قَسْوَةِ القُلُوبِ بانعِدامٍ الرّحمةِ (قراءةٌ وجدانيّةٌ وفِكرٍيّةٌ) الشّاعر السّوري
قَسْوَةِ القُلُوبِ بانعِدامٍ الرّحمةِ
(قراءةٌ وجدانيّةٌ وفِكرٍيّةٌ)
الشّاعر السّوري فؤاد زادبكي
إِنَّ القَسْوَةَ جَدْبٌ يُصِيبُ الرُّوحَ، فَيَسْلُبُهَا نَضَارَتَهَا وَيُحِيلُهَا إِلَى قَفْرٍ خَاوٍ مِنَ المَشَاعِرِ.
حِينَمَا تَنْزَوِي الرَّحْمَةُ بَعِيدًا، تَصِيرُ القُلُوبُ كَالحِجَارَةِ الصَّمَّاءِ، لَا تَلِينُ لِدَمْعٍ وَلَا تَرِقُّ لِأَنِينٍ.
إِنَّ انْعِدَامَ الرَّحْمَةِ يَعْنِي انْقِطَاعَ الحِبَالِ السَّامِيَةِ الَّتِي تَرْبِطُ البَشَرَ بِخَالِقِهِمْ وَبِبَعْضِهِمُ البَعْضِ.
فِي هَذِهِ الحَالَةِ، يَتَحَوَّلُ الإِنْسَانُ إِلَى كَائِنٍ مَادِّيٍّ صِرْفٍ، يَرَى الوُجُودَ مَصَالِحَ جَافَّةً فَقَطْ.
تَتَجَلَّى القَسْوَةُ فِي نَظَرَاتِ الازْدِرَاءِ، وَفِي الكَلِمَاتِ القَارِصَةِ الَّتِي تَمْزِقُ نِيَاطَ القُلُوبِ الكَسِيرَةِ.
وَمِنْ نَتَائِجِهَا السَّلْبِيَّةِ انْتِشَارُ الكَرَاهِيَةِ، وَتَفَكُّكُ الرَّوَابِطِ الأُسَرِيَّةِ، وَضَيَاعُ التَّكَافُلِ الاجْتِمَاعِيِّ.
العَلَاقَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ عِنْدَمَا تَفْتَقِدُ لِلرَّحْمَةِ تُصْبِحُ عِبْئًا ثَقِيلًا، وَمَيْدَانًا لِلصِّرَاعِ وَالأَنَانِيَّةِ.
فَالصَّدِيقُ لَا يَعْذِرُ صَدِيقَهُ، وَالقَرِيبُ لَا يَحْنُو عَلَى قَرِيبِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى عُزْلَةٍ نَفْسِيَّةٍ خَانِقَةٍ.
تَنْعَدِمُ الثِّقَةُ، وَيَحُلُّ مَحَلَّهَا التَّرَبُّصُ وَالحِقْدُ، فَيَغْدُو المُجْتَمَعُ غَابَةً يَأْكُلُ القَوِيُّ فِيهَا الضَّعِيفَ.
أَمَّا عَنِ الجَانِبِ الَّذِي قَدْ يَرَاهُ البَعْضُ (إِيجَابِيًّا) -مِنْ مَنْظُورٍ نَفْعِيٍّ ضَيِّقٍ- فَهُوَ الصَّلَابَةُ فِي مَوَاقِفِ الحَزْمِ.
إِذْ قَدْ تَحْمِي القَسْوَةُ صَاحِبَهَا مِنَ الاسْتِغْلَالِ العَاطِفِيِّ، أَوْ تَمْنَحُهُ حِصْنًا ضِدَّ الابتِزَازِ المَشَاعِرِيِّ.
لَكِنَّ هَذَا (الإِيجَابَ) المَزْعُومَ هُوَ وَهْمٌ، لِأَنَّهُ يَبْنِي أَسْوَارًا بَدَلًا مِنَ الجُسُورِ مَعَ الآخَرِينَ.
فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَقْسُو لِيَحْمِيَ نَفْسَهُ، يَنْتَهِي بِهِ المَطَافُ وَحِيدًا فَوْقَ قِمَّةٍ مِنَ الجَلِيدِ.
إِنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ زَيْتُ الحَيَاةِ الَّذِي يَمْنَعُ احْتِكَاكَ النُّفُوسِ وَتَصَادُمَهَا العَنِيفَ فِي دُرُوبِ الشَّقَاءِ.
وَبِدُونِهَا، تَنْطَفِئُ شُعْلَةُ الإِبْدَاعِ، لِأَنَّ الفَنَّ وَالأَدَبَ يَقُومَانِ عَلَى الرِّقَّةِ وَالاحْسَاسِ المُرْهَفِ.
إِنَّ قَسْوَةَ القَلْبِ تُمِيتُ الضَّمِيرَ، وَمَوْتُ الضَّمِيرِ هُوَ المَوْتُ الحَقِيقِيُّ لِلإِنْسَانِ قَبْلَ رَحِيلِ الجَسَدِ.
فِي تَارِيخِ الأُمَمِ، كَانَتِ القَسْوَةُ دَوْمًا سَبَبًا فِي الدَّمَارِ، وَكَانَتِ الرَّحْمَةُ سَبَبًا فِي العُمْرَانِ.
لِذَلِكَ، يَجِبُ عَلَى المَرْءِ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ كَيْ لَا تَتَصَحَّرَ رُوحُهُ بِفِعْلِ خَيْبَاتِ الزَّمَانِ.
فَالعَظَمَةُ لَيْسَتْ فِي الجَبَرُوتِ، بَلْ فِي القُدْرَةِ عَلَى الغُفْرَانِ وَمَسْحِ دُمُوعِ المَحْزُونِينَ.
إِنَّ القَلْبَ الرَّحِيمَ هُوَ نُورٌ يَمْشِي بِهِ صَاحِبُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُحِيلُ الظُّلْمَةَ ضِيَاءً.
وَالقَلْبُ القَاسِي ظُلْمَةٌ تَلُفُّ كُلَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهَا، فَتُفْسِدُ الوُدَّ وَتَقْطَعُ الرَّجَاءَ.
لِنَكُنْ رُحَمَاءَ حَتَّى نُسْتَحَقَّ لَقَبَ الإِنْسَانِيَّةِ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ نُبْلٍ وَسُمُوٍّ.
إِنَّ مِيرَاثَنَا الحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَا نَجْمَعُهُ، بَلْ مَا نَزْرَعُهُ مِنْ لِينٍ فِي نُفُوسِ مَنْ حَوْلَنَا.
فَلا قِيمَةَ لِعِلْمٍ أَوْ جَاهٍ إِذَا كَانَ مَغْلُوفًا بِغِلْظَةِ القَلْبِ وَجَفَاءِ الطَّبْعِ.
لِنَعُدْ إِلَى فِطْرَتِنَا السَّلِيمَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى المَحَبَّةِ وَالتَّسَامُحِ لِتَسْتَقِيمَ لَنَا الحَيَاةُ.
إِنَّ حُرُوفِي هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ لُغَةُ الأَرْوَاحِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الشَّيْخُوخَةَ.
وَمَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ، قَاعِدَةٌ كَوْنِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأَزْمَانِ.
لِنَجْعَلْ مِنْ قُلُوبِنَا مَحَارِيبَ لِلرَّحْمَةِ، لَا سُجُونًا لِلحِقْدِ وَالقَسْوَةِ المُفْرِطَةِ.
هَكَذَا نَبْنِي عَالَمًا أَكْثَرَ دِفْئًا، وَأَقَلَّ أَلَمًا، لَنَا وَلِلأَجْيَالِ القَادِمَةِ مِنْ بَعْدِنَا.
تِلْكَ هِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَحْمِلَهَا فِي سُوَيْدَاءِ نُفُوسِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|