الانوار البهيّة في (عطى) الآزخيّة ٥ بقلم: فؤاد زاديكي عَطَينهُو وِچّ صارْ بِدُّو ب
الانوار البهيّة في (عطى) الآزخيّة
٥
بقلم: فؤاد زاديكي
عَطَينَهُو وِچّ صارْ بِدُّو بَطَانِهْ: هذا المثلُ الشّعبيُّ دَارِجٌ في بلادِ الشّامِ عُمُومًا كَمَا أنّهُ دَارِجٌ في لهْجَتِنَا الآزِخيّة. تَزْخَرُ الذَّاكِرَةُ الشَّعْبِيَّةُ فِي الْمَشْرِقِ الْعَرَبِيِّ بِإِرْثٍ غَنِيٍّ مِنَ الأَمْثَالِ الَّتِي تُشَكِّلُ مِرْآةً صَافِيَةً لِطَبَائِعِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَرْصُدُ السُّلُوكِيَّاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ بِدِقَّةٍ تَنَافُسُ أَعْمَقَ النَّظَرِيَّاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ. وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الأَمْثَالِ السَّائِرَةِ، يَبْرُزُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ الشَّامِيُّ الْقَدِيمُ: "عَطَينَهُو وِچّْ صَارْ بِدُّو بَطَانِهْ"، وَهُوَ مِنَ الأَمْثَالِ الَّتِي لَمْ تَقْتَصِرْ حُدُودُ تَدَاوُلِهَا عَلَى الْحَوَاضِرِ الشَّامِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ تَتَجَذَّرُ أَيْضاً وَتَدُورُ عَلَى الأَلْسِنَةِ فِي لَهْجَتِنَا الآزَخِيَّةِ التُّرَاثِيَّةِ الْعَرِيقَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ الْمَنْبَعِ الثَّقَافِيِّ وَالتَّمَازُجِ الْحَضَارِيِّ فِي مِنْطَقَةِ الْجَزِيرَةِ وَبِلَادِ الشَّامِ.
يُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ لِوَصْفِ حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَهِيَ حِينَمَا يُبْدِي الإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ لُطْفاً زَائِداً، أَوْ مَظْهَراً مِن مَظَاهِرِ اللِّينِ، وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَالتَّسَامُحِ، فَيَعْمَدُ الطَّرَفُ الآخَرُ — بَدَلَ أَنْ يُقَابِلَ الإِحْسَانَ بِالإِحْسَانِ — إِلَى اسْتِغْلَاءِ هَذِهِ الأَرْيَحِيَّةِ وَالتَّجَاوُزِ النَّبِيلِ، فَيَتَخَطَّى حُدُودَهُ الْمَرْسُومَةَ، وَيَطْمَعُ فِي نَيْلِ مَزِيدٍ مِنَ الْمَكِاسِبِ بِشَكْلٍ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنَ الِاسْتِهْتَارِ وَالْوَقَاحَةِ.
وَعِنْدَ تَفْكِيكِ أَلْفَاظِ هَذَا الْمَثَلِ لُغَوِيّاً وَتُرَاثِيّاً، نَجِدُ أَنَّ عِبَارَةَ "عَطَينَهُو وِچّْ" (أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ وَجْهًا) تَرْمُزُ فِي الْمَفْهُومِ الشَّعْبِيِّ إِلَى الْبَشَاشَةِ، وَالتَّرْحِيبِ، وَعَدَمِ الصَّدِّ، حَيْثُ يُفْتَحُ لِلشَّخْصِ بَابُ الْقَبُولِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مُحْتَرِماً. أَمَّا عِبَارَةُ "صَارْ بِدُّو بَطَانِهْ" (أَيْ: أَصْبَحَ يُطَالِبُ بِالْبَطَانَةِ)، فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ ذَكِيَّةٌ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ مِهْنَةِ الْخِيَاطَةِ وَتَفْصِيلِ الثِّيَابِ. فَالْبَطَانَةُ هِيَ ذَلِكَ الْقُمَاشُ الدَّاخِلِيُّ الَّذِي يُبَطَّنُ بِهِ الْمِعْطَفُ أَوْ الثَّوْبُ الْفَاخِرُ لِيَمْنَحَهُ مَتَانَةً وَمَظْهَراً مُكْتَمِلاً وهِيَ هُنا بَطَانَة اللحاف، فالتَّشْبِيهُ هُنَا يَتَجَلَّى فِي أَنَّكَ كَأَنَّمَا تَبَرَّعْتَ لِأَحَدِهِمْ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ ثَمِينَةٍ لِتَكُونَ "وَجْهًا" لِثَوْبِهِ كَرَمَا مِنْكَ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ طَمِعَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ هَذَا، وَطَالَبَكَ صَارِخًا بِأَنْ تَمْنَحَهُ "الْبَطَانَةَ" أَيْضًا لِيُكْمِلَ كِسْوَتَهُ تَمَامًا عَلَى نَفَقَتِكَ وَحِسَابِكَ دُونَ أَدْنَى حَيَاءٍ.
