جبرانيات ( 4 )
المحبة ...
حينئذٍ قالت المطرة : حدثنا عن المحبة .
فقال :
إذا المحبة أومت إليكم فاتبعوها
وإن كانت مسالكها صعبة متحدرة .
إذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها
وإن جرحكم السييف المستور بين ريشها .
إذا المحبة خاطبتكم فصدقوها
وإن عطل صوتها أحلامكم وبددها كما تجعل الريح الشمالية البستان قاعاً صفصفاً .
*****
لأنه كما أن المحبة تكللكم ، فهي أيضا تصلبكم .
وكما تعمل على نموكم ، هكذا تعلمكم وتستأصل الفاسد منكم .
وكما ترتفع إلى أعلى شجرة حياتكم فتعانق أغصانها اللطيفة المرتعشة أمام وجه الشمس ،
هكذا تنحدر إلى جذورها الملتصقة بالتراب وتهزها في سكينة الليل .
*****
المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار حنطة .
المحبة على بيادرها تدرسكم لتظهر عريكم .
المحبة تغربلكم لتحرركم من قشوركم .
المحبة تطحنكم فتجعلكم كالثلج أنقياء .
المحبة تعجنكم بدموعها حتى تلينوا ،
ثم تعدكم لنارها المقدسة لكي تصيروا خبزاً مقدساً يقرّب على مائدة الرب المقدسة .
كل هذا تصنعه بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم ، فتصبحوا بهذا الإدراك جزءاً من قلب الحياة .
غير أنكم إذا خفتم ، وقصرتم سعيكم على الطمأنينة واللذة في المحبة ،
فالأجدر بكم أن تستروا عريكم وتخرجوا من بيدر المحبة إلى العالم البعيد حيثما تضحكون ، ولكن ليس كل ضحككم ، وتبكون ولكن ليس كل ما في ماقيكم من الدموع .
المحبة لا تعطي إلا ذاتها ، المحبة لا تأخذ إلا من ذاتها .
لا تملك المحبة شيئاً ، ولا تريد أن أحد يملكها.
لأن المحبة مكتفية بالمحبة .
*****
أما أنت إذا أحببت فلا تقل : " أن الله في قلبي " ، بل قل بالأحرى : " أنا في قلب الله " .
ولا يخطر لك البتة أنك تستطيع أن تتسلط على مسالك المحبة ، لأن المحبة إن رأت فيك استحقاقاً لنعمتها تتسلط هي على مسالكك .
والمحبة لا رغبة لها إلا في أن تكمل نفسها .
ولكن ، إذا أحببت وكان لا بد من أن تكون لك رغبات خاصة بك ، فلتكن هذه رغباتك :
أن تذوب وتكون كجدول متدفق يشنف آذان الليل بأنغامه .
أن تخبر الآلام التي في العطف المتناهي .
أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك وأن تنزف دماؤك وأنت راض مغتبط .
أن تنهض عند الفجر بقلب مجنح خفوق فتؤدي واجب الشكر ملتمساً يوم محبة آخر.
أن تستريح عند الظهيرة وتناخي نفسك بوجد المحبة .
أن تعود إلى منزلك عند المساء شاكراً :
فتنام حينئذ والصلاة لأجل من أحببت تتردد في قلبك ، وأنشودة الحمد والثناء مرتمسة على شفتيك ....