المسيحية دينٌ
المسيحية دينٌ
الأخ العزيز أثرو . تلقيت رسالتك وسررت بطلبك وسأجيبك مسروراً ولكن لي رجاء أن من يقرأ هذه الإجابة يقرأها بهدوء وتمعّن .
بداية أقول : بالتأكيد إن الاستاذ الحبيب وديع القس لا يقصد سوءً فأنا أعرفه جيداً وأحترمه كثيراً وأحبه وأقدّر فيه غيرته وإيمانه وأرثوذكسيته .
إن الاستاذ وديع أشار إلى أن المسيحية هي دينٌ حينما قال : ( المسيحية هي حياة . هي روح )
نعم المسيحية هي دين الحياة وهي دين الروح . فإن كلمة ( دين ) هي كلمة سريانية وليست أساساً من اللغة الانجليزية أو غيرها . وهي في اللغة السريانية تعني ( الدين ، الحكم ، الحق ، العدل ، القانون ، القضاء ، العدالة ، الاستقامة ........) ولا يمكن للحياة أن تسمى حياة بعيداً عن هذه المعاني السامية ، لأنه بعيداً عنها فالحياة تتحول إلى فوضى يغلب عليها الطابع الحيواني ، كما أنه لا يمكن للروح أن تتمتع بالحياة إذا ما غلب عليها الطابع الحيواني فإن الحالة الحيوانية هي للروح الحيوانية والحالة الإنسانية هي للروح الإنسانية فالروح الحيوانية غير الروح الإنسانية . إذاً : المسيحية هي ( دين حياةٍ ، هي دين الروح وهي دين النعمة ) .
وإذ أن الاستاذ الحبيب وديع القس ذكر بعض الآيات من الإصحاح الثامن من رسالة الرسول بولس إلى أهل رومية فهذا شيء رائع لكن هذه الآيات تحتاج إلى وقفات ولو قصيرة جداً :
إن الرسول بولس أكّد بهذه الكلمات حقيقة الدين . كيف ذلك ؟
إنه انطلق في حديثه هذا بالروح القدس من صلب تعاليم المسيح له المجد التي هي دينٌ ليقدم للمؤمن مفهوماً واضحاً وسهلاً عن حقيقة المسيحية أعمّ وأشمل من المفهوم الذي كان يقدمه ناموس العهد القديم ، فإن ناموس العهد القديم كان غير قادرٍ أن يقدّم للإنسان نعمة الله التي هي العودة إلى الفردوس واستحقاق دخول ملكوت السموات أما المسيحية فبالمسيح استطاعت ذلك . نتوقف وقفة قصيرة عند هذه الآيات .
1- لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح . هذا الحديث يعني أن هناك فئتان إحداهما تسلك حسب الروح بالمسيح ومن يسلك بالروح لا ينال حكم الخطية بل حكم النعمة ( والحكم هو دينٌ ) . أما الفئة الثانية هي من يسلك بحسب الجسد ومن يسلك بحسب الجسد لابد أن يقع في الخطية وهؤلاء ينالون حكم الخطية ولا ينالون حكم النعمة ( والحكم هو دينٌ ) .
2- ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت . ( الناموس هو القانون الإلهي . والقانون كما تبيّن لنا أنه أحد معاني الدين في اللغة السريانية ) . إن هذا الحديث للرسول بولس لا يعني أننا بسبب كوننا مسيحيين لا نخطئ حتى لا ندان دينونة الخطية ، كلا . بل المقصود أن ناموس الخطية ( أي حكم الخطية ) قبل مجيء السيد المسيح كان ناموساً لابساً للإنسان مقيِّداً له غير قادرٍ على التحرر والتخلص منه إطلاقاً حتى الأنبياء ، لكن حينما جاء مخلصنا يسوع المسيح فإنه كسر ذلك القيد وحرر منه من يؤمن به ، وإن ذلك الناموس مثلما ذكر الاستاذ وديع القس الغالي كان ناموس الخطية الأصلية أولاً . وهذا ما أكده الرسول بولس في الآية ( 8: 3 ) وبالتالي ليس الأمر هو أننا تحررنا وتنزهنا كلياً عن الوقوع في الخطية كلا . فالرسول بولس يتابع قائلاً : فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد لكي يتمّ حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح .
لكن حكم الناموس في الذين يسلكون حسب الروح هو نعمة بالمسيح للخلاص إذاً . هناك حكمٌ ( دينٌ ) ويؤكد الرسول بولس ذلك أيضاً في الآية ( 8: 6 ) بالقول : لأن اهتمام الجسد هو موتٌ ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام
اهتمام الجسد هو موتٌ وهذا حكمٌ أي ( دين )
اهتمام الروح حياة وسلام وهذا أيضاً هو حكمٌ أي ( دين )
لماذا يدان من يهتم بالجسد بالموت ؟
يجيب الرسول بولس في ( 8: 7-8 ) قائلاً : لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله .
وأما ما قصده الرسول بولس في بقية الآيات ليس معناه أننا تخلصنا بالكلية من الجسد . فإن كل إنسان يحيا حياته الزمنية له جسدٌ يحتويه ، ولذا فإن كل إنسان يحيا حالة صراعٍ دائمٍ بين ما للجسد وبين ما للروح . وإن من آمن بالمسيح فله حالة خاصة وهي أن ما للروح فينا هو أقوى مما للجسد لأننا حينما متنا مع المسيح بالمعمودية ( رو6: 3 – 4 – 5 ) فإننا أخذنا الطبيعة الإلهية ، أي صار لكل منّا طبيعة إلهية وهذا ما أكده الرسول بطرس بإشارته عن النعم المسيحية قائلاً : لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية ( 2بط 1 : 4 ) . بمعنى أنه قد صارت لكل منّا طبيعة إلهية بحلول الروح القدس علينا بالمعمودية ، ولذا فمن السهل جداً أن يتغلب المؤمن المعتمد باسم المسيح على الخطية فيعيش بالروح ولا يخضع لحكم الخطية بل لحكم النعمة الذي هو الخلاص بدم ربنا يسوع المسيح له كل المجد .