وَيَتَقَاطَعُ هَذَا الْمَثَلُ فِي عُمْقِهِ الدَّلَالِيِّ مَعَ مَثَلٍ آخَرَ لَا يَقِلُّ عَنْهُ شُهْرَةً وَهُوَ: "تَمَسْكَنَ حَتَّى تَمَكَّنَ"، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ دَقِيقٌ يَسْتَوْجِبُ التَّوْضِيحَ. فَمَثَلُ "عَطَينَهُو وِچّْ صَارْ بِدُّو بَطَانِهْ" يُرَكِّزُ عَلَى خَطَأِ الْمُعْطِي فِي الإِفْرَاطِ بِالدَّلَالِ وَاللِّينِ، مِمَّا فَتَحَ شَهِيَّةَ الآخَرِ لِلطَّمَعِ الْمُفَاجِئِ. بَيْنَمَا مَثَلُ "تَمَسْكَنَ حَتَّى تَمَكَّنَ" يَرْمِي إِلَى رَصْدِ سُلُوكٍ مَبْنِيٍّ عَلَى خِطَّةٍ مُسْبَقَةٍ وَدَهَاءٍ مَدْرُوسٍ، حَيْثُ يَرْتَدِي الإِنْسَانُ الْوُصُولِيُّ ثَوْبَ الْمَسْكَنَةِ، وَالضَّعْفِ، وَالْحَاجَةِ لِاسْتِدْرَارِ عَطْفِ النَّاسِ وَتَنْوِيمِ حَذَرِهِمْ، حَتَّى إِذَا مَا نَالَ مُبْتَغَاهُ وَأَصْبَحَ فِي مَوْقِعِ قُوَّةٍ وَسَيْطَرَةٍ (تَمَكَّنَ)، كَشَفَ عَنْ أَنْيَابِهِ وَانْقَلَبَ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ.
إِنَّ هَذِهِ الأَمْثَالَ، سَوَاءً جَرَتْ بِأَلْفَاظِهَا الشَّامِيَّةِ أَوْ تَرَدَّدَتْ فِي أَصَالَةِ لَهْجَتِنَا الآزَخِيَّةِ، تُعْتَبَرُ بِمَثَابَةِ قَوَانِينَِ ضَبْطٍ لِلْعَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ. وَهِيَ تَصُبُّ فِي مَعْنَى الْبَيْتِ الشِّعْرِيِّ الْخَالِدِ لِأَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي الَّذِي يَخْتَصِرُ هَذِهِ الْجَدَلِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
> إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ... وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا
>
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّوْجِيهَ الْحَصِيفَ الَّذِي يَقُودُنَا إِلَيْهِ هَذَا الشَّرْحُ الْمُسْتَفِيضُ هُوَ ضَرُورَةُ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الطِّيبَةِ وَالْحَذَرِ، وَأَلَّا يَضَعَ الإِنْسَانُ مَعْرُوفَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، كَي لَا يَتَحَوَّلَ الْكَرَمُ إِلَى فُرْصَةٍ يَمْتَطِيهَا الطَّامِعُونَ لِتَجَاوُزِ الْحُدُودِ وَهَضْمِ الْحُقُوقِ.
انتهى
__________________
fouad.hanna@online.de
|