عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 02-03-2026, 07:54 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,897
افتراضي القسم الثاني من هامش على ملحمة آزخ البطولية. بقلم: فؤاد زاديكي

بسبب ما شاع وانتشر من أخبار سيئة عن مصير بعض القرى المسيحية امتنعت آزخ عن تسليم سلاحها. وكانت تلك خطوة صحيحة، ثَبُتت صحّتها بعد ذلك، وكانت السبيل لنجاة أهل آزخ من موت محقّق.
٢- فكرة بناء السور: لقد كانت فكرة بناء سور حول آزخ لحمايتها من الهجمات ومن تسلّل جنود أو عناصر من العشائر الكردية المشاركة مع الجيش التركي في الحصار والهجوم. لقد كانت هذه الفكرة من اقتراح القس موسى كتى، وبعد النقاش بين مؤيد ومعارض، هناك من قال: كيف سنتمكن من إنجاز ذلك في هذه المدّة القصيرة، فالأحوال تسوء يومًا بعد يوم، لكنّ هناك من قال سنحاول، والمحاولة هي أفضل من عدم فعل شيء. فعلى الأقلّ سيكون لدينا شعور ببعض الأمان، في النهاية وبعد استعراض مختلف الآراء والمقترحات ووجهات النظر، اقتنع الكلّ بأنّ بناء السور فكرة سليمة وضرورية، وفعلًا تمّ البدء ببناء السور حول آزخ من جميع الجهات إلّا جهة واحدة كانت محمية من حيث طبيعة المكان. شارك في بناء السور الرجال والنساء والشباب والفتيات بهمّة ونشاط وغيرة وحماس. لقد أتمّوا بناءه بسرعة خيالية وكما تخيّلوا أن يكون، بقيت سَسْ ريزات (ثلاث صفوف) من الحجر الأبيض باقية كشاهد عيان على تلك الفترة العصيبة، إلى سنوات كثيرة بعد تلك الحرب، وهي تشير إلى عزيمة شعب يرغب بالحياة، لانّه يحب الحياة.
بدأت مرحلة التحضير لأيّ خطر مُمكن وُقوعه, لهذا قام الأهالي في آزخ بشراء ما يلزم من مؤن وغذاء ومستلزمات أخرى مثل الملح والسكر وغيره تكفي لوقتٍ طويل, وقاموا بتعبئة فوارغ الرصاص و صنع البارود وشراء ما يتوفّر من البواريد
حين توالت الأنباء من القرى المجاورة، لم تعد آزخ تسمع أخبارًا عابرة، بل كانت تسمع صدى النهاية وهي تقترب. أخبارٌ عن مذابح لا تفرّق بين شيخٍ وطفل، ولا بين امرأةٍ ورجل، عن بيوتٍ أُحرقت بمن فيها، وأرزاقٍ نُهبت، وعائلاتٍ شُرّدت في العراء بلا زادٍ ولا مأوى. كانت الحكايات تصلهم مثقلةً بالدموع، يرويها ناجون حُفاة، تتكسّر الكلمات على شفاههم من شدّة الفجيعة.
عندئذٍ أدرك رجال آزخ أنّهم لم يعودوا أمام إشاعاتٍ تُتداوَل، بل أمام مصيرٍ يطرق الأبواب طرقاً عنيفاً.
دُعي إلى اجتماعٍ عام في ساحة البلدة، حيث اعتاد الناس أن يتشاوروا في شؤونهم الصغيرة والكبيرة. لكنّ هذا الاجتماع لم يكن كسابقاته, لم يكن اجتماعًا لفضّ نزاعٍ على أرضٍ أو ماء، ولا لمناقشة حصادٍ أو ضرائب، بل كان اجتماعًا على حافّة الوجود ذاته. اجتمع الزعماء ووجوه القوم، ومن بينهم ببّو أسطيفو، وأوسي كوري، وحنّا إيليا، ويوسف الخوري، وكان بينهم أيضاً إيشوع حنّا، الذي أخذت ملامحه منذ أيامٍ مسحةً من حزمٍ لا رجعة فيه.
ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يبدأ الكلام، صمتٌ كأنّ الجبال المحيطة بالبلدة قد اقتربت لتصغي. كان كلّ رجلٍ في الساحة يعلم أنّ القرار الذي سيُتَّخذ لن يكون قرار يومٍ أو أسبوع، بل قرار حياةٍ أو موت.