وأما عن أن العهد الجديد من ألفه إلى يائه لا توجد فيه كلمة واحدة تقول ( الدين المسيحي أو الديانة المسيحية ) فهذا كلام يحتاج إلى وقفة .
نعم أنا لم أقرأ مصطلح الدين المسيحي أو الديانة المسيحية ولكن هل هذا يعني أن المسيحية ليست ديناً ؟
في الحقيقة إن المسيحية هي دين وكما مرّ معنا ( دين حياة ، دين روح ، دين النعمة ) وبحسب هذا الدين سوف يتحدد المصير الأبدي للمؤمن ( راجع مت25 : 31 - 46 ) سوف نأخذ أمثلة للبرهان وليس للحصر .
1- قال ربنا يسوع المسيح : لدينونة أتيت إلى هذا العالم ..................... ( يو9: 39-41 ) ما وجه الدينونة التي ذكرها المسيح ؟ إنها الحكم على أفعال الناس بحسب تعاليمه الإلهية . فلو كانت المسيحية ليست ديناً لما قال لدينونة أتيت وخاصة أن هذه الدينونة مستمرة حتى انقضاء الدهر ، بل لقال له المجد آمنوا فقط وهذا يكفي وبالتالي لما كانت هناك حاجة إلى كل تعاليمه الإلهية ، لأنه لا دينونة من دون دين ( كلمة الدين هي مصدر لكلمة الدينونة والعكس صحيحٌ أيضاً ) وبالتالي لكان له المجد قد جعل من المسيحية حالة من الفوضى يستوي فيها الصالح مع الطالح . لكن الصالح لا يستوي مع الطالح فإن الرسول يعقوب قال : الشياطين أيضاً يؤمنون ويقشعرون ( يع2: 19 ) لكن الشياطين لن يخلصوا .
2- تحدّث الرسول يعقوب في رسالته مثبتاً أن المسيحية هي دينٌ ومن يعمل بتعاليمها فإن تديّنه صحيح وإن من لا يعمل بهديها فإن تديّنه باطل ويشرح ذلك جيداً . ونذكر له ما قاله بخصوص حفظ اللسان وبخصوص أعمال الرحمة والصدقة والطهارة التي هي من صلب التعاليم المسيحية التي تحكم على سلامة إيمان المؤمن أو عدم سلامته فتطلب من المؤمن أن يقوم بواجباته المسيحية كي تكون مسيحيته حقيقية غير زائفة فيقول : إن كان أحدٌ منكم يظنُّ أنه ديّنٌ وهو ليس يلجم لسانه بل يخدع قلبه فديانة هذا باطلة . الديانة النقية الطاهرة عند الله الآب هي هذه : افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم ( يع1: 26-27 ) .
وإذا ما تأملنا قليلاً في عبارة يحفظ نفسه بلا دنس من العالم لوجدنا أن الإنسان يلزمه مادة معرفية تكون له مرجعاً يحدد بواسطتها كيفية حفظ نفسه بلا دنس ثم الحكم بموجبها ما إذا كان حافظاً لنفسه بلا دنس أم لا . وهذه المادة هي تعاليم المسيحية ، وإذ أنها تحدد الوجهين فهي إذاً حكمٌ ( دينٌ ) بأن الإنسان هو في هذا الوجه أو في ذاك .
3- بعض الأقوال الخاصة بهذا الموضوع لربنا يسوع المسيح والرسل :
- قال ربنا يسوع المسيح : كما أسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني ( يو5: 30 )
- الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن ( يو5: 22 ) .
- قال الرسول بطرس عن المسيح : أوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بأن هذا هو المعيَّن من الله ديّاناً للأحياء والأموات ( أع10: 42 ) .
- قال الرسول يعقوب : لا يئنّ بعضكم على بعضٍ أيها الأخوة لئلا تدانون . هوذا الديّان واقف قدام الباب ( يع5: 9 )
- قال الرسول يوحنا بخصوص الإيمان بالمسيح : هذه هي الدينونة إن النور قد جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور ( يو3: 19 )
- قال الرسول بولس بخصوص تناول جسد ودم المسيح : لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميّز جسد الرب ( 1كو11: 29 )
- وقال : إن كان أحدٌ يجوع فليأكل في البيت كي لا تجتمعوا للدينونة ( 1كو11: 34 ) .
أخيراً : تجب الإشارة إلى مسألة هامة جداً ألا وهي أن تعاليم المسيحية هي في القيمة المطلقة ، ولذا فحينما نقول : المسيحية دينٌ فهذا يعني أنها دين بالقيمة المطلقة . ومن ذلك فإن تسمية الدين تتخطى حدود التصور البشري القاصر فلا تقتصر على تحديد وجهي تفكير أو تصور أو أعمال الإنسان فقط بل ترتفع لتسمو بسمو المسيحية لتنظم حياة الإنسان الزمنية والأبدية ولربنا يسوع المسيح كل المجد إلى الأبد آميــن .
تقبلوا فائق محبتي وتقديري .
__________________
مسيحنا الله
الأب القس ميخائيل بهنان صارة
هـــــــــــــــــــــ : 711840 موبايل (هاتف خلوي) : 0988650314
|