![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
التواجدُ السّرياني في ديريك بقلم/ فؤاد زاديكه نزولًا عند رغبة الإذاعة الكردية في ديريك (بيشفارو) قمت بكتابة هذا الموضوع عن السريان في ديريك من خلال مسعى تقوم به هذه الإذاعة مشكورة للتعارف و التقارب بين شعوب و قوميات ديرك المختلفة و قد وقع اختيار الملفونو بهجت أحمد عليّ كسرياني من ديريك كي أتحدث عن بناء ديريك و تاريخها و تواجد السريان فيها من وجهة نظر سريانيّة, و سوف تذيع المحطة مقالي المنشور هذا يوم السبت القادم و هو المصادف 5 نوفمبر 2016 مذاعًا بصوتي على الواتس اب و سيتولى شخص من جانب الإخوة الكرد نفس الموقف ليعرض تاريخ التواجد الكردي في ديريك. المدخل تشكّل الجزيرة السورية بحكم موقعها الجغرافي القسم الأوسط من بلاد ما بين النهرين و كانت منطقة واسعة الأرجاء تمتد من نهر دجلة إلى الفرات حيث الرقة حاليًّا, و قد تعاقبت أمم و امبراطوريّات متعدّدة و مختلفة على هذه المنطقة (المعروفة باسم ميزوبوتامية) إلى أن انتهى الأمر بسيطرة الآراميّين- السّريان في القرن الخامس عشر قبل الميلاد فأنشأ الآراميون ممالك عديدة في هذه البلاد و امتدت رقعة أراضيهم إلى أن وصلت إلى منطقة الخليج و شرقي دجلة. و بعد ذلك و بأزمنة و في مرحلة الصراع بين الإمبراطوريّتين الفارسيّة و البيزنطيّة قسّمت الجزيرة بين هاتين الإمبراطوريّتين الفارسيّة الساسانيّة (استولت على القسم الشرقي من الجزيرة حتى نصيبين و كانت هذه الأخيرة هي الحد الفاصل بين الإمبراطوريّتين) و البيزنطيّة (القسم الغربي حتى نهر الفرات) لقد كان الوجود السّرياني بعنفوانه الحضاري و الثقافي حاضرًا و بقوّة في جميع مدن الجزيرة و بلداتها (نصيبين. ماردين.تل موزل. ويران شهر. الرها. قنّسرين. آزخ (بيت زبدا) و التي كانت تتبع لها قرى و بلدات كثيرة مثل ديرك و بره بيت و غيرها) ثمّ جاءت الفتوحات الإسلامية ليحصل تغيّر جديد على الخارطة حيث دخل كثير من السريان إلى الدين الجديد لأسباب كثيرة لسنا في مجال ذكرها هنا. و قد ساعد السريانُ العربَ المسلمين أبناء عمومتهم للتخلّص من المظالم التي كانوا يتعرّضون لها سواءً من الفرس أو من الرومان و لعبوا دورًا بارزًا في قتل المرزبان الفارسي فالذي قتله كان شخصًا سريانيّاً. بقيت المنطقة تحت حكم العرب المسلمين لغاية سقوط الخلافة الإسلاميّة و مجيء المغول و التتار الذين دمّروا كلّ المعالم المسيحيّة في هذه المنطقة و كانت في أغلبها سريانيّة, فتمّ التهجير القسري لهم و القتل و تخريب الأديرة و الكنائس و هدمها مما اضطر هؤلاء للهرب أو هم قُتلوا على أيدي الغزاة ففرغت المنطقة من السريان في تلك الفترة لكنّ أديرتهم التي كانت منتشرة في كلّ قرية و بلدة ظلّت شاهدًا على وجود السريان و هم سكان هذه البلاد الأصليّون, لجميع بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا). إنّ السّريان هم معلّمو العرب و الفرس و غيرهم من الشعوب الأخرى, فعن طريقهم انتشرت الترجمة و النقل و الكتابة و كان للغة السريانيّة تأثير مباشر و واضح على القرآن الكريم نقسه في الكثير من مفرداته. و لا يمكن ان يكون كلّ هذا التأثير اللغوي و الثقافي و الحضاري عفويًّا أو ألّا يدلّ على حضور فعلي فاعل للسّريان في هذه المناطق و هي مناطقهم الأصلية, لقد ظلّ تأثيرهم و المؤشّر على وجودهم في بلادهم واضحًا لا يستطيع نكرانه أو إغفاله كلُّ صاحب عقل. و بلدة آزخ كانت مركز الثقافة و الفكر السّرياني بحكم وجود السريان فيها منذ أيام ملوك الرّها الذين امتدّ حكمهم إلى تلك المناطق و كان في آزخ أحد أمراء هذه الأسرة الحاكمة في الرّها حين حضر إليه كلّ من أدّى و أجّى التلميذين اللذين حملا منديل المسيح لأمير الرها المصاب بالبرص فشفي على إثر ذلك. يقع البعض في خطأ تاريخي قاتل حين يتوهّم أو يعتقد بأنّ وجود السّريان في ديريك هو ناجم عن الهجرة التي حصلت عقب أحداث السفر برلك و مجازر الترك بحق مسيحيي تركيا من جميع الطوائف قبل و بعد 1915 م. إذ أنّ الحضور السرياني – المسيحي كان واضحًا قبل ذلك بأزمنة طويلة و ما يدلّ على ذلك كما قلنا هو وجود هذه الأديرة التي لا تُحصى في جميع هذه