![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
ديرونه آغا وآل مرعي والمسيحيون في آليان وشبكات الحماية المحلية بين 1915 و1939
بقلم الباحث فؤاد زاديكي تحتل منطقة آليان في الجزيرة السورية مكانة خاصة في تاريخ المجتمعات الكردية والمسيحية والعربية التي عاشت في شمال شرقي سورية خلال العقود التي أحاطت بالحرب العالمية الأولى وما أعقبها من انهيار الدولة العثمانية، وترسيم الحدود الجديدة، وقيام الانتداب الفرنسي، وحركات اللجوء وإعادة التوطين. وفي قلب هذه المنطقة برزت ديرونه آغا، أو ديرونا آغي، بوصفها المركز التاريخي لمنطقة آليان، وموضعًا ارتبط اسمه بزعامة آل مرعي آغا، وبشبكة واسعة من القرى والعشائر والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي امتدت شمالًا وجنوبًا عبر الحدود التي رسمت لاحقًا بين سورية وتركيا. وكانت ديرونه آغا محطة على طرق القوافل بين نصيبين وماردين والموصل وزاخو، كما استمرت مركزًا إداريًا لمنطقة آليان فترة طويلة بعد الحرب العالمية الأولى، قبل أن ينقل مركز الناحية في منتصف القرن العشرين إلى تل كوجر. وترتبط ديرونه آغا تاريخيًا بعائلة آل مرعي آغا، وهي عائلة تصفها المصادر المحلية بأنها من أقدم الزعامات الريفية في آليان، وأن نفوذها لم يكن قائمًا على قبيلة كبيرة تخصها وحدها بقدر ما ارتبط بإدارة المنطقة وعلاقاتها بالقرى والعشائر المختلفة. ويذكر أحمد وصفي زكريا في «عشائر الشام» اسم عبدي آغا محمد المرعي ضمن زعماء أكراد الجزيرة، ويذكر أنه كان مقيمًا في ديرونه آغا ورئيسًا لمنطقة آليان التي كانت تضم عشرات القرى. وتصف دراسات محلية لاحقة زعامة آل مرعي بأنها زعامة ريفية اجتماعية أكثر من كونها إقطاعًا بالمعنى الدقيق، وأنها تعاونت مع آل بدرخان ومع وجهاء القرى، وساهمت في استقرار المنطقة وتشجيع الفلاحين على البقاء والعمل في أراضيهم. وتكتسب هذه الصورة أهمية أكبر عندما ندرس التركيبة السكانية لديرونه آغا نفسها. فالمصادر المحلية تتحدث عن وجود سريان وآشوريين إلى جانب السكان المسلمين في ديرونه آغا القديمة، كما تشير بعض الروايات إلى وجود آثار أو كنيسة قديمة ارتبطت في الذاكرة المحلية بأبرشية بازبدي. ولا يمكن اعتماد هذه الروايات وحدها لإثبات التفاصيل الكنسية أو تحديد تاريخ الكنيسة، لكنها تؤكد أن اسم ديرونه آغا كان يعيش في ذاكرة المنطقة ضمن بيئة لم تكن منفصلة تمامًا عن التاريخ المسيحي القديم للجزيرة. والأهم من ذلك أن البحث في دراسة سيدا ألتوغ حول الجزيرة السورية أظهر لنا معلومة أكثر دقة مما كان متاحًا في الصياغة السابقة. فقد اعتمدت ألتوغ على مواد من أرشيف الدومينيكان، صندوق الجزيرة العليا (Fonds Haute Djeziréh)، السلسلة IV، الملف 56، وقارنت بين أرقام السجل الرسمي وأرقام مختاري القرى في 1939–1940. وفي الجدول الخاص بالمناطق الواقعة على خط دجلة تظهر ديرونه آغا ضمن الأعمدة الخاصة بعين ديوار وديريك ومصطفية وديرونه آغا وتل كوجر، ويظهر رقم 27 في خانة Kurdo-Christian، أي «كردو-مسيحي»، مقابل ديرونه آغا. وهذا أكثر دقة من القول السابق إن الإحصاء الفرنسي سجل ببساطة «27 مسيحيًا» في القرية؛ فالمصدر الذي أعادت ألتوغ نشره يصنفهم ضمن فئة «الكردو-مسيحيين». وهذه النتيجة ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تعني أن الوجود المسيحي في ديرونه آغا لم يكن مجرد رقم عابر في إحصاء ديموغرافي، بل أن هناك تصنيفًا إداريًا أو اجتماعيًا للمسيحيين باعتبارهم كردو-مسيحيين. ومن الناحية المنهجية لا ينبغي أن نفهم عبارة «كردو-مسيحي» بالضرورة بمعنى أن هؤلاء الأشخاص كانوا قد تحولوا إثنيًا من السريانية إلى الكردية أو العكس، وإنما ينبغي فهمها ضمن الطريقة التي صنفت بها الإدارة أو السجلات سكان المنطقة، وهي مسألة تحتاج إلى قراءة الوثيقة الأصلية لمعرفة المقصود الدقيق منها. غير أن وجود هذه الفئة في ديرونه آغا يؤكد، بصورة أقوى من الروايات الشفوية وحدها، وجود مسيحيين مرتبطين بالبيئة الكردية في القرية في أواخر الثلاثينيات. ومن هنا يصبح البحث في أصول هؤلاء السبعة والعشرين هو المفتاح الحقيقي لفهم تاريخ المسيحيين في ديرونه آغا. وقد جرى البحث عن أسمائهم في المواد الرقمية المتاحة، وعن قوائم عائلات سريانية أو آشورية أو أرمنية مرتبطة مباشرة بديرونه آغا، وعن سجلات كنسية منشورة على الإنترنت، إلا أن أسماء هؤلاء الأشخاص لم تظهر في المصادر الرقمية التي أمكن الوصول إليها. ولذلك لا يجوز إطلاق أسماء عائلات بعينها والقول إنها كانت ضمن هؤلاء السبعة والعشرين ما لم نجد سجلًا كنسيًا أو إداريًا يثبت ذلك. والنتيجة العلمية الحالية هي أن وجود المجموعة مثبت، وعددها مثبت في مصدر أرشيفي منقول، لكن هويات أفرادها وأسرهم لم تُستخرج بعد من المصدر الأصلي. وهذه الفجوة ليست عائقًا أمام البحث، بل تحدد لنا الطريق الصحيح لاستكماله. فالمرجع الذي تستند إليه ألتوغ يقود مباشرة إلى أرشيف الدومينيكان في ملف Haute Djezireh، Série IV، File 56، وهو أهم مفتاح أرشيفي عُثر عليه حتى الآن لهذا الجزء من البحث. ومن المرجح أن تكون سجلات مختاري القرى أو الجداول التي قارنتها ألتوغ أكثر فائدة من الجداول العامة المنشورة؛ لأنها قد تحتوي على تفاصيل إضافية عن الأسر أو المذهب أو أسماء السكان، أو على الأقل تحدد بدقة كيف عرّفت الإدارة أولئك الأشخاص. ولا تنحصر أهمية ذلك في معرفة أسماء 27 شخصًا. فإذا أمكن تحديد عائلاتهم، فإن الخطوة التالية ستكون مقارنة أسمائهم مع سجلات الكنائس السريانية والأشورية والكاثوليكية في منطقة بازبدي وماردين ونصيبين، ومع سجلات الهجرة والاستقرار في الجزيرة السورية، ومع قوائم اللاجئين الأرمن والسريان في الحسكة والقامشلي وديريك. ومن خلال هذه المقارنة يمكن معرفة ما إذا كانت بعض تلك العائلات قد جاءت إلى ديرونه آغا بعد أحداث 1915، أم أنها كانت مقيمة فيها قبل الحرب، أم أنها كانت جزءًا من سكان المنطقة الذين انتقلوا بين ضفتي الحدود الجديدة. وهذه المسألة مهمة بصورة خاصة لأن ترسيم الحدود بين سورية وتركيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى قسم منطقة آليان نفسها. فالمركز التاريخي لديرونه آغا بقي جنوب الحدود داخل سورية، بينما بقي جزء كبير من المجال العشائري والاجتماعي لآليان شمال الحدود. وتشير الدراسات المحلية إلى أن هذا التقسيم شتت العائلات والعشائر وقطع المنطقة عن مركزها التاريخي في جزيرة بوتان، وأحدث تغيرات عميقة في حركة السكان والرعي والتجارة. ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية ديرونه آغا بوصفها مركزًا للقاء جماعات مختلفة. فقد كانت منطقة آليان ذات غالبية كردية، لكن مصادرها التاريخية والمحلية تصفها كذلك بأنها منطقة شهدت تنوعًا دينيًا وقبليًا، وأن استقرارها ارتبط بالزعامات الريفية وبالعلاقات بين القرى. وتقول إحدى الدراسات عن المجتمع الريفي في آليان إن الاستقرار الاجتماعي والسياسي كان من أبرز خصائص المنطقة، وإن زعامة آل مرعي لعبت دورًا أساسيًا في ذلك، وأن القرى عاشت فترات طويلة من الأمن النسبي والتعاون بين المجموعات المختلفة. ويظهر في شهادة شمسة سليمان مرعي آغا، المولودة نحو سنة 1913، أن جيلها عاش اضطرابات الحرب العالمية الأولى وما رافقها من هجمات على قرى المنطقة. فهي تذكر أن الأتراك أحرقوا قريتها كوندك، وأن ديرونه آغي تعرضت للقصف، وأن الأسرة اضطرت إلى الرحيل ثم أسست كوندك شلال. وهذه الشهادة، مهما كانت ذات طابع عائلي، تقدم قيمة كبيرة لأنها صادرة عن امرأة ولدت في السنوات السابقة مباشرة للحرب، وعاشت آثارها في طفولتها، وتربط بين أحداث العنف وبين حركة السكان داخل آليان. أما القول بأن آل مرعي قاموا تحديدًا بإنقاذ مسيحيين خلال سنة 1915، فيحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فهناك تقليد محلي يصف آل مرعي بأنهم كانوا يحافظون على أمن المنطقة، وأنهم اعتبروا سكان القرى الواقعة ضمن مجال نفوذهم جزءًا من مجتمع واحد، كما توجد روايات تقول إنهم فتحوا أبوابهم أمام العابرين وطالبي الأمان والحق. لكن لم يظهر حتى الآن في المواد المنشورة اسم مسيحي محدد يقول: «أنقذني مرعي آغا»، أو سجل عثماني أو فرنسي معاصر يذكر حادثة إنقاذ محددة قام بها أحد أفراد الأسرة في 1915. ولذلك ينبغي أن تبقى هذه النقطة في إطار الرواية المحلية ذات الدلالة التاريخية، لا في إطار الواقعة المثبتة نهائيًا. غير أن هذا لا يعني أن فرضية الحماية لا تستحق الدراسة؛ على العكس، فالسياق الاجتماعي يجعلها فرضية جدية. فإذا كانت زعامة آل مرعي تقوم على إدارة منطقة تضم قرى متعددة، وإذا كان المجتمع يتصف بالتنوع، وإذا كانت المصادر المحلية تصف الزعامة بأنها اجتماعية أكثر منها قبلية أو إقطاعية، وإذا كان وجود المسيحيين في ديرونه آغا ثابتًا، فإن من المعقول أن تكون علاقات الجوار والحماية قد شملت المسيحيين أيضًا. لكن «المعقول» ليس مرادفًا لـ«المثبت»، وهذه إحدى أهم القواعد التي يجب أن تحكم دراسة تاريخ السيفو. وتتضح أهمية هذه القاعدة عندما نضع آل مرعي في السياق الأوسع لشبكات الحماية الكردية التي ظهرت خلال سنة 1915 في المناطق المتاخمة للجزيرة. فقد عُرف علي بَتّي، زعيم هفرَكان، بموقفه الرافض للهجمات على السريان والأرمن، وارتبط اسمه بحماية مئات المسيحيين، كما ارتبطت والدته فاصيلة خاتون باستمرار شبكة الحماية في غيابه. وبرز ساروخان آغا الذي حذر المسيحيين من الهجمات وساعد في تسليح بعض القرى وتأمين اللاجئين. كما ارتبط حاجو آغا بحماية سريان تور عابدين وإجلائهم إلى هاح، وظهر عزيز آغا في أنحل بوصفه من الذين منعوا الاعتداء على المسيحيين، كما ترد حادثة عبد الرحمن في كفرزي الذي أوقف قتل عشرات السريان وربط ذلك بمسألة تبادل الأسرى. وهذه الحالات تقدم نماذج موثقة نسبيًا لما يمكن أن تعنيه «الحماية» في ذلك الزمن: تحذير، إخفاء، تأمين طريق، رفض أمر، أو تفاوض على حياة الأسرى. كما يظهر الشيخ فتاح الحميدي في بعض المصادر بوصفه وسيطًا تدخل في حماية المسيحيين وفي إنهاء حصار عين ورد، بينما تذكر الروايات أفرادًا عاديين مثل امرأة كردية وراعٍ كردي وخدم أكراد ساهموا في إنقاذ أشخاص مسيحيين. وهذا مهم جدًا في دراسة ديرونه آغا، لأن الحماية في المجتمعات الريفية لم تكن دائمًا قرارًا مركزيًا من زعيم القبيلة، بل قد تكون شبكة من الالتزامات الاجتماعية والجوار والقرابة والمصلحة المشتركة. وفي الجانب العربي، نجد خلال الحرب وما بعدها شخصيات مثل علي سواد بك، والي دير الزور، الذي ارتبط اسمه بحماية الأرمن المرحلين وتوفير الطعام والعمل والمأوى لهم، والحاج فاضل العبود، أحد أعيان دير الزور، الذي ارتبط اسمه كذلك بإغاثة الأرمن وتأمين ظروف بقائهم. وفي عشرينيات القرن العشرين برز شيوخ عرب مثل هاشم من عنزة والشيخ ناظم من شمر وميجحم في شبكة استقبال ومساعدة للاجئين الأرمن، ولا سيما في سياق عمل كارن يِبّه ومؤسسات الإغاثة. لكن المصادر نفسها تحذر من الصورة المثالية؛ فقد تعرضت بعض النساء والأطفال الأرمن في البيئات العشائرية للأسر والزواج القسري، ولذلك لا يجوز وصف كل عملية «استقبال» بأنها إنقاذ. إن هذا السياق العام يجعل قصة ديرونه آغا أكثر أهمية، لأنها تقدم نموذجًا آخر من نماذج التعايش والحماية المحلية. فالمسيحيون في هذه المنطقة لم يكونوا دائمًا جماعة منفصلة تعيش في قرى مسيحية مغلقة، بل كان بعضهم يعيش داخل بيئات كردية مختلطة، وكانت العلاقات اليومية تقوم على التجارة والزراعة والرعي والجوار والحماية. والرقم الذي يظهر في أرشيف الدومينيكان، وهو 27 شخصًا مصنفين «كردو-مسيحيين» في ديرونه آغا، يمثل شاهدًا صغيرًا ولكنه بالغ الدلالة على هذا النوع من التركيب الاجتماعي. ثم تأتي وثيقة فرنسية مؤرخة في 7 آب/أغسطس 1937 لتضيف طبقة أخرى إلى الصورة. ففي تقرير أمني فرنسي يظهر عبدي آغا مرعي، رئيس عشيرة آليان، إلى جانب گلو شابو، أحد وجهاء السريان الأرثوذكس، وعدد من الشخصيات الكردية والعربية والسريانية، في اجتماع بالحسكة. وتثبت هذه الوثيقة أن العلاقة بين زعامة آل مرعي وشخصيات سريانية لم تكن مجرد ذاكرة محلية، وإنما ظهرت في وثيقة إدارية أمنية معاصرة في عهد الانتداب. ويجب أن نكون دقيقين هنا أيضًا: هذه الوثيقة لا تثبت أن عبدي آغا مرعي كان قد أنقذ سريانًا سنة 1915، لكنها تثبت وجود علاقة سياسية بينه وبين وجهاء السريان سنة 