تداولوا في الأخبار، واستعرضوا ما حلّ بالقرى من حدود العجم إلى بدليس وسعرت والجزيرة، وكيف امتدّت المذابح كالنّار في الهشيم، تلتهم خمسين قريةً أو يزيد، قتلًا ونهبًا وتشريدًا بلا رحمة. لم تكن الوقائع بحاجة إلى مبالغة، كانت الحقيقة أفظع من كلّ تصوير.
نهض أحدهم وقال بصوتٍ خافتٍ لكنّه ثابت:
"إن سلّمنا، فَلِمَنْ نسلّم؟ ولأيّ وعدٍ نركن، وقد رأينا كيف تُنقض الوعود؟"
عندها تقدّم إيشوع حنّا، وقد بدا كأنّ الفكرة قد نضجت في صدره منذ زمن، وقال:
"لن يُحفظ بيتٌ بلا سور، ولن تُصان قريةٌ بلا دفاع. علينا أن نُقيم سورًا يحيط بآزخ من أطرافها جميعًا، سورًا من حجارة الجبال، وسورًا من عزم الرجال." فأجابه على الفور القس موسى كتي موافقًا.
تردّد الاقتراح لحظةً في الهواء، ثم ما لبث أن استقرّ في القلوب. وتوالت الأصوات حتى صارت قرارًا جامعًا:
"سندافع ونحارب إلى آخر نسمةٍ من حياتنا، ولا نأتمن الأتراك ولا زعماء العشائر، مهما زيّنوا لنا القول ومهما تلوّنوا بالعهود, لقد خبرنا غدرهم وخيانتهم في أكثر من موقف وزمان".
وهكذا وُلِد القرار الكبير.
لم ينتظر أهل آزخ طويلًا. ما إن أُعلِن العزم حتى تحوّلت البلدة إلى ورشةٍ مفتوحة تحت السماء. شرعوا في بناء سور الدفاع حول أطرافها كلّها، لا يفرّقون بين نهارٍ وليل. كان الرجال يقتطعون الحجارة من الجبل، يحملونها على أكتافهم ويصفّونها طبقةً فوق طبقة. وكان الشيوخ، رغم انحناء ظهورهم، يناولون الحجارة ويشدّون من أزر الشباب. أمّا النساء والبنات، فقد كنّ يملأن السلال بالحجارة الصغيرة، ويخلطن التراب بالماء، ويسهرن على إعداد الطعام للعمّال، ثم لا يلبثن أن يعدن إلى الصفّ يعملن بأيديهنّ كما يعمل الرجال.
كان السور يرتفع حجرًا فوق حجر، ومع كلّ حجرٍ كانت ترتفع معه إرادة البلدة.
لم يُخفَ الأمر على خصومهم. فما إن علم الأتراك وزعماء الجزيرة بأنّ آزخ تبني سورًا للدفاع حتى تحرّكت الدوائر السياسية سريعًا. أُرسل وفدٌ من رؤساء العشائر ووجهائهم إلى البلدة، يحملون في ظاهرهم كلمات الطمأنة، وفي باطنهم رغبةً في كسر هذا العزم قبل أن يستحكم.
دخل الوفد آزخ برئاسة الكاتب في السّراي (كبرو خدّو أفندي) وهو سرياني أرثوذكسي، واستُقبل في ساحة الاجتماع نفسها. جلس الطرفان متقابلين، والعيون ترصد كلّ حركةٍ وكلّ نبرة.
تقدّم رئيس الوفد وقال بصوتٍ حاول أن يجعله ودودًا: وهو يرغب في ثنيهم عن فكرة بناء السور:
"أيّها الإخوة، لا تُدخلوا أنفسكم في أوهام. لا يوجد ما تخشونه. الحكومة وعدتكم وعدًا صادقًا. أنتم شعبٌ محبوب، ولكم وصايا ملوك بني عثمان وعمر الخطاب المحترم. الحكومة تحميكم وتمنع عنكم كلّ تعدٍّ".
كان كلامه ينساب سلسًا، لكنّ أثره لم يتجاوز سطح الساحة.
تبادل زعماء آزخ نظراتٍ قصيرة، ثم أجاب أحدهم باسم الجميع:
"نحن لا نؤمن بكم ولا بوعودكم، لأنّ الواقع يكذّب القول. وعدتم جميع السريان بالحماية من كلّ تعدٍّ، والحكومة تعلم بذلك. ومع ذلك، شملتم مذابح السريان مع الشعب الأرمني من حدود العجم إلى بدليس وسعرت والجزيرة، وامتدّت إلى قرانا. شرّدتم عشرات القرى، قتلٌ ونهبٌ وتشريد بلا رحمة. فكيف نُسلّم رقابنا لوعودٍ رأيناها تُنقَض أمام أعيننا؟"
ساد الصمت لحظةً، ثم أردف المتكلّم بصوتٍ أكثر صلابة:
"بلّغوا حكومتكم أنّنا لم نحارب أحدًا قط. لم نبدأ بعدوان، ولم نعتدِ على جار. لكنّنا سنحارب دفاعًا عن أرواحنا وشرفنا مهما كلّف الأمر. إمّا الموت أو الحياة. ولن نقبل إرسال وفودٍ بعد اليوم".
ثم ختم (كبرو خدّو) الكلام بقوله ساخرًا:
"أهل آزخ الزّراطين يقولن إنّهم سوف يقاومون الحكومة, كيف لكم أن تستطيعوا فعل ذلك؟ " ثمّ هزّ رأسه بسخرية متمتمًا: قال سوف يقاومون الحكومة قال"
فأجابه رجال آزخ بالقول: " نحن نبني السور بأنفسنا وليس بك, ولسنا بحاجة لنصيحتك"
غادر الوفد، وبقيت آزخ واقفةً خلف سورها الذي لم يكتمل بعد، لكنّه كان قد اكتمل في القلوب. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السور حجارةً تُرصّ فحسب، بل صار إعلانًا صريحًا بأنّ هذه البلدة اختارت أن تكتب مصيرها بيدها، مهما كان الثمن.
مع انبلاج فجر الأوّل من تموز 1915م، كانت آزخ قد دخلت طورًا جديدًا من المحنة. لم يعد الخطر إشاعةً تتناقلها الألسن، ولا وعيدًا يتردّد في رسائل التهديد، بل صار حصارًا حقيقياً يطوّق البلدة من كلّ جهة. احتشدت العشائر الكردية حولها كحلقةٍ من نار، وتوزّعت مواقعها على التلال والمرتفعات المطلّة على السور الذي لم يكد يجفّ طينه بعد.
قُسِّم السور بينهم كما تُقسَّم الغنائم قبل الظفر بها، خُصِّص لكلّ زعيم عشيرةٍ مقطعٌ معلوم من السور، يتعهّد باقتحامه وكسر شوكته. كان في الأمر شيءٌ من التحدّي القبلي، وشيءٌ من الرغبة القديمة في إذلال آزخ التي طالما بقيت عصيّة على الانحناء. لم يكن الهدف مجرّد دخول البلدة، بل كسر اسمها بين العشائر، والتفاخر بأنّهم هم من أسقطها بعد سنواتٍ من الترقّب والطمع.
في اليوم الموعود، انطلق الهجوم دفعةً واحدة، كأنّ الأرض نفسها قد لفظت رجالها دفعةً نحو الأسوار. تعالت الصيحات، واختلط غبار الأقدام بدخان البنادق. وكان المهاجمون، وهم يندفعون بشراسة، يردّدون كلمةً واحدة تتردّد بين الصخور: "هيريشا! هيريشا!" بالكردي وتعني الهجوم، الاقتحام، الاعتداء. كانت الكلمة أشبه بإيقاعٍ حادّ يضرب في الهواء، يحمّس الصفوف ويُلهب الحناجر.
ظنّ الغزاة أنّ المباغتة الشاملة، والهجوم المتزامن من جميع أطراف السور، كفيلان بإرباك المدافعين وشقّ صفوفهم. تصوّروا أنّ ساعاتٍ قليلة ستكفي لرفع الرايات فوق البيوت، وأنّ البلدة الصغيرة ستنهار تحت ثقل العدد والاندفاع. لكنّهم لم يحسبوا حساب الإرادة التي كانت تتحصّن خلف الحجارة.
من وراء السور، كان رجال آزخ يقفون كتفًا إلى كتف، بنادقهم مصوّبة، وقلوبهم أشدّ صلابةً من الحجارة التي احتموا بها. لم يكن لديهم ترف التراجع، ولا خيار الانسحاب. كانوا يدركون أنّ السور إن سقط، سقط معه كلّ شيء: البيوت، الكنائس، العائلات، والذكريات.
اندفع المهاجمون في موجاتهم الأولى، فتلقّاهم الرصاص من خلف المتاريس. سقط أوّل القتلى، ثم الثاني، ثم توالت الجثث على السفوح. ومع ذلك لم يتوقّف الاندفاع، بل تجدد في دفعاتٍ متلاحقة، كلّ دفعةٍ أشدّ حماسةً من سابقتها. كانت صيحات "هيريشا" تتجدّد مع كلّ موجة، كأنّها محاولةٌ لدفع الخوف بعيدًا وإقناع النفس بأنّ الغلبة قريبة.
لكنّ اليوم الأوّل انقضى دون أن يُفتح ثغرٌ في السور. ومع غروب الشمس، كان المهاجمون قد تكبّدوا خسائر جسيمة، فيما سقط من المدافعين أيضًا شهداء وجرحى، غير أنّ مواقعهم بقيت ثابتة. حلّ الليل، واشتعلت نيران الحراسة على جانبي السور، وكلّ فريقٍ يعدّ قتلاه ويضمد جراحه استعداداً ليومٍ جديد.
جاء اليوم الثاني أشدّ قسوةً. أعاد المهاجمون تنظيم صفوفهم، وتقدّموا بعنفٍ أكبر، ظنّاً أنّ شدّة الضربة كفيلة بكسر المقاومة. غير أنّهم كلّما اقتربوا من السور، تعثّروا بجثث قتلاهم التي لم يُتح لهم سحبها في زحمة القتال. صار الطريق إلى السور مفروشًا بأجساد من سبقوهم، وكأنّ الأرض نفسها تقف في وجههم. ومع كلّ محاولة اقتحام، كانت الخسائر تتضاعف، حتى فاقت خسائر اليوم الأوّل.
تكرّر المشهد سبعة أيامٍ متتالية. سبعة أيامٍ من الكرّ والفرّ، من الصيحات والدخان، من الدم الذي سال على التراب الحارّ. كانوا يهاجمون على شكل دفعاتٍ متتابعة، يتقدّمون ثم يتراجعون، يصرخون "هيريشا" بأصواتٍ مبحوحة، لكنّ السور ظلّ قائمًا، صامتًا، شاهدًا على عجزهم عن اختراقه.
ومع كلّ يومٍ يمرّ، كانت كفّة الخسائر تميل أكثر نحو المهاجمين. ازداد عدد قتلاهم وجرحاهم، وبدأ اليأس يتسرّب إلى صفوفهم كما يتسرّب الماء في الشقوق الدقيقة. أمّا آزخ، فكانت رغم جراحها، تزداد يقينًا بأنّ الصمود ليس حلماً، بل واقعاً يُصنع ساعةً بعد ساعة، ويُكتب بالدم والثبات.
وهكذا انتهى الأسبوع الأوّل من الحصار، لا كما تمنّى الغزاة، بل كما أراد المدافعون: سورٌ ما يزال واقفًا، وبلدةٌ لم تنكسر، ومعركةٌ مفتوحة على أيامٍ أشدّ وأعسر.
أمام تلك الخيبة الثقيلة التي خيّمت على رؤوسهم، وأمام المفاجأة التي لم تكن في حسبانهم، وقف زعماء العشائر في حيرةٍ لم يألفوها من قبل. لم يكن سقوط آزخ، في تصوّرهم، سوى مسألة وقتٍ قصير، غير أنّ الأيام السبعة الأولى بدّدت يقينهم، وكشفت لهم أنّهم أمام خصمٍ لا يُقاتل بالحجارة والرصاص وحدهما، بل بإرادةٍ عصيّة على الكسر.
عندئذٍ لجؤوا إلى حيلةٍ أخرى. قرّروا أن يحفروا الخنادق حول البلدة، وأن يُقيموا استحكاماتٍ خلف خطوطهم الأولى، فيشدّدوا الطوق ويحوّلوا الحصار إلى قبضةٍ خانقة. انتشرت المعاول على السفوح، وغاصت في التراب، وشُقّت الخنادق كجراحٍ طويلة تطوّق آزخ من كلّ جانب. أرادوا أن يمنعوا عنها الهواء قبل أن يمنعوا عنها الخبز، وأن يجعلوا منها جزيرةً مُحاصَرة وسط بحرٍ من البنادق.
بدأت مرحلةٌ جديدة من القتال، لم تعد هجماتٍ عاصفة تُشنّ دفعةً واحدة، بل صار الحصار قصفاً نهاريًا لا ينقطع، تتردّد أصداؤه بين الجبال، وهجماتٍ ليلية مُباغتة، يحاول فيها المهاجمون التسلّل تحت جنح الظلام علّهم يجدون ثغرةً في السور. كانت آزخ تستيقظ على صوت الرصاص، وتنام - إن نامت - على ترقّب خطوةٍ غادرة في العتمة.
استمرّ هذا الوضع أربعين يومًا كاملة، أربعين يومًا من الترقّب والتعب والقلق المتواصل. أربعون يومًا والسور ما يزال قائمًا، لم يُقتحم، ولم تُكسَر شوكته. كانت البلدة الباسلة تقاوم كما لو أنّ في حجارتها روحًا، وكأنّ كلّ حجرٍ منها قد أقسم أن لا يتزحزح ما دام في صدور أهلها نَفَسٌ يتردّد.
غير أنّ ثمن هذا الإصرار كان باهظًا على الطرفين. تكاثرت أعداد القتلى في صفوف العشائر المهاجمة حتى غصّت بهم الخنادق والسفوح. لم يعودوا قادرين على دفنهم جميعًا، فتكوّمت الجثث تحت الشمس، وانتشرت الروائح الثقيلة في الهواء. كان النسيم الذي يهبّ من جهة المعسكرات يحمل معه رائحة الموت، تختلط برائحة الدم والتراب والعرق، حتى ضاقت بها صدور الرجال قبل أن تضيق بها أنوفهم.
شيئًا فشيئًا، بدأ الإدراك يتسرّب إلى عقولهم: إن استمرّوا على هذا المنوال، فلن تكون آزخ وحدها التي تدفع الثمن، بل سيُفنى رجالهم قبل أن تُفتح أبواب البلدة. لم تَعُد القضية مجرّد عنادٍ أو مفاخرةٍ قبلية، بل صارت مسألة بقاء.
عندها اجتمع زعماء العشائر مرّةً أخرى، ولكن لا لاقتسام السور هذه المرّة، بل لبحث سبل الانسحاب. جاء القرار ثقيلًا على نفوسهم، غير أنّه كان القرار الوحيد الممكن. انسحبوا بمقاتليهم، وتراجعوا عن آزخ كما يتراجع موجٌ انكسر على صخرةٍ صلبة. كان انسحابًا غير مشرّف، هزيمةً نَكراء لا تطالهم وحدهم، بل تطال الفكرة التي حملوها معهم: فكرة أنّ القوّة العددية تكفي لإخضاع الحقّ.
وهكذا انقشع الطوق، وبقيت آزخ واقفةً، وإن كانت جراحها كثيرة.
لكنّ انتهاء الحصار لم يكن نهاية المحنة. فقد تركت الأربعون يومًا آثارها العميقة في حياة البلدة. لم تعد المؤن كما كانت، ولا المخازن عامرةً بالقمح والزيت. أتلفت الكروم التي كانت مصدر رزقهم، وسُحقت الحقول التي طالما أعطتهم خبزهم اليومي. صار الجوع شبحًا يتجوّل بين البيوت، يطرق الأبواب بلا استئذان.
كان الأطفال ينظرون إلى وجوه أمهاتهم طلبًا للطعام، وكانت الأمهات ينظرن إلى الرجال بصمتٍ موجع. أدرك أهل آزخ أنّهم إن لم يتحرّكوا، فالموت جوعًا سيكون مصيرهم بعد أن نجوا من الموت بالسيف.
هنا بدأت مرحلةٌ أخرى، أقلّ صخبًا من المعارك، لكنّها لا تقلّ خطورةً عنها. تقرّر أن يبقى نصف الرجال في البلدة لحراستها وصونها، فيما يخرج النصف الآخر في مجموعاتٍ صغيرة نحو القرى الكردية المجاورة. لم يكن خروجهم بدافع الاعتداء أو الانتقام، بل بدافع الضرورة القاسية: البحث عن اللحم والغذاء والملح، وكلّ ما يُبقي الرمق في الأجساد.
كانت تلك الغزوات أشبه برحلاتٍ محفوفةٍ بالخطر، يمضون فيها وهم يدركون أنّهم قد لا يعودون، لكنّهم يمضون لأنّ البقاء نفسه يتطلّب المجازفة. كانوا يردّدون بينهم مثلاً آزخياً صار عنوان تلك المرحلة:
"قُوتْ، لا تمُوتْ"، هما كلمتان تختصران فلسفة البقاء كلّها؛ فالإنسان، مهما سما بروحه، يبقى محتاجًا إلى لقمةٍ تسنده، وإلى جرعة ماءٍ تحفظ حياته. لم يكن في الأمر عيبٌ ولا ضعف، بل كان اعترافًا بأنّ الدفاع عن الكرامة لا ينفصل عن صون الجسد من الهلاك.
وهكذا دخلت آزخ فصلًا جديدًا من فصول صمودها: صمودٌ لا يقوم هذه المرّة على البنادق وحدها، بل على القدرة على تحمّل الجوع، وعلى اقتسام اللقمة، وعلى الإيمان بأنّ البلدة التي صمدت أمام السلاح، لن تسقط أمام الحاجة.
(نتابع في الفصل القادم الحصار الثاني على آزخ من قبل الجنرال العثماني عمر ناجي بك)
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس