية شخصٍ يُعاني، فنشعرُ بالتّعاطف والرّغبة في مساعدته أو تخفيف ألمه. هيَ شعورٌ نبيلٌ، لكنّه مؤقّتٌ، يَزولُ بِزوالِ الظّرف الذي ولّده، ولا يقومُ على التّكافؤ، بل على علاقةٍ بين قَويّ يُقدِّم العونَ وضعيفٍ يحتاج إليه. الشّفقةُ لا تحملُ بالضّرورةِ رغبةً في القُربِ أو المُشاركة، ولا تنشأ من إعجابٍ بصفات الآخر، بل من الحزنِ على حالِه.
ويَحدثُ الخَلطُ بين الحبّ والشّفقة حين يظنّ الطرفُ الضّعيفُ أنّ الاهتمامَ به دليلُ حبٍّ، أو حين يخلطُ الطّرف القويّ بين حاجته إلى أن يكون مُنقِذًا وبين مشاعر حقيقية. وقد تبدأ بعضُ العلاقات في ظروفٍ صعبةٍ، فيتوهّم الطرفان أنّ الشّفقة هي حبّ، بينما هي في الحقيقة استجابةٌ ظَرفيةٌ لا تَصلُح أساسًا لعلاقةٍ طويلةٍ. هذا الخَلط يجرّ إلى علاقات غير متوازنة، يَظلُم فيها الضّعيفُ نفسَه بوهمٍ لا يدوم، ويُرهِق فيها القويّ نفسَه بمسؤولياتٍ عاطفيّةٍ لم يَخترْها.
ولكي يُميّزَ الإنسانُ بين الحبّ والشّفقةِ في داخلِه، عليه أن يسألَ نفسَه: هل أُحِبّ هذا الشّخصَ لأنّه هو، أم لأنّه بحاجةٍ إليّ؟ هل أفرحُ بقربه أم أشعرُ بالمسؤولية تجاهه؟ هل أريدُه في حياتي حتى لو أصبح قويًّا ومستقلًّا؟ هل أراهُ نَدًّا أم تابعًا؟ فالحبُّ يبقى حتى حين يقفُ الآخرُ على قدميه، بينما الشّفقة تنتهي حين تنتهي الحاجةُ.
في النّهاية، الحبّ علاقةٌ تنمو بالاختيار والاحترام والتّكافُؤ، بينما الشّفقةُ إحساسٌ عابرٌ مهما كان نبيلاً. وحين نخلطُ بينهما، نخسرُ الحقيقةَ ونُتعِب أنفسَنا والآخرين، أمّا حين نُميّزُ بوضوحٍ، فإنَّنَا نمنحُ قلوبَنا فرصةً لعلاقاتٍ أكثر صدقًا ونُضجًا.
__________________
fouad.hanna@online.de
|