الفِكْرُ البَدَوِيُّ وَإِشْكَالِيَّةُ الاِسْتِئْثَارِ بِالتَّارِيخِ: قِرَاءَةٌ نَقْدِ
الفِكْرُ البَدَوِيُّ وَإِشْكَالِيَّةُ الاِسْتِئْثَارِ بِالتَّارِيخِ: قِرَاءَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي الْوَاقِعِ وَالْمَسَارِ الْحَضَارِيِّ
بقلم: الباحث فؤاد زاديكي
لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالنَّقْدِ هُنَا مُهَاجَمَةَ جَمَاعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوِ التَّقْلِيلَ مِنْ شَأْنِ هُوِيَّةٍ ثَقَافِيَّةٍ، بَلْ نَقْدُ نَمَطٍ مِنَ التَّفْكِيرِ يَرَى فِي ذَاتِهِ مَرْجِعًا مُطْلَقًا، وَيُحَاوِلُ تَفْسِيرَ التَّارِيخِ مِنْ مَنْظُورٍ أُحَادِيٍّ يَسْتَبْعِدُ دَوْرَ الْآخَرِينَ وَيَسْتَأْثِرُ بِالْمُنْجَزِ الْحَضَارِيِّ.
إِنَّ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ بِـ«الْفِكْرِ الْبَدَوِيِّ» لَا يُقْصَدُ بِهِ الْبَدَاوَةُ بِوَصْفِهَا نَمَطًا مَعِيشِيًّا، بَلْ بِنْيَةٌ ذِهْنِيَّةٌ تُقَدِّمُ الْاِنْتِمَاءَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَالتَّمْجِيدَ عَلَى النَّقْدِ، وَتَعُدُّ أَيَّ مُرَاجَعَةٍ لِلتَّارِيخِ تَهْدِيدًا لِلْهُوِيَّةِ لَا فُرْصَةً لِفَهْمِهَا.
وَعِنْدَ قِرَاءَةِ التَّارِيخِ بِمَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ، يَتَّضِحُ أَنَّ الْإِنْجَازَ الْحَضَارِيَّ الَّذِي ازْدَهَرَ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَمْ يَكُنْ ثَمَرَةَ قَوْمِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ كَانَ حَصِيلَةَ تَعَاوُنِ شُعُوبٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنَ السُّرْيَانِ وَالْفُرْسِ وَالْأَمَازِيغِ وَالْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، إِلَى جَانِبِ الْعَرَبِ. فَحَرَكَةُ التَّرْجَمَةِ الْكُبْرَى اعْتَمَدَتْ بِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى الْمُتَرْجِمِينَ السُّرْيَانِ الَّذِينَ نَقَلُوا تُرَاثَ الْيُونَانِ وَالرُّومِ وَالْبِيزَنْطِيِّينَ إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْعَرَبِيَّةُ لُغَةً لِلْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ دَاخِلَ دَوْلَةٍ ضَمَّتْ شُعُوبًا وَأَعْرَاقًا مُتَعَدِّدَةً.
إِلَّا أَنَّ الْخَلَلَ يَظْهَرُ حِينَمَا تُخْتَزَلُ هَذِهِ الْمُسَاهَمَاتُ الْجَمَاعِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ تُنْسَبُ فِيهَا جَمِيعُ الْإِنْجَازَاتِ إِلَى طَرَفٍ وَاحِدٍ، فَيُطْمَسُ دَوْرُ السُّرْيَانِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْفُرْسِ فِي الْإِدَارَةِ وَالْعُلُومِ، وَالْأَمَازِيغِ فِي بِنَاءِ دُوَلِ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَسْهَمُوا فِي صُنْعِ ذَلِكَ الْمُنْجَزِ الْإِنْسَانِيِّ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ التَّارِيخُ مِنْ مَعْرِفَةٍ إِلَى أَدَاةٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ لِتَكْرِيسِ التَّفَوُّقِ الرَّمْزِيِّ.
إِنَّ الْحَضَارَاتِ لَا تُبْنَى بِالِانْعِزَالِ، وَلَا تَنْشَأُ بِالِاسْتِئْثَارِ بِالْفَضْلِ، بَلْ بِالِانْفِتَاحِ وَالتَّفَاعُلِ وَتَرَاكُمِ الْخِبْرَاتِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ أَخْطَرَ مَا يَحْمِلُهُ هَذَا النَّمَطُ مِنَ التَّفْكِيرِ هُوَ إِصْرَارُهُ عَلَى رَفْضِ الِاعْتِرَافِ بِفَضْلِ الْآخَرِينَ، وَإِعَادَةُ كُلِّ إِنْجَازٍ إِلَى الذَّاتِ، وَهُوَ مَا يُنْتِجُ وَعْيًا تَارِيخِيًّا مُغْلَقًا يَعْجَزُ عَنْ فَهْمِ كَيْفَ تَتَكَوَّنُ الْحَضَارَاتُ فِعْلًا.
وَلَعَلَّ أَبْرَزَ مَا يَكْشِفُ مَحْدُودِيَّةَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ هُوَ أَنَّ الْبِيئَةَ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا الثَّقَافَةُ الْبَدَوِيَّةُ لَمْ تَعْرِفْ، قَبْلَ تَحَوُّلَاتِ الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، نَهْضَةً عِلْمِيَّةً أَوْ صِنَاعِيَّةً تُقَارَنُ بِمَا عَرَفَتْهُ الْمَنَاطِقُ الزِّرَاعِيَّةُ وَالْمُدُنُ الْكُبْرَى. وَفِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، جَاءَ التَّحَوُّلُ الِاقْتِصَادِيُّ الْكَبِيرُ بِفَعْلِ اكْتِشَافِ الثَّرْوَاتِ النِّفْطِيَّةِ وَتَطْوِيرِهَا بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْخِبْرَاتِ وَالشَّرِكَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ لَا تَنْتَقِصُ مِنْ أَحَدٍ، وَلَكِنَّهَا تُؤَكِّدُ أَنَّ التَّنْمِيَةَ الْحَدِيثَةَ نِتَاجُ تَعَاوُنٍ وَلَيْسَتْ نِتَاجَ اكْتِفَاءٍ ذَاتِيٍّ.
وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ الْخُطُورَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِاسْتِمْرَارِ هَذَا النَّمَطِ الْفِكْرِيِّ؛ فَلَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي قِرَاءَةِ الْمَاضِي فَحَسْبُ، بَلْ فِي تَوْجِيهِ الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ. فَالِاقْتِصَادُ الْمَعْرِفِيُّ الْمُعَاصِرُ يَقُومُ عَلَى الشَّرَاكَةِ، وَتَبَادُلِ الْخِبْرَاتِ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْمُسَاهَمَاتِ الْمُتَبَادَلَةِ، أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي تَرَى نَفْسَهَا مَصْدَرَ كُلِّ فَضْلٍ، وَتُقْصِي كُلَّ مَنْ سِوَاهَا، فَإِنَّهَا تُعِيدُ إِنْتَاجَ الْعُزْلَةِ، وَتُعَوِّقُ الِابْتِكَارَ، وَتُضْعِفُ الْقُدْرَةَ عَلَى الِانْدِمَاجِ فِي عَالَمٍ يَقُومُ عَلَى التَّكَامُلِ لَا عَلَى الِاحْتِكَارِ.
إِنَّ الِاحْتِرَامَ الْحَقِيقِيَّ لِلتَّارِيخِ لَا يَكُونُ بِتَضْخِيمِ دَوْرِ أُمَّةٍ عَلَى حِسَابِ غَيْرِهَا، وَلَا بِإِنْكَارِ إِسْهَامِ أَيِّ شَعْبٍ، بَلْ بِالِاعْتِرَافِ بِأَنَّ الْحَضَارَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مَشْرُوعٌ تَرَاكُمِيٌّ سَاهَمَ فِيهِ الْجَمِيعُ، وَأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَنْ يُبْنَى بِتَمْجِيدِ الذَّاتِ، بَلْ بِالنَّقْدِ الْعِلْمِيِّ، وَالِانْفِتَاحِ عَلَى الْآخَرِ، وَالِاعْتِرَافِ الْمُنْصِفِ بِفَضْلِ كُلِّ مَنْ أَسْهَمَ فِي صُنْعِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحَضَارَةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|