ردي على منشور جاء في موقع Kurdistan MV حول أصل وتاريخ الآشوريين ونظرًا لما جاء به صاح
ردي على منشور جاء في موقع Kurdistan MV حول أصل وتاريخ الآشوريين ونظرًا لما جاء به صاحب المقال من خلط تاريخي وادّعاءات مغلوطة وبشكل مقصود في محاولة ياىسة للإساءة إلى تاريخ عريق وحضارة إمبراطورية كانت في وقت من الأوقات تسيطر على نصف منطقة الشرق الأوسط. طبعًا كلّ هذا يأتي في محاولة لتضخيم خصائص الكرد وتثبيت أسسهم لكن وكما يُقال على أشلاء الآخرين. إنّ مثل هذه النظرة القومية الشوفينية العنصرية المتعالية، لن تفيد الكرد في شيء بل هي تسيء لهم وتظهرهم بمظهر غير أخلاقي وغير أدبي وهنا ردي على مضمون هذا المنشور في محاولة لإظهار مدى الاستهتار بشعب عريق وتاريخ حضارة كان لها أثر عميق في المجتمعات البشرية
إن هذا المنشور يحمل في طيّاته الكثير من المغالطات التاريخية، والأنثروبولوجية، واللغوية، بالإضافة إلى لغة إقصائية وعنصرية تقلب معايير الحقيقة وتتجنّى على الواقع العلمي والتاريخي المستقر. وللردّ على هذه الادعاءات والمزاعم ودحضها علميًّا، يجب التوضيح أولاً أنّ ربط الهوية الآشورية بـ"الطائفة النّسطورية" هو خلط فادح بين الدين والقومية، فالنّسطورية تسمية لاهوتية مسيحية أطلقت على كنيسة المشرق في العصور الوسطى إثر خلافات عقائدية وليست هُوِيّة عرقية، إذ لا تنشأ الشعوب من المذاهب الدينية بل المذاهب تبنّتها شعوب مستقرّة في أرضها حافظت على لغتها الآرامية (السريانية) المَحكيّة والمكتوبة، والتي تمثّل الامتداد المباشر للغات بلاد الرافدين القديمة. أمّا الادّعاء بأنّ الآشوريين الحاليين قادمون من الجزيرة العربية ولا يوجد دليل جيني يثبت أصالتهم، فتفنّده دراسات الحمض النووي (DNA) الحديثة والواسعة النطاق في الشرق الأوسط، والتي أثبتت بالدليل القاطع أنّ المسيحيين الناطقين بالآرامية في العراق وسوريا وجنوب شرق تركيا (من آشوريين وكلدان وسريان) يظهرون استمرارية جينية مُذهلة وفريدة تعود إلى العصور البرونزية والحديدية في ميزوبوتاميا، حيث ظلّ مخزونهم الجيني نقيًّا وقريبًا جدًّا من سكان نينوى وبابل القدماء بفعل الانعزال الاجتماعي والديني لقرون، وهم أبعد ما يكونون جينيًّا عن سكان الجزيرة العربية. وفيما يتعلّق بمحاولة تصوير الكلدان والسريان كشعوب أصيلة رفضت الهُوِيّة الآشورية "المزيفة"، فإنّ الحقيقة التاريخية تؤكّد أنّ هذه التسميات هي فروع لمظلّة قومية وحضارية وثقافية واحدة لبلاد الرافدين، فالتّسمية الكلدانية ظهرت بشكلها الحديث بعد اتحاد جزء من كنيسة المشرق مع روما الكاثوليكية في القرن السادس عشر، والتسمية السريانية هي اللفظ اليوناني بذاته لكلمة "آشوري" حيث حوّل اليونان القدماء لفظ (Assyria) إلى (Syria)، وبالتالي فإنّ الخلافات بين هذه المسميات هي خلافات مؤسساتية كنسية وليست اختلافًا في الأصول العرقية. كذلك، فإنّ زعم المنشور بأنّ مشروع الدولة الآشورية كان في بقعة جغرافية خاطئة بقلب كردستان يمثّل قلبًا كاملًا للحقائق، فالجغرافيا التاريخية المقصودة (مثل هكاري وأورمية ونينوى) هي الموطن الأزلي لآشور، ووجودهم فيها يسبق التمدّد الكردي في الجبال بآلاف السنين، والآشوريون لم يحاولوا استيطان أرض غيرهم بل كانوا يطالبون بحقّهم في البقاء على أرض أجدادهم، خصوصًا بعد تعرّضهم لمذابح الإبادة الجماعية (سيفو) عام 1915 التي شاركت فيها بعض العشائر الكردية بتحريض عثماني وأدّت لتشريدهم. وأخيرًا، فإنّ نبرة التهديد والوعيد بالطّرد لكلّ شخص غير كردي يسكن المنطقة تعكس خطابًا شوفينيًّا إقصائيًّا لا يمثّل الفكر الكردي المنفتح أو الحركات الكردية الرسمية التي تقرّ بالحقوق التاريخية للآشوريين كشركاء أصليين في الأرض والمصير، ومثل هذه المزاعم لا تعدو كونها محاولة بائسة لإعادة كتابة التاريخ بدوافع قومية مُتعصّبة تتجاهل الآثار والوثائق والبحوث الجينية الفاصلة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|