القرى و البلدات التي تحيط بآزخ و منها بره بيت و ديرك و مزره و غيرها. إذ لا يُعقل أن تكون هذه الكنائس بُنيت من نفسها بل أنّ هناك شعوبَا بنتها و سكنت بالقرب منها لتمارس حياتها الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية. و الأديرة موجودة منذ آلاف السنين فالدير الموجود في ديريك القديمة و الذي إليه تعود تسمية ديريك كان معبدًا وثنيًّا قبل أن يتحوّل إلى دير في المائة الثالثة للميلاد و حين جاء تيمورلنك دمّره كما دمّر غيره من الأديرة في جميع هذه المناطق و كلّها كانت للسريان الذين سكنوها و عاشوا فيها لسنوات طويلة من الزمن. أجل قد تكون هذه الهجرة هي الهجرة الأخيرة لهذا الشعب السرياني إلى أرضه التي هي ملك الأجداد الأوائل و هي جاءت بفعل التهجير القسري الذي تعرّضت له الشعوب السريانية (سريان و ىشوريون و كلدان) في تركيا فهم عادوا إلى مواطن أجدادهم ليسكنوا قريبًا من مواطنهم التي غادروها و هم يحلمون بالعودة إليها في يوم من الأيام. إنّ اسم سوريا يشير إلى السّريان بوضوح تام و منذ الألف الأولى قبل الميلاد و يدلّ على أنّهم سكان البلاد الأصليّون و يُذكر أنّ السريان في هذه البلاد ساعدوا هرقل الروم ضد الفرس و حين قدم السريان إلى ديريك و القامشلي يكونون بهذا قد عادوا إلى موطن الأجداد فهم ليسوا بغرباء عن هذه الأرض و بالدخلاء إنّهم عادوا إلى المكان الذي تمّ تهجيرهم منه بالقوة و بفعل الخوف من أعمال الإبادة التي كان يمارسها الغزاة بحقهم دون رحمة و لا شفقة. عاد قسم من سريان تركيا إلى ديريك و القامشلي حيث تمّ بناؤها سنة 1925 و كانت ديريك حينذاك قرية لا يتجاوز عدد بيوتها العشرة. أما اسم ديريك أو ديرك أو ديركه فمهما كان لفظ هذه التسمية فهي أولّا و أخيرًا تُشير و بوضوح إلى هذا الدير الذي قام تيمور لنك بتدميره و تخريبه فاسم ديريك هو من اسم الدير و هو يشير إلى الدير بوضوح أمّا تسمية ديركا حمكو فلا أعتقد بصوابيتها إذ لا يُمكن لشخص مسلم أن يبني ديرًا أو يُنسب له اسم دير مسيحي سرياني. إنّ هذا غير منطقي بحكم العقل و المنطق و غير دقيق بسبب تسمية الدير الذي يعود تاريخه لما قبل المسيح, فهو كان معبدًا وثنيًّا كما قلنا من قبل. و ليس من المعقول كذلك القول بأنّ اسم ديريك جاء من كونها كانت عبارة عن مستنقعات فما هو الرابط و الترابط اللفظي بين كلمة المستنقعات و كلمة ديريك من حيث المعنى؟ إنّه افتراض غير منطقي و غير معقول. عندما انسحبت فرنسا من تركيا في سنة 1922 هاجر معها الكثير من الأسر السريانيّة من تركيا بواسطة السفن متوجهين إلى لبنان فمنهم من بقي في لبنان و منهم من تابع إلى حيث ديريك و القامشلي و عين ديوار و سكنوا فيها من جديد لوجود الفرنسيين هناك منذ سنة 1919 حيث كان بداية الاحتلال الفرنسي لسورية. تقع ديرك في أقصى الشمال الشرقي وتتبع محافظة الحسكة إدارياً . تتمتع المدينة بموقع استراتيجي هام من حيث وقوعها في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا. و هي تبعد مسافة 190 كم عن مدينة الحسكة ، و90 كم عن القامشلي ، ونحو 900 كم عن العاصمة دمشق . تقع على ارتفاع /422/م عن سطح البحر. أصل الاسم القديم للمدينة (ديريك) إلى اللغة السريانية (ديروني) وتعني (الدير الصغير) ، نسبة للكنيسة الواقعة شرقي هذه القرية قديماً التابعة لأبرشية بازبدي . مركزها آزخ التابعة للإمبراطورية الفارسية قبل الميلاد يحدها من الشمال نهر الدجلة ومن الجنوب برية جبل سنجار (الرد حاليا) ومن الشرق جبل جودي ومن الغرب طور عبدين ومن الجهة الشرقية لآزخ وعلى بعد ثلاثين كيلو متراً وجنوب جزيرة ابن عمر بعشرين كم . بعد دخول القوات الفرنسية إلى سوريا وانتدابها عليها 1920 م بدأت بمشروع رسم الحدود لهذه الدولة الناشئة من خلال المفاوضات مع بريطانيا من جهة ، ومع الحكومة التركية الجديدة التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية ، وكانت نتيجة اتفاقية رسم الحدود بين سوريا وتركيا الموقعة في عام 1928م أن تم ضم منطقة (ديريك) إلى سوريا ، فأصبحت منطقة إدارية مركزها قرية (عين ديوار) لغاية 1941 وبموجب المرسوم 1414 بتاريخ 18 تموز 1933 أصبحت قرية ديريك بلدة وتم إنشاء البلدية فيها. في عام 1936 م تم تحويلها إلى قائمقامية وأستبدل اسمها من ديريك إلى (قائمقامية الدجلة) و على هذا الأساس تمّت تسمية مدرسة السريان بديريك بادئ الأمر باسم (مدرسة الدجلة). عام 1938 م حولها الفرنسيون إلى مركز المنطقة ، ونُقل إليها مقر المستشار الفرنسي الذي كان قائماً في بلدة (عين ديوار) والتي تراجع دورها بعد ذلك وتحوّلت إلى قرية صغيرة . بموجب المرسوم 346 بتاريخ 24 آذار 1957 تم استبدال اسم المدينة وأطلق عليها تسمية المالكية نسبة إلى العقيد عدنان المالكي. انسحب الجيش الفرنسي من سورية عقب دخول الجيش الإنكليزي إلى سورية عن طريق الأردن و العراق فتمّ أسر جنود فرنسيين و تسريح الكردموبيل (حرس الحدود) عندها تمّ النزوح السكاني من عين ديوار إلى ديريك و بعد العودة الثانية للفرنسيين استتبّ الأمن و عاد الناس إلى ممارسة الأعمال التجارية و الأنشطة الأخرى المختلفة فتوسّعت ديريك أكثر و انتشرت زراعة الكروم عن طريق أهل آزخ السريان فهم من عشّاق الكرمة و خبراء في فنون زراعتها و التعامل معها فلقد حوّلوا ديريك إلى جنة من حولها كروم العنب تكاد تحيط بها من كل الجهات, و الشعب السرياني الآزخي نشيط و عامل مجدّ. انتشرت بعض المهن في ديريك كالحدادة و النجارة و الحياكة و الخياطة و الحلاقة و دكاكين السمانة و الخردوات و الخضروات و الفنادق و المقاهي و الأفران و انتعشت الحركة الاقتصادية بشكل ملحوظ و صارت ديريك مركزًا تجاريًّا نشطًا لجميع سكان القرى المحيطة بها, و ظهرت بيوت الباتون و الحديد المسلح بعدما كانت تقتصر على بيوت اللبن و الطين. بنيت فيها المدارس على اختلاف أنواعها الدراسيّة من ابتدائي و إعدادي و ثانوي بعد ذلك ثم معاهد الحرف اليدوية و الصناعيّة و زاد اكتشاف النفط في حقول رميلان من ثراء البلدة و من حركة عمل نشيطة لبناء ديرك في الحقول و غيرها. كما انتشرت الأحزاب السياسية في ديريك فانتسب إليها السريان و شاركوا في الحياة السياسية من خلال ممارسة أنشطتهم السياسية و هم توزّعوا بالانتساب إلى أحزاب سياسية مختلفة و أحيانًا متصادمة, كما ساهموا مساهمة كبيرة في المجال الإجتماعي و الثقافي فكان لهم دورٌ بارز في الحياة السياسية و المعارك الانتخابيّة التي كانت تجري في الخمسينات و الستينات و السبعينات من القرن الماضي و في خضمّ المعارك الانتخابيّة التي كانت تجري في تلك اليّام كان الصّوت السرياني الآزخي بثقله و وزنه هو الذي كان يرجّح أغلبيّة هذا الطرف أو ذاك في إمكانية غيصال مرشّحه إلى مجلس الشعب, كان يومها الصراع الانتخابي محتدمًا بين العرب و الكرد و كان سريان ديريك على الأغلب يقفون إلى جانب المرشح الكردي من خلال ممارسة اللعبة السياسيّة الديمقراطيّة بالرغم من وجود بعض التجاوزات كشراء الأصوات و غير ذلك في تلك الانتخابات. و قد وقف سريان ديريك إلى جانب نايف باشا و لأكثر من مرة و أوصلوا مرشحيه إلى مجلس الشعب على دورات متعددة, و ما قيام نايف باشا بتقديم تبرّع لبناء كنيسة مارتشموني في ديريك سوى ردّ الجميل لسريان ديريك و لا أعتقد بأنّها كانت صفقة بين الطرفين لقاء وقوف سريان ديريك الآزخيّون إلى جانب مرشح نايف باشا الكردي. و من المهمّ القول بأنّ سريان ديريك كانت لهم علاقات طيّبة و جيّدة مع العرب و الكرد و مع كل مكوّنات المجتمع الدركي لهذا عُرف عنهم التسامح و كانوا دائمًا يحظون باحترام الكرد و العرب على السواء. لقد شغر السريان وظائف هامّة و سياديّة في ديريك و لعقود طويلة منها رئاسة البلدية و المخترة و إدارة المدارس و المؤسسات الأخرى و رئاسة المركز الثقافي و تخرّج منهم الأطباء و المحامون و المهندسون و المعلمون و كان السريان يتفاعلون بفعاليّة و فاعليّة في الحياة الاقتصادية و الثقافية و السياسيّة و الاجتماعيّة في ديريك, و لعب مجلس الملة لطائفة السريان الأرثوذكس دورًا هامًّا في حياة المجتمع الديركاوي بحكم واقع الثقل السكاني الكبير الذي كان عليه السريان ف 95 بالمائة من الحركة التجارية و الاقتصادية كان يملكها السريان و كان التعامل مع المكوّنات الأخرى في ديريك على أساس احترام الآخر و عدم التدخّل بشؤونه أو محاولة الاعتداء عليه أو أي تجاوزات أخرى ليست من شيم و أخلاق الشعب السرياني الآزخي الواعي و المثقف و المنفتح. إنّ السّريان في ديريك كانوا يحترمون رجال الدين و ينصتون لنصحهم و إرشادهم و توعيتهم, عملًا بمبدأ الإيمان الكبير الذي هم عليه و كانوا هكذا أيضًا عندما كانوا في آزخ و غيرها من بلدات طور عبدين الأخرى يحترمون رجال الدين و يحبّون دينهم و طائفتهم و يتمسّكون بها. و ظلّ السرياني يواظب على زيارة الكنيسة في المناسبات الدينيّة المختلفة و كان شعبًا متماسكًا حين يمرّ شخص سريانيّ بموقف أو أزمة فهم كانوا يقفون إلى جانبه و نذكر هنا بفخر بعض هؤلاء منهم كوركيس رشكو المعروف بجهاده في سبيل الفقراء و المحتاجين و كيف كان يصرف من ماله على الغير و كذلك القس كبرو جمعة و رجال آخرون كثر. السرياني شهم و غيور و محبّ. و كان الكلّ يتشارك بمناسبات الأفراح و الأحزان و غيرها من المناسبات. كما كانت روح مشاركة الآخرين من الطوائف و القوميّات الأخرى قائمًا على نحو جميل و متناغم و رائع يُضرب به المثل. يجب ألّا ننسى مناسبة هامّة للغاية لدى السريان في ديريك و هي شيهر بره بيت أو عيد العذراء على السنابل فهو يصادف يوم 15 أيار من كل عام و هذه المناسبة هي ظاهرة اقتصادية بامتياز و يشارك فيها الكثير من أبناء ديرك و القرى المجاورة لها و البلدات بل و المدن الأخرى, حيث تُذبح الذبائح في قرية بره بيت حيث توجد الكنيسة و هي دير قديم أعيد بناؤه من جديد بعدما قام تيمور لنك بتدميره و تدمير كل أديرة و كنائس المناطق التي احتلها ذلك الغازي. أمّا الحديث عن قصة أراضي ديريك فهناك وثائق مثبتة و سندات تملّك تشير إلى أنّ السيد صبري يوسف سعيد من زاخو و هو شخص سرياني عراقي قدم إلى ديريك في بداية الخمسينات من القرن الماضي و عرض على أهلها السريان أن يبيعهم أراضيه التي يملكها بقيمة رمزيّة و هي منه كهديّة إلى الشعب الأزخيني البطل الذي سمع عن بطولاته و عن صموده فأعجب به و أراد تقدير ذلك الموقف بأن يشكرهم بطريقته الخاصة و على هذا النحو في بيعه الأراضي التي يملكها ليصير لكلّ سرياني في ديرك أرض سكنيّة يبني له بيتًا عليها و كذلك أراض زراعية تكون مصدر رزق زراعي و اقتصادي لسريان آزخ المقيمين في ديريك. و كان المرحوم جدي قرياقس يونو جمعة هو الذي كان يكيل بالحبل الأراضي و يتمّ توزيعها على السريان في ديريك. تشكّلت على الفور لجنة شراء من قبل أوقاف كنيسة السريان الأرثوذكس برئاسة المختار كبرو مراد الحكيم و عضويّة كلّ من كوركيس رشكو و يعقوب شمعون غزو و يوسف لحدو مراد و عبد الله عبد الأحد وكيل أوقاف السّريان بتاريخ 20/ 5/ 1954 و ذهبت اللجنة المشكّلة إلى القامشلي برفقة صبري يوسف سعيد و كان اللقاء في فندق الفردوس و تمّ الاتّفاق على شراء ثلثي أراضي ديريك التي يملكها صبري يوسف و هي تقدر ب 646 هكتارًا بقيمة 11 ألف ليرة سورية. و حين لم يكن المبلغ المتفق عليه متوفّرًا لدى صندوق الأوقاف السرياني فقد تمّ تكليف السيدين كوركيس رشكو و يوسف لحدو مراد بالذهاب إلى السيّد مسعود أفندي (آل أصفر و نجار) في القامشلي لاستدانة المبلغ و قد تمّ هذا فصار ثلثا أراضي ديريك لأوقاف كنيسة السريان بينما الثلث الأخير فقد اشتراه السيّد قدري عبد الغني من السيّد عبد الكريم ملّا صادق بتاريخ 24/5/1954م ثمّ ناب السيد رزق الله أنطون عن ابن أخيه صبري يوسف سعيد فتنازل عن نصف أملاكه لصالح بلدية ديريك. ثمّ تمّ عقد اتفاقية بين طرفي أصحاب الملكية أوقاف السريان و بيت قدري عبد الغني و أخيه عبد الرحمن عبد الغني يقرّ كلّ منهما بملكية الطرف الثاني و أحقيّتهُ لهذه الملكيّة, و صار بموجبه أنّه لا يحقّ لأيٍّ من الطرفين أن يتصرّف بيعًا بهذه الأملاك و الأراضي بدون علم الطرف الثاني و الرجوع إليه لأخذ موافقته. بتاريخ 17/11/1954 و تمّ تحديد حدود ملكيّة كل طرف من هذين الطرفين لدينا وثيقة خطية و مصورة تؤكد هذا الاتفاق. لقد كانت الغلبة السكانيّة في مدينة ديريك و لغاية سنة 1975 هي بنسبة 90 بالمائة منهم سريان و آشوريون و كلدان ثم صار انخفاض هذه النسبة واضحًا لأسباب كثيرة نذكر من أهمها: 1- الهجرة التي كانت نزيفًا لهذه المجموعة القوميّة من السريان 2- النزوح الكردي من الأرياف إلى ديريك ممّا رجّح كفّة الكرد 3- زيادة الولادات الواضحة بين إخوتنا الكرد و العرب فيما كان السريان يسعون لتحديد النسل. و في سنة 1983 جرت انتخابات مجالس الإدراة المحلّية و كل طرف من الأطراف نزل بكلّ ثقله المادي و العددي لتكون النتائج على نحو الصورة المرفقة و كنت كتبت تفصيل سير هذه العمليّة الانتخابية و النتائج و توزّع الأصوات على المرشحين بانتمائهم القومي و الطائفي حينها فاز 10 آزخيين و هي نسبة النصف من المجموع فيما فاز الأكراد ب 6 مقاعد و العرب بمقعد واحد و الكلدان بمقعدين اثنين. إلى أن صارت النسبة في سنة 2010 أدنى حدٍّ لها حيث صار مجموع سكان ديريك 73 الفًا منهم حوالي 18 ألف سرياني. و اليوم صارت أقلّ نسبة من آخر إحصائيّة. كان سكان ديرك السريان يرغبون بالسكن إلى الطرف الثاني من الحدود بالقرب من بلداتهم التي غادروها في تركيا, أملًا بالعودة حين تستتبّ الأمور و يتم تحقيق الوعود الفرنسيّة الدائمة لهم بأنّ مناطقهم التي كانوا يعيشون فيها قبل هجرتهم ستصير ضمن الحدود السورية في حال تمّ ترسيم و تخطيط الحدود الدّولية بين تركيا و سورية, لكنّها ظلّت وعودًا و أحلامًا فغادرت فرنسا ديريك و سورية في سنة 1946 و غادرت معها تلك الوعود و الأحلام و لا يزال الوضع قائمًا كما كان عليه أثناء الوجود الفرنسي. إنّ الفسيفساء الوطني و الاجتماعي الموجود في ديريك فريد من نوعه و يجب أن يستمرّ على ما هو عليه من تناغم و تفاهم و وئام بين كلّ مكوّنات شعوب ديريك من أجل العيش المشترك فأي خلل يمكن أن يحدث في ديرك أو القامشلي أو غيرها من بلدات المنطقة لن يكون لصالح أيّ طرف من الأطراف, لقد كُتِب على الجميع بأن ينشدوا الأمن و السلام و التآخي و الوئام ففي هذا خيرٌ للجميع. كلمة أخيرة كلمة أخيرة بهذه المناسبة أقولها لأهل ديريك أحبتي و أصدقائي الذين أحبهم جدًا مثلما أحبّ بلدتي الغالية على قلبي ديريك, و التي أرى فيها آزخ الصغرى: إنّ الشّعب السّرياني في ديريك و غير ديريك شعب مسالم و منفتح على الآخرين و له علاقات تاريخيّة طيّبة مع الكرد و العرب و غيرهم من أبناء تلك المناطق, لا يجب أن يفكّر أيّ طرف من الأطراف بفكرة الإقصاء أو يسعى إليها فهي انتحارٌ للجميع, فاليوم لك و غدًا سيكون لغيرك, على الجميع أن يعيشوا جنبًا إلى جنب كرد و عرب و سريان و الأقليّات الأخرى, فالأرض تحتوي الجميع عندما تريد القلوب و العقول ذلك, اجعلوا هذه الفسيفساء الغنيّة و اللوحة الجميلة المتناسقة هكذا على الدوام قائمة على المحبة و التآخي و الانفتاح و قبول الآخر و احترام الآخر بدون عنف أو إكراه أو تعدّ. إنّ السّريان بدافع تعاليمهم الدّينيّة هم متسامحون و محبّون و وطنيّون و لا يسعون إلى الاعتداء أو التعدّي على الآخر, و لكنّهم أيضًا شعب لا يسمح للغير بانتهاك حقوقه أو الانتقاص منها, لأنّ هذا ظلمٌ و هو ليس من العدل بأيّ شيء و الشّعب السرياني الأزخيني لا يقبل الظلم, كما لم يقبله من قبل و في أعتى الظروف و أصعب المراحل التاريخيّة التي عاشها و مرّ بها. لهذا يجب أن تستمرّ الحياة على أساس الاحترام المتبادل و الاعتراف بحقوق الغير دون انتقاص منها أو تجاوز و كلّ القوميّات و الأديان التي تعيش في ديريك لها الحقّ بممارسة حياتها بحريّة تامّة, و لهذا أيضًا نتمنى على الجميع و من الجميع أن يضعوا مصلحة الوطن و البلد العامّة فوق المصلحة الضيّقة, و إنْ فكّر أيّ طرف من هذه الأطراف أن يُقصي الآخر أو يهضم حقوقه أو يغبن حقّه في التعبير و الكرامة و الشعور بالانتماء بحكم أنّه يملك القوة على الأرض أو السلطة أو النفوذ فهو يقدّم مشروعًا فاشلًا لن يُكتبَ له النجاح. فالعمل المشترك و بروح المسؤولية من قبل الجميع و بالتعاون مع الجميع ستكون فيه الفائدة المرجوّة و كذلك الخلاص للجميع, ستعمّ الفائدة و الأمن و الاستقرار و هذا ما يطمح إليه الكلّ. عندما يملك الإنسان القوّة عليه أن يعرف الرّحمة و ألّا ينسى الله. أشكر إذاعة بيشغارو (المستقبل) و أشكر أهل ديريك بجميع أطيافهم و خصوصيّاتهم فهم أهلي و أصدقائي و أحبّائي, أتمنى لكم جميعًا كلّ الخير و السعادة و التوفيق آمين.
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 05-11-2016 الساعة 11:50 AM |
|
#2
|
||||
|
||||
|
# التواجد السرياني في ديريك
**بقلم/ فؤاد زاديكه** --- ## تمهيد نزولاً عند رغبة الإذاعة الكردية في ديريك (بيشفارو)، وتلبيةً لمسعاها المشكور الرامي إلى تعزيز التعارف والتقارب بين شعوب هذه المدينة وقومياتها المتعددة، وقع اختيار الملفونو بهجت أحمد عليّ كسرياني من أبناء ديريك، كي أتولى الحديث عن نشأة المدينة وتاريخها، وعن الحضور السرياني فيها من منظور سرياني أصيل. وسوف تُذيع المحطة هذا المقال يوم السبت الخامس من نوفمبر 2016، مقروءاً بصوتي عبر تطبيق الواتساب، فيما سيتولى أحد الإخوة الكرد استعراض تاريخ الوجود الكردي في ديريك من جهته. --- ## الجذور الجغرافية والتاريخية تُشكّل الجزيرة السورية، بحكم موقعها الجغرافي المتميز، القسم الأوسط من بلاد ما بين النهرين، وكانت منطقة واسعة الأرجاء تمتد من نهر دجلة غرباً حتى الفرات حيث تقع الرقة اليوم. وقد تعاقبت على هذه المنطقة المعروفة بـ"ميزوبوتاميا" أممٌ وإمبراطوريات متعاقبة ومتباينة، إلى أن استقر الأمر بسيطرة الآراميين-السريان عليها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، فأسّس الآراميون ممالك عديدة في هذه البلاد، وامتدت رقعة أراضيهم حتى بلغت منطقة الخليج وشرقي دجلة. وفي حقبة الصراع المحتدم بين الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، قُسِّمت الجزيرة بين القوتين؛ فاستولت الإمبراطورية الفارسية الساسانية على قسمها الشرقي حتى نصيبين التي كانت الحدَّ الفاصل بينهما، فيما ظلّ القسم الغربي حتى نهر الفرات في قبضة بيزنطة. وخلال هذه الحقبة كله، كان الحضور السرياني متجذراً بعنفوانه الحضاري والثقافي في جميع مدن الجزيرة وبلداتها؛ نصيبين وماردين وتل موزل وويران شهر والرها وقنّسرين وآزخ (بيت زبدا) التي كانت تتبعها قرى وبلدات عديدة، من بينها ديريك وبره بيت وسواهما. ثم جاءت الفتوحات الإسلامية لتُحدث تحولاً جذرياً في خارطة المنطقة، فدخل كثير من السريان في الدين الجديد لأسباب شتى لا مجال لاستعراضها هنا. وقد أسهم السريانُ في معاونة العرب المسلمين، أبناءِ عمومتهم، للتخلص من المظالم التي كانوا يرزحون تحتها على يد الفرس والروم على حدٍّ سواء، وكان لهم دور بارز في مقتل المرزبان الفارسي، إذ كان القاتل رجلاً سريانياً. ظلّت المنطقة تحت الحكم العربي الإسلامي إلى أن أسدل سقوط الخلافة الستارَ على تلك الحقبة، وحلّ محلها المغول والتتار الذين أوقعوا دماراً شاملاً بالمعالم المسيحية، وكانت في مجملها سريانية. فتمّ التهجير القسري والقتل وتخريب الأديرة والكنائس وهدمها، مما اضطر السكان إلى الفرار أو التعرض للقتل على أيدي الغزاة. وهكذا خلت المنطقة من السريان في تلك الفترة المظلمة، غير أن أديرتهم المنتشرة في كل قرية وبلدة بقيت شاهداً صامداً على وجودهم الأصيل في هذه البلاد، بلاد ما بين النهرين جميعها. --- ## السريان معلّمو الأمم كان السريان معلّمي العرب والفرس وسائر الشعوب، فعن طريقهم ازدهرت حركة الترجمة والنقل والكتابة، وكان للغة السريانية أثرٌ مباشر وجليّ في كثير من مفردات القرآن الكريم ذاته. ولا يمكن لهذا الحضور اللغوي والثقافي والحضاري العميق أن يكون وليد صدفة عابرة، بل هو دليل قاطع على حضور فعلي راسخ للسريان في هذه المناطق التي هي مواطنهم الأصلية. وقد ظلّ تأثيرهم وشواهد وجودهم في بلادهم ماثلةً للعيان، لا يستطيع إنكارها أو التغافل عنها كل ذي عقل رشيد. وكانت بلدة آزخ مركزاً للثقافة والفكر السرياني، بحكم وجود السريان فيها منذ أيام ملوك الرها الذين امتد حكمهم إلى تلك المناطق، وكان في آزخ أحد أمراء تلك الأسرة الحاكمة حين توجّه إليه التلميذان اللذان حملا منديل المسيح لأمير الرها المصاب بالبرص، فأفاق وشُفي بأمر الله. --- ## الحضور السرياني في ديريك: قراءة تاريخية منصفة يقع بعضهم في خطأ تاريخي جسيم حين يتوهمون أن الوجود السرياني في ديريك لم ينشأ إلا في أعقاب موجات الهجرة التي اندلعت إثر أحداث السفر برلك ومجازر الأتراك بحق مسيحيي الأناضول من مختلف الطوائف، قبيل عام 1915 وبعده. والحقيقة أن الحضور السرياني-المسيحي سابق لذلك بأحقاب طويلة، والدليل على ذلك ما تزخر به هذه المنطقة من أديرة لا تُحصى منتشرة في جميع القرى والبلدات المحيطة بآزخ، ومنها بره بيت وديريك ومزره وسواها. ولا يُعقل أن تكون هذه الكنائس قد نهضت من تلقاء نفسها، بل لا بد أن شعوباً بنتها وسكنت بجوارها تمارس حياتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية في أمان. والأديرة قائمة منذ آلاف السنين؛ فالدير الذي في ديريك القديمة، والذي إليه تعود تسمية المدينة، كان في الأصل معبداً وثنياً قبل أن يتحول إلى دير في القرن الثالث الميلادي، فلما