عنوان: الدولة الأموية في بلاد الشام بين التعدد الديني والتمييز القانوني بقلم: فؤاد زا
عنوان: الدولة الأموية في بلاد الشام بين التعدد الديني والتمييز القانوني
بقلم: فؤاد زاديكي
لم تكن مسألة الحكم في بلاد الشام زمن الدولة الأموية مسألة بسيطة يمكن اختزالها في وصفٍ واحدٍ مثل "العدل المطلق" أو "الظلم المطلق"، بل كانت واقعًا تاريخيًا مركّبًا تشكّل داخل سياق القرن السابع والثامن الميلادي، حيث كانت فكرة الدولة نفسها مرتبطة بالدين والهوية العقائدية ارتباطًا وثيقًا.
لقد اعتمد النظام الأموي على كون الإسلام هو دين الدولة، ومن ثمّ نشأ تمييز قانوني واضح بين المسلمين وغير المسلمين. فقد فُرضت الجزية على غير المسلمين، وأُدرجوا ضمن نظام "أهل الذمة"، وهو نظام قانوني يمنحهم الحماية مقابل شروط محددة. ومن هنا ينشأ السؤال الجوهري: هل كان ذلك شكلًا من أشكال الحرية الدينية أم تقييدًا لها؟
من منظور المفهوم الحديث للحرية الدينية، لا شك أن هذا النظام لا يحقق مبدأ المساواة؛ إذ إن المساواة القانونية بين المواطنين لم تكن قائمة، بل كان الانتماء الديني يحدد جزءًا مهمًا من الحقوق والواجبات. فالمسلم يتمتع بوضع قانوني مختلف عن المسيحي أو اليهودي، سواء في الضرائب أو في بعض المناصب أو في العلاقة مع السلطة.
غير أن هذا التمييز القانوني لم يكن يعني بالضرورة منع ممارسة الدين أو القضاء على وجود الديانات الأخرى. فقد استمرت الكنائس والأديرة في بلاد الشام، وظلت الطقوس الدينية قائمة، وبقي رجال الدين يمارسون وظائفهم الروحية، بل وشغل بعض المسيحيين مناصب إدارية ومالية مهمة داخل الدولة الأموية نفسها، خصوصًا في المراحل الأولى.
هنا يظهر التمييز بين مفهومين غالبًا ما يختلطان:
الأول هو "التمييز القانوني"، وهو قائم بالفعل ويعكس بنية الدولة الدينية في ذلك العصر.
والثاني هو "حرية الممارسة الدينية"، والتي كانت موجودة لكن ضمن حدود وشروط يفرضها النظام السياسي والديني الحاكم.
وقد أدّى هذا التداخل إلى جدل تاريخي واسع بين الباحثين، خصوصًا عند مقارنة المصادر الإسلامية بالمصادر السريانية والبيزنطية. فكل مصدر يحمل رؤيته الخاصة، وانحيازاته السياسية والدينية، مما يجعل إعادة بناء الصورة التاريخية تتطلب الجمع بين هذه الشهادات المختلفة لا الاعتماد على واحدة منها فقط.
إن القول بأن الدولة الأموية وفّرت "حرية دينية كاملة" بالمعايير الحديثة سيكون تبسيطًا غير دقيق، كما أن القول بأنها كانت نظام اضطهاد شامل يمنع ممارسة الأديان الأخرى في كل الأوقات سيكون أيضًا تعميمًا لا تدعمه الوقائع التاريخية بشكل مطلق.
وبذلك يمكن الوصول إلى صيغة أكثر توازنًا:
لقد كان نظامًا سياسيًا يقوم على تمييز ديني قانوني واضح، يمنح الإسلام وأهله امتيازات الدولة، مع السماح لبقية الأديان بالبقاء وممارسة شعائرها ضمن إطار غير متكافئ الحقوق.
وهكذا تبقى بلاد الشام في العصر الأموي مثالًا على مجتمعٍ تعدديٍّ من حيث الواقع الديني، لكنه غير متساوٍ من حيث البنية القانونية، وهو ما يجعل فهمه اليوم يتطلب التفريق الدقيق بين مفاهيم العصر الحديث وظروف التاريخ القديم.
__________________
fouad.hanna@online.de
|