1937. والفارق الزمني بين الحدثين يزيد على عشرين سنة، ولذلك ينبغي ألا نخلط بينهما. غير أن استمرار العلاقة مهم بحد ذاته؛ لأنه يشير إلى أن الجوار والتعاون بين الزعامات الكردية وبعض القيادات السريانية لم يكن ظاهرة عابرة انتهت بانتهاء الحرب. إن البحث الحالي يقود إذن إلى صورة أكثر دقة مما كان متاحًا في البداية. نستطيع الآن القول بثقة أكبر إن ديرونه آغا كانت مركزًا تاريخيًا لآليان، وإن آل مرعي كانوا من أبرز زعاماتها، وإن المنطقة عرفت تنوعًا دينيًا واجتماعيًا، وإن وجود المسيحيين في ديرونه آغا ثابت في سجلات أواخر الثلاثينيات، بل إن المصدر الأرشيفي الذي نقلته سيدا ألتوغ يصنف 27 منهم تحديدًا ضمن فئة «كردو-مسيحي». كما أن هناك تقليدًا محليًا يتحدث عن وجود سريان وآشوريين في القرية، وتوجد إشارات إلى صلة تاريخية بالبيئة الكنسية في بازبدي، بينما تثبت الوثائق الفرنسية اللاحقة وجود علاقات سياسية بين عبدي مرعي آغا ووجهاء السريان الأرثوذكس. أما الشيء الذي لم نستطع إثباته حتى الآن فهو أسماء الأسر السبعة والعشرين، وأصولها التفصيلية، وتاريخ وصولها إلى ديرونه آغا، وكذلك اسم الشخص أو الأشخاص من آل مرعي الذين يمكن إثبات أنهم قاموا بحمايتها أو حماية أفراد منها خلال سنة 1915. وهذه ليست ثغرة ينبغي تغطيتها بالتخمين، بل هي سؤال بحثي مفتوح يمكن أن يقود إلى اكتشاف مهم إذا أمكن الوصول إلى الملف الأصلي في أرشيف الدومينيكان، أو إلى سجلات الكنائس السريانية والأشورية والكاثوليكية، أو إلى دفاتر المختارين والسجلات المدنية الفرنسية. والخطوة الحاسمة في المستقبل هي مطابقة الرقم «27» مع سجلات الكنائس. فإذا عثرنا على أسماء عائلات مسيحية في ديرونه آغا في الفترة نفسها، ثم ظهر أحد أفرادها في سجل كنسي أو في شهادة لاحقة يقول إن أسرته كانت قد نجت من المجازر أو لجأت إلى حماية زعيم محلي، فسوف تنتقل رواية آل مرعي من مستوى الذاكرة المحلية إلى مستوى التوثيق التاريخي المتقاطع. أما إذا تبين أن الأسر السبع والعشرين وصلت إلى ديرونه آغا بعد 1918، فإن ذلك سيغير السؤال من «من أنقذ مسيحيي ديرونه آغا سنة 1915؟» إلى «كيف أصبحت ديرونه آغا مكانًا لاستقرار المسيحيين بعد الكارثة؟»، وهو سؤال لا يقل أهمية. ولهذا فإن البحث في ديرونه آغا لا ينبغي أن يُختزل في إثبات بطولة عائلة أو نفيها، بل يجب أن ينظر إلى القرية بوصفها نموذجًا مصغرًا لتاريخ الجزيرة السورية كلها. لقد عاش الأكراد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن في فضاء واحد متغير، وشهدت المنطقة في الوقت نفسه العنف والحماية، والهجرة والاستقرار، والتعاون والصراع، ثم تحولت بعد الحرب إلى فضاء جديد أعادت فيه فرنسا والدولة السورية الناشئة والمؤسسات الدينية والعشائر والزعامات المحلية تشكيل المجتمع. ومن هذه الزاوية، يصبح اسم آل مرعي مهمًا لا لأنه يمكننا حتى الآن أن ننسب إليه، بوثيقة قاطعة، عملية إنقاذ محددة سنة 1915، وإنما لأنه يمثل زعامة محلية في منطقة كان فيها المسيحيون جزءًا من النسيج الاجتماعي، ولأن ذاكرة المنطقة تصفه بدور في حفظ الأمن والاستقرار، ولأن الوثائق اللاحقة تثبت استمرارية العلاقة مع وجهاء السريان. إن الجمع بين هذه العناصر لا يسمح لنا بصناعة أسطورة، لكنه يسمح لنا بصياغة سؤال تاريخي قوي ومشروع: هل كانت ديرونه آغا، تحت زعامة آل مرعي، إحدى البيئات المحلية التي أتاحت لبعض المسيحيين النجاة والاستمرار خلال سنوات السيفو وما بعدها؟ حتى الآن، الجواب العلمي هو: لدينا مؤشرات قوية تستحق البحث، ولدينا وجود مسيحي موثق، ولدينا تصنيف «كردو-مسيحي» لعدد يبلغ 27 شخصًا في ديرونه آغا، ولدينا ذاكرة محلية عن الحماية، ولدينا علاقة موثقة لاحقًا بين عبدي مرعي آغا ووجهاء السريان، لكننا لم نصل بعد إلى وثيقة مباشرة تسمّي ضحايا أو ناجين وتربط نجاتهم بشخص محدد من آل مرعي سنة 1915. وهذه النتيجة، في تقديري، أكثر قيمة من رواية مكتملة ظاهريًا لكنها غير موثقة؛ لأنها تضع البحث على أرض صلبة، وتحدد بدقة ما ثبت وما بقي مجهولًا، وتفتح الطريق أمام البحث في الأرشيفات التي يمكن أن تحول الذاكرة إلى تاريخ موثق. إن قصة ديرونه آغا وآل مرعي، في نهاية المطاف، هي قصة منطقة حدودية تحولت من مركز ريفي تاريخي إلى جزء من دولة حديثة، وقصة مجتمع عاش فيه المسلم والمسيحي والكردي والعربي جنبًا إلى جنب، وقصة أشخاص عاشوا الحرب والمجازر والنزوح ثم حاولوا إعادة بناء حياتهم. وهي كذلك جزء من تاريخ أوسع يجب ألا يُروى بلغة التعميم: فلم يكن كل كردي قاتلًا، ولم يكن كل كردي منقذًا، ولم يكن كل عربي مشاركًا في الجريمة، كما لم يكن كل استقبال للاجئين إنقاذًا. التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك، وفي هذا التعقيد تحديدًا تكمن قيمته الإنسانية. ومن واجب الباحث أن يحفظ أسماء الذين أنقذوا، كما يحفظ أسماء الذين قتلوا، وأن يستمع إلى ذاكرة العائلات، لكن من دون أن يخلط الذاكرة بالوثيقة، وأن يثبت ما يستطيع إثباته، ويترك ما لم يثبت مفتوحًا أمام البحث. وفي حالة ديرونه آغا، فإن الوصول إلى أسماء الأسر المسيحية السبعة والعشرين المسجلين في سجلات أواخر الثلاثينيات سيكون مفتاحًا بالغ الأهمية؛ لأنه قد يسمح، لأول مرة، بربط السكان المسيحيين الموثقين في القرية بسلسلة الهجرة والنجاة والاستقرار التي بدأت مع كارثة 1915 واستمرت خلال عهد الانتداب. وهكذا فإن البحث لا ينتهي عند القول إن آل مرعي كانوا زعماء آليان، ولا عند القول إن المسيحيين عاشوا في ديرونه آغا، بل يبدأ من هنا: من الرقم الصغير الذي أخفته جداول إحصائية قديمة، 27 كردو-مسيحيًا في ديرونه آغا، ومن السؤال الذي لم تجب عنه الوثائق الرقمية بعد: من كانوا؟ من أين جاءوا؟ متى استقروا؟ ومن فتح لهم الباب عندما كان العالم من حولهم ينهار؟ والجواب عن هذه الأسئلة، إذا أمكن الوصول إلى السجلات الأصلية وشهادات العائلات والكنائس، قد يحول قصة ديرونه آغا من رواية محلية متداولة إلى واحدة من الحالات الموثقة المهمة في تاريخ حماية المسيحيين والنجاة من آثار السيفو في الجزيرة السورية. بقلم الباحث فؤاد زاديكي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|