الصِّدْقُ وَ الوَفَاءُ بقلم: فؤاد زاديكى
الصِّدْقُ وَ الوَفَاءُ
بقلم: فؤاد زاديكى
تَعُدُّ قِيمَتَا الصِّدْقِ وَ الوَفَاءِ مِنَ القِيَمِ الأَخْلاقِيَّةِ النَّبِيلَةِ، الَّتِي تَبْنِي أَسَاسَ المُجْتَمَعَاتِ السَّلِيمَةِ وَ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ المَتِينَةِ. فَالصِّدْقُ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلِ الحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَتَجَسَّدُ فِي التَّطَابُقِ بَيْنَ القَوْلِ وَ الفِعْلِ وَ الاعْتِقَادِ. وَ الوَفَاءُ هُوَ الالتِزَامُ بِالعُهُودِ وَ المَوَاقِفِ، وَ الثَّبَاتُ عَلَى المَبَادِئِ وَ الأَشْخَاصِ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ. إِنَّ وُجُودَ هَاتَيْنِ القِيمَتَيْنِ فِي الفَرْدِ يُحَوِّلُهُ إِلَى عُنْصُرٍ فَعَّالٍ فِي بِنَاءِ جِسُورِ المَحَبَّةِ وَ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ. عِنْدَمَا يَصْدُقُ الفَرْدُ فِي حَدِيثِهِ وَ تَعَامُلِهِ، فَإِنَّهُ يَكْسَبُ احْتِرَامَ الآخَرِينَ وَ ثِقَتَهُمْ، وَ تَتَشَكَّلُ بَيْنَهُمْ رَوَابِطُ عَمِيقَةٌ تُصْبِحُ سَنَدًا وَ عَوْنًا فِي مَسِيرَةِ الحَيَاةِ. فَالصَّدِيقُ الصَّادِقُ وَ الوَفِيُّ يُعْتَبَرُ كَنْزًا لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، وَ المُجْتَمَعُ، الَّذِي يَتَّسِمُ أَفْرَادُهُ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ يُصْبِحُ وَاحَةً مِنَ الأَمَانِ وَ الاطْمِئْنَانِ، يَسُودُ فِيهِ التَّعَاوُنُ وَ التَّرَاحُمُ.
عَلَى النَّقِيضِ، تَقِفُ صِفَتَا الكَذِبِ وَ الخِيَانَةِ لِتَهْدِمَا كُلَّ مَا يُبْنَى مِنَ عَلَاقَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ. فَالكَذِبُ لَيْسَ فَقَطْ تَشْوِيهًا لِلْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ تَشْوِيهٌ لِلنَّفْسِ، يُفْقِدُ صَاحِبَهُ مَصْدَاقِيَّتَهُ وَ يُفْسِدُ عَلاقَاتِهِ. أَمَّا الخِيَانَةُ فَهِيَ طَعْنَةٌ فِي الظَّهْرِ، تَهُزُّ الثِّقَةَ وَ تُشَعِّرُ المَجْرُوحَ بِالخَيْبَةِ وَ الأَلَمِ. وَ يُؤَدِّي الكَذِبُ وَ الخِيَانَةُ إِلَى انْعِدَامِ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَ مَعَ انْعِدَامِ الثِّقَةِ يَزُولُ الأَمَانُ وَ يَحِلُّ مَحَلَّهُ الشَّكُّ وَ الحَذَرُ. وَ حِينَ يَتَجَدَّرُ الشَّكُّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، تَتَزَعْزَعُ عَلاقَاتُهُمْ وَ تَفْتَقِدُ لِقِيمَتِهَا، فَتَصْبَحُ هَشَّةً، سَهْلَةَ الِانْكِسَارِ. وَ هَذَا يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى الِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ لِلْأَفْرَادِ، فَيُصْبِحُ المَرْءُ مُعَرَّضًا لِلْقَلَقِ وَ الخَوْفِ وَ الشُّعُورِ بِالعُزْلَةِ، مِمَّا يَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى صِحَّتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَ العَقْلِيَّةِ. فَفِي مُجْتَمَعٍ تَسُودُهُ الخِيَانَةُ وَ الكَذِبُ، يَفْقِدُ النَّاسُ الإِحْسَاسَ بِالانْتِمَاءِ وَ الوِئَامِ، وَ تَتَحَوَّلُ العَلَاقَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ إِلَى مُعَامَلَاتٍ سَطْحِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى المَصَالِحِ المَادِّيَّةِ فَقَطْ.
وَ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ قَوِيٍّ وَ مُتَرَابِطٍ، يَجِبُ عَلَى الأَفْرَادِ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِقِيمَتَيِ الصِّدْقِ وَ الوَفَاءِ. فَالصِّدْقُ فِي القَوْلِ وَ العَمَلِ يُسَاهِمُ فِي تَشْكِيلِ شَخْصِيَّةٍ مُتَزِنَةٍ وَ قَوِيمَةٍ. وَ الوَفَاءُ بِالعُهُودِ يُظْهِرُ مَدَى احْتِرَامِ الفَرْدِ لِنَفْسِهِ وَ لِلْآخَرِينَ. إِنَّ تَحْقِيقَ هَاتَيْنِ القِيمَتَيْنِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ يَبْدَأُ بِالتَّرْبِيَةِ السَّلِيمَةِ وَ تَلْقِينِهَا لِلْأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ. فَعَلَى الأَهْلِ وَ المُعَلِّمِينَ تَعْزِيزُ قِيَمِ الصِّدْقِ وَ الوَفَاءِ فِي نُفُوسِ الأَطْفَالِ، لِيَنْشَأُوا عَلَيْهَا وَ يُدْرِكُوا أَهَمِّيَّتَهَا فِي بِنَاءِ عَلاقَاتٍ سَلِيمَةٍ وَ مُسْتَدَامَةٍ. كَمَا يَلْعَبُ الإِعْلامُ وَ المُؤَسَّسَاتُ الدِّينِيَّةُ دَوْرًا حَاسِمًا فِي تَعْزِيزِ هَذِهِ القِيَمِ، مِنْ خِلالِ نَشْرِ الوَعْيِ بِآثَارِهَا الإِيجَابِيَّةِ عَلَى الأَفْرَادِ وَ المُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ. فَالصِّدْقُ وَ الوَفَاءُ لَيْسَا مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَلْ هُمَا نَمَطُ حَيَاةٍ يَنْعَكِسُ عَلَى سُلُوكِنَا وَ تَعَامُلِنَا، وَ هُمَا اللذانِ يُعَزِّزَانِ الأَمَانَ وَ يُؤَسِّسَانِ لِعَلَاقَاتٍ قَوِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى المَحَبَّةِ وَ الثِّقَةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى اسْتِقْرَارِ المُجْتَمَعِ وَ سَعَادَةِ أَفْرَادِهِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 18-08-2025 الساعة 08:58 AM
|