![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
قرية حلوة في الجزيرة السورية: تاريخها القديم، سكانها السريان، أحداث السيفو، وتغيّر ملكية أراضيها بقلم: الباحث فؤاد زاديكي تُعد قرية حلوة (Helwa / Heloua / Hilwa)، المعروفة في المصادر اللاحقة أيضًا باسم حلوة الشيخ إبراهيم حقي، من القرى التي تحمل تاريخًا مهمًّا في منطقة الجزيرة السورية. وتقع القرية في المنطقة الممتدة بين نصيبين والقحطانية والقامشلي في محافظة الحسكة الحالية. تتبع ناحية القحطانية منطقة القامشلي محافظة الحسكة شمال شرق سورية، تقع غرب بلدة القحطانية بحدود 7 كلم بلغ عدد سكانها 2130 في إحصاء عام 2004م. قرية زراعية كبيرة نسبيًّا، ويعتمد سكّانها على زراعة القمح والقطن والخضار وتربية الأغنام. تضمّ القرية عددًا من الخدمات الأساسية مثل مدرسة ابتدائية، مدرسة ثانوية، وبلدية تشرف على عدّة قرى ومزارع تابعة لها تمرّ عبر القرية سكة الحديد التي تربط بين مدينتي اليعربية والقامشلي، ما يضفي أهمية إضافية لموقعها لقد ارتبط اسم حلوة في الذاكرة السريانية بتاريخ السكّان المسيحيين الذين عاشوا فيها قبل أحداث الحرب العالمية الأولى، ثم تعرّضوا خلال أحداث السيفو سنة 1915 وما تلاها للقتل والتهجير وتدمير القرية والاستيلاء على ممتلكات أهلها, وبعد مرور أكثر من عقدين على تلك الأحداث، وصلت أسرة الشيخ إبراهيم حقي إلى حلوة واستقرّت فيها، فأصبح اسم الشيخ مرتبطًا بالقرية في العقود اللاحقة. ومن المهمّ منذ البداية التمييز بين هذه المراحل التاريخية, فلا توجد الأدلة التي عُثر عليها ما يربط الشيخ إبراهيم حقي بمجزرة سنة 1915، إذ تشير المصادر إلى وصوله إلى حلوة بعد تلك الأحداث بسنوات طويلة. أمّا المسألة التي تحتاج إلى مزيد من الوثائق فهي كيفية انتقال ملكية الأراضي التي كان أصحابها المسيحيون قد فقدوها بعد أحداث 1915 إلى المالكين اللاحقين، وما إذا كان جزء منها قد آل في النهاية إلى إبراهيم حقي أو أسرته. من الأخطاء التي ظهرت في بعض الروايات المتأخرة التعامل مع اسم "حلوة الشيخ إبراهيم حقي" وكأن الشيخ هو الذي أنشأ القرية أو أعطاها اسمها. لكن الأدلة التاريخية المتوفّرة تُظهر أنّ حلوة كانت موجودة ومعروفة قبل وصول إبراهيم حقي إليها بوقت طويل. ومن أهم الأدلة على ذلك شهادة المطران مار أثناسيوس يشوع صموئيل، الذي وُلد في حلوة في 25 كانون الأول/ديسمبر 1907. توفي عام 1995 في مدينة لودي بولاية نيوجيرسي في الولايات المتحدة الأمريكية. مطران القدس ما بين ١٩٤٦ إلى ١٩٤٨ ثم لاحقا مطران الولايات المتحده وكندا حتى عام ١٩٩٥ ويُعد يشوع صموئيل شاهدًا مهمًا للغاية على تاريخ القرية، لأنّه لم يكتب عن حلوة باعتبارها قرية سمع عنها لاحقًا، بل كان مولودًا فيها وعاش طفولته فيها، وشهد بنفسه جانبًا من الأحداث التي عصفت بسكانها. وتصف شهادته حلوة بأنّها قرية زراعية، وكان سكانها من السريان المسيحيين الذين ارتبطت أصول عائلاتهم بمنطقة طور عبدين. ويذكر أنّ عائلته نفسها كانت مرتبطة بمديات وباسبرين. كما تصف مصادر تاريخية سريانية حلوة بأنّها كانت تضمّ عددًا كبيرًا من العائلات السريانية الأرثوذكسية، ويُقدّر عددها في إحدى الروايات بنحو أربعين عائلة. وهذا يجعل وجود السكان السريان في حلوة قبل 1915 أمرًا ثابتًا بدرجة جيدة، وليس مجرّد رواية ظهرت بعد أن أصبحت القرية مرتبطة باسم الشيخ إبراهيم حقي. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتصاعد عمليات اضطهاد المسيحيين في الدولة العثمانية، وصلت آثار تلك الأحداث إلى القرى السريانية الواقعة في منطقة نصيبين والجزيرة. وكانت حلوة من القرى التي تعرّض سكانها لهذه الكارثة. وتحمل شهادة يشوع صموئيل أهمية خاصة هنا, فهو كان طفلًا يعيش في حلوة عندما بدأت الأحداث، وقد ترك شهادة عن مصير قريته وعائلته. وتشير الروايات المتعلقة بالقرية إلى أنّ السكان حاولوا في البداية البقاء فيها، لكنّ تطوّر الأحداث أجبرهم في النهاية على الفرار. وفي سنة 1916 غادر قسم من سكان حلوة القرية بحثًا عن مكان أكثر أمنًا، بينما بقيت النساء فترة من الوقت لإنهاء أعمال الزراعة وجمع الحبوب. وبحسب الشهادة، تعرّضت القرية بعد ذلك للنهب والحرق، وقتل عدد من سكانها، ولم يتمكّن من النجاة إلّا عدد محدود. كما تتحدّث شهادة يشوع صموئيل عن مقتل أفراد من عائلته, فتذكر مقتل أحد أقاربه على يد مقاتل كردي، في حين قتل جندي عثماني طفلًا من العائلة. وهذا التفصيل مهمّ لأنّه يوضّح أنّ أحداث حلوة لم تكن حادثة قتل نفذها طرف واحد بصورة منفردة، وإنّما وقعت في سياق أوسع من عمليات العنف التي شاركت فيها القوات العثمانية ومجموعات وقوى قبلية كردية محلية. توجد روايات سريانية تاريخية تصف بصورة أكثر تفصيلًا ما حدث في حلوة، وتشير إلى دخول مجموعات كردية مسلحة إلى المنطقة ومشاركتها في عمليات جمع السكان المسيحيين وقتلهم. وتذكر بعض الروايات اسم قدور بك في سياق العمليات التي تعرّضت لها القرى المسيحية في منطقة نصيبين، كما تُشير إلى قيام مجموعات مسلحة بجمع الرجال واقتيادهم إلى أماكن قتل جماعي. وفي الروايات المتعلّقة بحلوة، يُذكر أنّ الرجال جُمعوا واقتيدوا إلى منطقة تعرف باسم قيرو، وأنّهم قُتلوا هناك، كما تعرّضت النساء والأطفال لمصير مأساوي. وتشير مصادر أخرى إلى أنّ سكان قرى سريانية مجاورة جرى جمعهم واقتيادهم إلى حلوة أو إلى المناطق المحيطة بها، حيث قتل عدد منهم. لكن من الناحية التاريخية الدقيقة، من الأفضل عدم اختزال جميع هذه الأحداث بعبارة "الأكراد قتلوا سكان حلوة" بمعنى أنّ جميع عمليات القتل نفّذها الأكراد وحدهم. فالشهادات المتوفّرة تشير أيضًا إلى مشاركة الجنود العثمانيين، ولذلك فإنّ الصياغة الأدق هي: شارك مقاتلون وقوى قبلية كردية محلية، إلى جانب القوات العثمانية، في عمليات قتل وتهجير المسيحيين في حلوة والمنطقة المحيطة بها خلال أحداث السيفو. وهذا لا ينفي مسؤولية المشاركين الأكراد الذين تذكرهم الشهادات، وإنّما يضع الأحداث في سياقها التاريخي الكامل. لم تقتصر نتائج أحداث 1915 على قتل السكان وتهجير الناجين. ففي المناطق التي تعرّضت للإبادة والتهجير، أصبحت الأراضي والمنازل والممتلكات التي تركها أصحابها عرضة للاستيلاء. وتوجد شهادة تاريخية قريبة من أحداث 1915، نُشرت سنة 1919 في كتاب القصارى في نكبات النصارى، وتناولها لاحقًا المؤرخ الفرنسي Yves Ternon في دراسته عن أحداث ماردين والمنطقة. وتذكر الرواية Heloua بالاسم، وتقول إنّ مسيحييها قُتلوا وإنّ ممتلكاتهم أصبحت في يد آخرين، وتذكر اسم علي عيسى في سياق حلوة والاستيلاء على ممتلكات المسيحيين. وهذه الشهادة مهمة للغاية لأنّها كُتبت بعد الأحداث بفترة قصيرة نسبيًّا، وليست رواية ظهرت بعد عدة عقود. كما أنّها تثبت أنّ قضية حلوة لم تكن مجرّد نزوح سكّاني عابر، بل ارتبطت أيضًا بفقدان المسيحيين لممتلكاتهم وأراضيهم. بعد أحداث 1915–1916 تغيّرت صورة حلوة بصورة جذريّة. فالسكان المسيحيون الذين كانوا يشكّلون مجتمع القرية الأساسي تعرّضوا للقتل أو الهرب أو التشتّت، وتعرّضت القرية نفسها للنّهب والحرق. وهذا النوع من الأحداث أدّى في مناطق عديدة من الجزيرة إلى ظهور مشكلة جديدة: من يملك الأرض التي تركها أصحابها؟ ففي كثير من الحالات أصبحت الأراضي التي تركها أصحابها القتلى أو المُهجّرون في أيدي أفراد أو جماعات أخرى، أو دخلت في ترتيبات إدارية جديدة في فترة الانتداب الفرنسي. ومن هنا تبدأ المرحلة التي تحتاج إلى بحث مستقلّ في سجلات الملكية والطابو. بعد المجازر والهجرة القسرية، ظهرت في المنطقة جماعات وعائلات جديدة، ومن بينها جماعات كردية ارتبطت بحلوة والمناطق المحيطة بها. وتذكر مصادر تاريخية عن عشائر المنطقة الحاج سليمانية وفروعًا من عشيرة الشيتية، وتربطها بقرية حلوة. وهذه المعلومة مهمّة لفهم تغيّر تركيبة القرية بعد 1915، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أنّ هذه العشيرة أو غيرها استولت تحديدًا على أراضي كلّ العائلات المسيحية التي قتلت سنة 1915. إثبات ذلك يحتاج إلى سجلات ملكية، وليس إلى مجرّد إثبات وجود عشيرة في القرية. بعد مرور أكثر من عشرين عامًا على أحداث السيفو، دخلت حلوة مرحلة جديدة في تاريخها. تشير المصادر المتعلّقة بسيرة الشيخ إبراهيم حقي وأسرته إلى أنّ الأسرة جاءت من العراق إلى الجزيرة السورية واستقرّت في حلوة نحو سنة 1937.وهذا التاريخ بالغ الأهمية, فهو يعني أنّ إبراهيم حقي لم يكن موجودًا في حلوة أثناء مجزرة 1915، ولا توجد الأدلة التي عُثر عليها ما يربطه بقتل المسيحيين الذين كانوا يعيشون فيها آنذاك. وبالتالي يجب الفصل تمامًا بين: مجزرة سكان حلوة سنة 1915–1916 وبين: استقرار إبراهيم حقي في حلوة نحو سنة 1937. وقد أصبح إبراهيم حقي بعد استقراره في القرية شخصية دينية واجتماعية بارزة، وارتبط اسمه بحلوة حتى أصبح الاسم المتداول في مراحل لاحقة هو: حلوة الشيخ إبراهيم حقي. وبنى فيها مسجدًا وأصبح وجود أسرته جزءًا أساسيًّا من تاريخ القرية الحديث. ومن ثم فإنّ الصورة التاريخية الأكثر اتّساقًا مع الأدلّة المتوفرة هي: حلوة السريانية المسيحية القديمة → أحداث السيفو والقتل والتهجير سنة 1915–1916 → نهب وتغيّر في ملكية الأراضي → تغيّر ديموغرافي في القرية → وصول إبراهيم حقي واستقراره في حلوة نحو 1937 → ارتباط اسم القرية به في الفترات اللاحقة. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|