جاء تيمورلنك دمّره كما دمّر سائر الأديرة في هذه المناطق كافة، وكلها كانت للسريان الذين عمّروها وعاشوا في رحابها دهوراً متطاولة. وإن كانت هجرة ما بعد 1915 هي آخر موجات هجرة هذا الشعب، فإنها في جوهرها عودةٌ إلى أرض الأجداد، عودة اقتضاها التهجير القسري الذي تعرضت له الشعوب السريانية (سرياناً وآشوريين وكلداناً) في تركيا، فهم لم يأتوا غرباء إلى أرض غريبة، بل آبوا إلى مواطن أسلافهم، يحدوهم الأمل في العودة يوماً ما إلى المواطن التي اضطُرّوا إلى مغادرتها. وما اسم "سوريا" إلا إشارة صريحة إلى السريان منذ الألف الأولى قبل الميلاد، دلالةً على أنهم سكان هذه البلاد الأصليون. وحين وفد السريان إلى ديريك والقامشلي، فإنهم يكونون قد عادوا إلى الوطن الذي أُخرجوا منه قسراً، لا دخلاء على أرض لا تعرفهم. --- ## نشأة ديريك وتطورها تقع ديريك في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، وتتبع إدارياً محافظة الحسكة، وتتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا. وتبعد مسافة 190 كيلومتراً عن مدينة الحسكة، و90 كيلومتراً عن القامشلي، ونحو 900 كيلومتر عن العاصمة دمشق، وترتفع 422 متراً عن مستوى البحر. ويعود اسمها القديم "ديريك" إلى الكلمة السريانية "ديروني" التي تعني "الدير الصغير"، نسبةً إلى الكنيسة الواقعة شرقي القرية قديماً، التابعة لأبرشية بازبدي التي مركزها آزخ. حين انسحبت فرنسا من تركيا عام 1922، هاجر معها كثير من الأسر السريانية التركية على ظهر السفن متوجهين إلى لبنان، فأقام بعضهم هناك وواصل آخرون رحلتهم نحو ديريك والقامشلي وعين ديوار، مستأنسين بالوجود الفرنسي الذي بدأ منذ عام 1919. وبعد دخول القوات الفرنسية إلى سوريا ووضعها تحت الانتداب عام 1920، شرعت في رسم حدود الدولة الناشئة عبر مفاوضات مع بريطانيا من جهة، ومع الحكومة التركية الوليدة من جهة أخرى. وكانت ثمرة اتفاقية ترسيم الحدود الموقعة عام 1928 ضمَّ منطقة ديريك إلى سوريا، لتغدو منطقة إدارية مركزها قرية عين ديوار حتى عام 1941. وبموجب المرسوم 1414 الصادر في 18 تموز 1933، ارتقت ديريك إلى مرتبة البلدة وأُنشئت فيها البلدية. وفي عام 1936 رُقّيت إلى قائمقامية وأُبدل اسمها بـ"قائمقامية الدجلة"، ثم حوّلها الفرنسيون عام 1938 إلى مركز المنطقة ونُقل إليها مقر المستشار الفرنسي الذي كان مقيماً في عين ديوار. وبموجب المرسوم 346 الصادر في 24 آذار 1957، استُبدل اسم المدينة بتسمية "المالكية" نسبةً إلى العقيد عدنان المالكي. --- ## السريان وبناء ديريك الحديثة حين عاد الفرنسيون في المرة الثانية بعد الانسحاب البريطاني المؤقت، استتبّ الأمن وعادت الحياة إلى مجاريها، فأخذت ديريك تتوسع وتنمو. وكان من أبرز ما أضافه السريان الأزخيون إلى هذه البلدة أنهم نشروا زراعة الكروم فيها وحولها، إذ هم عُشّاق الكرمة وخبراء في فنون رعايتها وتعهّدها، حتى غدت ديريك محاطةً من كل جانب بجنائن الكروم وبساتين العنب. وانتشرت في المدينة صنوف المهن والحِرَف؛ من حدادة ونجارة وحياكة وخياطة وحلاقة ودكاكين السمانة والخردوات والخضروات والفنادق والمقاهي والأفران. وانتعشت الحركة الاقتصادية انتعاشاً ملحوظاً وأصبحت ديريك مركزاً تجارياً نابضاً لجميع سكان القرى المحيطة بها. وشيّدت المدارس على اختلاف مراحلها ابتدائيةً وإعداديةً وثانويةً، ثم معاهد الحرف اليدوية والصناعية. وزاد اكتشافُ النفط في حقول رميلان من ثراء البلدة ونشاط الحركة العمرانية فيها. --- ## الحياة السياسية والاجتماعية انتسب السريان إلى الأحزاب السياسية وشاركوا في الحياة العامة بفاعلية ملموسة، موزّعين انتماءاتهم على أطياف سياسية متنوعة، أحياناً متقاطعة. وقد أدّوا دوراً محورياً في الحياة السياسية ومعارك الانتخابات التي شهدتها عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؛ إذ كان الصوت السرياني الأزخيني بثقله ووزنه هو الذي يرجّح كفة هذا المرشح أو ذاك في الوصول إلى مجلس الشعب. وقد وقف سريان ديريك إلى جانب نايف باشا في أكثر من دورة انتخابية، وأسهموا في إيصال مرشحيه إلى البرلمان. ولعل تبرع نايف باشا لبناء كنيسة مار تشموني في ديريك كان وفاءً منه لهذا الدور الذي اضطلع به السريان. وتجدر الإشارة إلى أن علاقة سريان ديريك بالكرد والعرب وسائر مكوّنات المجتمع كانت قائمةً على التآلف والاحترام المتبادل، وقد عُرف عنهم التسامح والانفتاح، واحتظوا بتقدير الجميع. وشغل السريان وظائف سيادية هامة ولعقود متطاولة؛ منها رئاسة البلدية والمخترة وإدارة المدارس والمؤسسات المختلفة ورئاسة المركز الثقافي. وتخرّج منهم الأطباء والمحامون والمهندسون والمعلمون. وكانوا يُقدّر لهم أن 95 بالمئة من الحركة التجارية والاقتصادية في المدينة كانت بأيديهم. وكان مجلس الملة لطائفة السريان الأرثوذكس يؤدي دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية للمدينة. --- ## مناسبة شيهر بره بيت ولا يُغفَل في هذا السياق ذكر مناسبة بالغة الأهمية في وجدان سريان ديريك، وهي احتفالية "شيهر بره بيت" أو عيد العذراء على السنابل، الذي يصادف الخامس عشر من أيار كل عام. وهي ظاهرة اقتصادية-اجتماعية متميزة يشارك فيها أبناء ديريك والقرى المجاورة والمدن الأخرى، حيث تُذبح الذبائح في قرية بره بيت التي تحتضن الكنيسة، وهي دير عريق أُعيد بناؤه بعد أن طاله تدمير تيمورلنك كما طال سائر أديرة المنطقة وكنائسها. --- ## قصة أراضي ديريك تكشف الوثائق المثبتة وسندات التمليك أن السيد صبري يوسف سعيد، من زاخو، وهو شخصية سريانية عراقية، قدم إلى ديريك مطلع الخمسينيات، وعرض على أهلها السريان شراء أراضيه بثمن رمزي، هدايةً منه للشعب الأزخيني البطل الذي سمع عن صموده وبسالته، فأراد أن يُعرب عن إعجابه وتقديره بهذه الطريقة المتفردة، ليتمكن كل سرياني في ديريك من امتلاك أرض يشيّد عليها بيتاً، وأرض زراعية تكون مصدر رزقه. وقد تولّى المرحوم جدي قرياقس يونو جمعة عملية قياس الأراضي وتوزيعها على السريان. وعلى الفور تشكّلت لجنة شراء من أوقاف كنيسة السريان الأرثوذكس برئاسة المختار كبرو مراد الحكيم، وعضوية كل من كوركيس رشكو ويعقوب شمعون غزو ويوسف لحدو مراد وعبد الله عبد الأحد وكيل الأوقاف، بتاريخ 20/5/1954. وذهبت اللجنة إلى القامشلي بصحبة صبري يوسف سعيد، وكان اللقاء في فندق الفردوس، حيث اتُّفق على شراء ثلثَي أراضي ديريك التي يملكها صبري يوسف والمقدّرة بـ646 هكتاراً بمبلغ 11 ألف ليرة سورية. ولمّا لم يكن المبلغ متوفراً في صندوق الأوقاف، أُوكل إلى كوركيس رشكو ويوسف لحدو مراد استدانته من السيد مسعود أفندي (آل أصفر ونجار) في القامشلي، فتمّ ذلك. وهكذا آل ثلثا أراضي ديريك إلى أوقاف كنيسة السريان، فيما اشترى السيد قدري عبد الغني الثلثَ الأخير بتاريخ 24/5/1954. ثم تنازل رزق الله أنطون، نيابةً عن ابن أخيه صبري، عن نصف أملاكه لصالح بلدية ديريك. وأُبرمت اتفاقية بين الطرفين تُقرّ ملكية كل منهما، وتنص على عدم جواز التصرف ببيع هذه الأملاك دون علم الطرف الآخر وموافقته، وهو ما وثّقه عقدٌ خطي ومصوَّر يعود إلى 17/11/1954. --- ## التحولات الديموغرافية كانت الغلبة السكانية في مدينة ديريك حتى عام 1975 للسريان والآشوريين والكلدان، إذ ناهزت نسبتهم 90 بالمئة، ثم أخذت تتراجع تدريجياً لعوامل عدة، أبرزها: - موجات الهجرة المتواصلة التي نزفت الوجود السرياني نزيفاً حاداً. - النزوح الكردي من الأرياف إلى المدينة مما رجّح كفتهم عدداً. - التفاوت الكبير في معدلات المواليد، إذ سعى السريان إلى تحديد النسل. وفي عام 1983 جرت انتخابات مجالس الإدارة المحلية، وأسفرت عن فوز عشرة من أبناء آزخ أي ما يعادل النصف، وستة مقاعد للأكراد، ومقعد واحد للعرب، ومقعدين للكلدان. وبحلول عام 2010 بلغت النسبة أدنى مستوياتها، إذ كان من مجموع 73 ألف نسمة نحو 18 ألف سرياني فحسب، وهو رقم واصل انحداره في الإحصاءات اللاحقة. --- ## خاتمة وكلمة وداد كلمةٌ أخيرة أودّ أن أُهديها إلى أهل ديريك، أحبتي وأصدقائي الذين تسكن محبتهم قلبي كما تسكن ديريك الغالية روحي، وأرى فيها آزخ الصغرى: إن الشعب السرياني في ديريك وفي غيرها شعبٌ مسالم، منفتح على الآخرين، تجمعه بالكرد والعرب وسائر أبناء المنطقة روابط تاريخية راسخة قوامها الاحترام والتعاون. وليس لأي طرف أن يُفكر في إقصاء الآخر أو التفرد على حسابه، فذلك انتحارٌ للجميع. فاليوم لك وغداً لسواك، والأرض تحتضن الجميع حين تريد القلوب والعقول ذلك. إن الفسيفساء الوطنية والاجتماعية في ديريك فريدة من نوعها، وهي ثروة ينبغي أن تُصان وتُحفظ. فأيّ خلل يطرأ عليها لن يعود بالنفع على أحد. على الجميع أن يسعوا نحو الأمن والسلام والتآخي، ففي ذلك خيرهم جميعاً. إن السريان، بدافع تعاليمهم الدينية، أهل تسامح ومحبة ووطنية، لا يبغون اعتداءً ولا يسعون إلى أذى. بيد أنهم في الوقت ذاته شعبٌ لا يقبل المساس بحقوقه أو النيل منها، لأن ذلك ظلمٌ، والشعب السرياني الأزخيني لم يقبل الظلم قط حتى في أعتى المحن وأصعب المراحل. لهذا كله، يجب أن تسود ثقافة الاحترام المتبادل والاعتراف بحقوق الآخر بين جميع قوميات ديريك وأديانها، وأن تُوضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فمن يملك القوة، فليعرف أيضاً معنى الرحمة، وليذكر الله. فالعمل المشترك بروح المسؤولية والتعاون هو الطريق الوحيد إلى الخلاص والازدهار للجميع. وفي الختام، أتوجه بالشكر الجزيل لإذاعة بيشفارو (المستقبل)، وأُحيي أهل ديريك بجميع أطيافهم وخصوصياتهم، فهم أهلي وأصدقائي وأحبائي. أتمنى لكم جميعاً كل الخير والسعادة والتوفيق، آمين. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|