عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم يوم أمس, 03:25 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,246
افتراضي

المَبَادِئُ... بُوصْلَةُ الإِنْسَانِ وَكَرَامَةُ الحَيَاةِ
(٨)
بِقَلَمِ الشَّاعِرِ: فُؤَاد زَادِيكِي

لَيْسَ الإِنْسَانُ بِمَا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ، وَلَا بِمَا يَبْلُغُ مِنْ جَاهٍ، وَلَا بِمَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ شُهْرَةٍ وَمَكَانَةٍ، فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَفْتَقِدُ فِي دَاخِلِهِ نَفْسَهُ، وَكَمْ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ كَانَ عَبْدًا لِرَغَبَاتِهِ. إِنَّمَا قِيمَةُ المَرْءِ فِي ذَلِكَ النُّورِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يَهْدِيهِ حِينَ تَتَشَابَهُ الطُّرُقُ، وَيُثَبِّتُهُ حِينَ تَهْتَزُّ الخُطُوَاتُ. ذَلِكَ النُّورُ هُوَ المَبْدَأُ.
فَالمَبَادِئُ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ نَكْتُبُهَا عَلَى الوَرَقِ، وَلَا شِعَارَاتٍ نَرْفَعُهَا أَمَامَ النَّاسِ، بَلْ هِيَ اِمْتِحَانٌ يَبْدَأُ حِينَ تَتَعَارَضُ القِيمَةُ مَعَ المَصْلَحَةِ، وَحِينَ يَكُونُ الصِّدْقُ مُكْلِفًا، وَالأَمَانَةُ ثَقِيلَةً، وَالوَفَاءُ مُرْهِقًا. هُنَا يَظْهَرُ مَعْدِنُ الإِنْسَانِ.
فَمَنْ لَا مَبْدَأَ لَهُ قَدْ يَمْشِي كَثِيرًا، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. أَمَّا مَنْ يَمْلِكُ مَبَادِئَ رَاسِخَةً، فَقَدْ يَتَعَثَّرُ وَيَتَأَخَّرُ وَيَخْسَرُ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى عَارِفًا إِلَى أَيْنَ يَتَّجِهُ وَلِمَاذَا يَسِيرُ.
وَلَيْسَ أَخْطَرَ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ أَنْ يَفْقِدَ هَذِهِ البُوصْلَةَ، فَحِينَ يَغِيبُ المَبْدَأُ، تُصْبِحُ الرَّغْبَةُ قَانُونًا، وَالمَصْلَحَةُ مِيزَانًا، وَالقُوَّةُ مِعْيَارًا لِلصَّوَابِ. وَيَتَغَيَّرُ المَرْءُ مَعَ كُلِّ مَصْلَحَةٍ، يَكُونُ مَعَ الحَقِّ حِينَ يَنْفَعُهُ، وَمَعَ العَدْلِ حِينَ لَا يُكَلِّفُهُ، وَمَعَ الوَفَاءِ مَا دَامَ لَا يَدْفَعُ ثَمَنًا لَهُ.
لَكِنَّ المَبْدَأَ الحَقِيقِيَّ لَا يُعْرَفُ فِي أَيَّامِ الرَّخَاءِ، بَلْ فِي سَاعَاتِ الاِمْتِحَانِ، حِينَ تَكُونُ قَادِرًا عَلَى الكَذِبِ وَتَخْتَارُ الصِّدْقَ، وَقَادِرًا عَلَى الظُّلْمِ وَتَخْتَارُ العَدْلَ، وَقَادِرًا عَلَى الاِنْتِقَامِ وَتَخْتَارُ التَّرَفُّعَ، وَقَادِرًا عَلَى التَّخَلِّي وَتَخْتَارُ الوَفَاءَ.
وَالمَبَادِئُ لَا تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ، وَلَكِنَّهَا تَمْنَحُهُ القُدْرَةَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الطَّرِيقِ. قَدْ نَخْطِئُ وَنَسْقُطُ وَنَضْعُفُ، لَكِنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّ السُّقُوطَ لَيْسَ نِهَايَتَنَا، وَأَنَّنَا لَسْنَا مَا فَعَلْنَاهُ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ، بَلْ مَا نُصِرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ نَعْرِفَ الصَّوَابَ.
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا تَحْفَظُهُ لَنَا المَبَادِئُ احْتِرَامُنَا لِأَنْفُسِنَا، فَالثَّرْوَةُ تَذْهَبُ، وَالمَنْصِبُ يَزُولُ، وَالأَلْقَابُ تَبْلَى، أَمَّا أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ لَمْ تَبِعْ نَفْسَكَ فِي سُوقِ المَصَالِحِ، وَلَمْ تَخُنْ قِيَمَكَ مِنْ أَجْلِ مَكْسَبٍ، فَذَلِكَ كَنْزٌ لَا يُقَدَّرُ بِمِيزَانِ الدُّنْيَا.
فَمَا قِيمَةُ النَّجَاحِ إِذَا جَاءَ عَلَى حِسَابِ الأَمَانَةِ؟ وَمَا قِيمَةُ الوُصُولِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ مَعْبَّدًا بِظُلْمِ الآخَرِينَ؟ إِنَّ النَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ تَصِلَ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ نَفْسَكَ، وَأَنْ تَرْبَحَ دُونَ أَنْ تَسْرِقَ حَقَّ غَيْرِكَ، وَأَنْ تَكْبُرَ دُونَ أَنْ تُصَغِّرَ مَنْ حَوْلَكَ. وَلِلْمَبَادِئِ دَوْرٌ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ؛ فَحَيْثُ يَحْضُرُ العَدْلُ تَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ، وَحَيْثُ تُحْتَرَمُ الأَمَانَةُ تَزْدَهِرُ الثِّقَةُ، وَحَيْثُ تُصَانُ كَرَامَةُ الإِنْسَانِ لَا تَكُونُ الكَرَامَةُ اِمْتِيَازًا لِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى. فَالمَبْدَأُ الَّذِي يَسْكُنُ فِي قَلْبِ فَرْدٍ قَدْ يَكُونُ شُعَاعًا، وَالمَبَادِئُ الَّتِي تَسْكُنُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ قَدْ تُنِيرُ وَطَنًا كَامِلًا. وَلَيْسَ الثَّبَاتُ عَلَى المَبْدَإِ جُمُودًا وَلَا عِنَادًا، فَقَدْ نُغَيِّرُ آراءَنَا حِينَ نَكْتَشِفُ خَطَأَهَا، وَلَكِنَّنَا لَا نُغَيِّرُ قِيَمَنَا كُلَّمَا تَغَيَّرَتْ مَصْلَحَتُنَا. وَهُنَا الفَرْقُ بَيْنَ الإِنْسَانِ الَّذِي يَتَطَوَّرُ، وَالإِنْسَانِ الَّذِي يَتَلَوَّنُ، الأَوَّلُ يَنْضَجُ وَيُصَحِّحُ خُطَاهُ، أَمَّا الثَّانِي فَيُبَرِّرُهَا.
فَلَا تَخَفْ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَحِيدًا لِفَتْرَةٍ، إِذَا كَانَ ثَمَنُ الاِنْضِمَامِ إِلَى الجَمَاعَةِ أَنْ تَخْسَرَ نَفْسَكَ. فَالوَحْدَةُ مَعَ الكَرَامَةِ أَكْرَمُ مِنْ زِحَامٍ تُدَاسُ فِيهِ الرُّوحُ، وَالصُّحْبَةُ الَّتِي تُجْبِرُكَ عَلَى التَّنَازُلِ عَنْ قِيَمِكَ لَيْسَتْ صُحْبَةً، مَهْمَا كَانَتْ أَسْمَاؤُهَا.
وَلْيَكُنْ مَبْدَؤُكَ فِي عِلَاقَتِكَ بِنَفْسِكَ، فَلَا تَكْذِبْ عَلَيْهَا، وَلَا تَسْتَبْدِلْ حَقِيقَتَهَا بِصُورَةٍ تُرْضِي الآخَرِينَ. وَلْيَكُنْ فِي عِلَاقَتِكَ بِالنَّاسِ، فَاحْفَظْ كَرَامَتَهُمْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُحْفَظَ كَرَامَتُكَ. وَلْيَكُنْ فِي عَمَلِكَ، فَأَدِّهِ بِإِخْلَاصٍ حَتَّى حِينَ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ. وَلْيَكُنْ فِي مَوَاقِفِكَ، فَلَا تَبِعْ مَوْقِفًا بِتَصْفِيقٍ، وَلَا تَشْتَرِ رِضًا بِتَنَازُلٍ.
إِنَّ الحَيَاةَ سَتَضَعُنَا أَمَامَ أَبْوَابٍ مُغْرِيَةٍ، وَسَتَعْرِضُ عَلَيْنَا طُرُقًا قَصِيرَةً إِلَى مَا نَشْتَهِي، وَلَكِنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ القَصِيرَةِ تَقُودُ إِلَى نِهَايَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ النَّدَمِ. فَلَا تَسْتَعْجِلِ الوُصُولَ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ سَيَسْرِقُ مِنْكَ نَفْسَكَ. فَلَيْسَ المُهِمُّ أَنْ تَصِلَ أَوَّلًا، بَلْ أَنْ تَصِلَ وَأَنْتَ مَا زِلْتَ أَنْتَ، وَلَيْسَ المُهِمُّ أَنْ يَرَاكَ النَّاسُ كَبِيرًا، بَلْ أَنْ تَبْقَى كَبِيرًا فِي عَيْنِ ضَمِيرِكَ.
فَكُنْ صَاحِبَ مَبْدَإٍ، لَا صَاحِبَ مَصْلَحَةٍ فَقَطْ.
وَكُنْ ثَابِتًا، لَا مُتَحَجِّرًا. وَكُنْ مُرِنًا، لَا مُتَلَوِّنًا.
وَكُنْ شُجَاعًا، لَا مُتَهَوِّرًا.
وَاعْرِفْ أَنَّ المَبْدَأَ لَا يَجْعَلُ طَرِيقَكَ أَسْهَلَ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ خُطْوَاتِكَ أَوْضَحَ، وَأَنَّ الوَفَاءَ لِلْقِيَمِ قَدْ يَجْعَلُكَ تَخْسَرُ أَشْيَاءَ عَابِرَةً، لَكِنَّهُ يَمْنَحُكَ أَشْيَاءَ لَا تَزُولُ.
أَنْ تَخْسَرَ شَيْئًا وَأَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى قَدَمَيْكَ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَرْبَحَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ قَدْ فَقَدْتَ نَفْسَكَ.
فَمَنْ كَانَ لَهُ مَبْدَأٌ، كَانَ لَهُ طَرِيقٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ، كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ، لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهُ مُجَرَّدَ عُبُورٍ فِي زِحَامِ الأَيَّامِ.
فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَرَى أَنَّهُ حَقٌّ، وَكُنْ وَفِيًّا لِمَا تَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ، وَاحْفَظْ كَرَامَتَكَ مَا اِسْتَطَعْتَ، فَالإِنْسَانُ لَيْسَ بِمَا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ، بَلْ بِمَا يَفْعَلُهُ حِينَ تَضَعُهُ الحَيَاةُ أَمَامَ الاِخْتِيَارِ.
فَالمَبَادِئُ لَيْسَتْ مَا نَقُولُهُ حِينَ يَكُونُ العَالَمُ مُنْصِفًا مَعَنَا، بَلْ هِيَ مَا نَفْعَلُهُ حِينَ نَكُونُ قَادِرِينَ عَلَى الظُّلْمِ وَلَا نَظْلِمُ، وَعَلَى الخِيَانَةِ وَلَا نَخُونُ، وَعَلَى الاِنْحِنَاءِ وَلَا نَنْحَنِي. وَتِلْكَ هِيَ العِزَّةُ الَّتِي لَا تُشْتَرَى، وَتِلْكَ هِيَ الحُرِّيَّةُ الَّتِي لَا تُسْلَبُ، وَتِلْكَ هِيَ الحَيَاةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ الإِنْسَانُ أَنْ يَعِيشَهَا.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس